التبرك بالصالحين وبقبورهم

العراقي: ونعله الكريمة المصونه … طوبى لمن مسّ بها جبينه/ (ونعله الكريمة) ؛ أي: المكرّمة المحترمة، لتشرفها بأخمص خير الخلق صلّى الله عليه وسلم/ (أصاب زوجتي وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النّعل على موضع الوجع، وقلت: اللهمّ؛ أرني بركة صاحب هذا النّعل. فشفاها الله تعالى للحين)/ «فتح المتعال في مدح النّعال الشّريفة النّبويّة»

«ألفية السيرة النبوية – نظم الدرر السنية الزكية» (ص88):
‌ونَعْلُهُ ‌الكَريمَةُ المَصُونَهْ … طُوبى لمَنْ مَسَّ بِها جَبِينَهْ
لهَا قِبَالانِ بِسَيْرٍ وَهُمَا … سِبْتِيَّتَانِ سَبَتوا شَعْرَهُمَا «2»
وطُولُهَا شِبْرٌ وإصْبَعَانِ … وعَرْضُها مِمَّا يَلي الكَعبَانِ «3»
سَبْعُ أصَابِعَ، وبَطْنُ القَدَمِ … خَمْسٌ، وفَوقَ ذا فَسِتٌّ فاعلَمِ
وَرَأْسُهَا مُحَدَّدٌ، وعَرْضُ مَا … بَينَ القِبَالَينِ اصْبَعَانِ، اضبِطْهُمَا
وهَذهِ تِمثَالُ تِلكَ النَّعْلِ … ودورهَا، أكْرِمْ بها من نعل

الكتاب: ألفية السيرة النبوية – نظم الدرر السنية الزكية

المؤلف: أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (ت ٨٠٦هـ)

الناشر: دار المنهاج – بيروت

الطبعة: الأولى- ١٤٢٦ هـ

«منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول (ص)» (1/ 577):

ونعله الكريمة المصونه … طوبى لمن مسّ بها جبينه

لها قبالان بسير وهما … سبتيّتان سبتوا شعرهما

وطولها شبر وإصبعان … وعرضها ممّا يلي الكعبان

سبع أصابع وبطن القدم … خمس، وفوق ذا فستّ فاعلم

تعالى: (ونعله الكريمة) ؛ أي: المكرّمة المحترمة، لتشرفها بأخمص خير الخلق صلّى الله عليه وسلم، ويطلق الكريم على النّفيس، ومنه: كرائم الأموال.

(المصونة) عن الأدناس، (طوبى) – فعلى- من الطّيب، و «طوبى» كلمة عربيّة، تقول العرب: طوبى لك إن فعلت كذا وكذا، ولا تقول: طوباك، وهذا قول أكثر النّحويّين إلّا الأخفش، وقيل: إنّ «طوبى» تأنيث «الأطيب» ؛ أي: راحة وطيب عيش (لمن مسّ بها جبينه) . والجبين: ناحية الجبهة من محاذاة النّزعة إلى الصّدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، فتكون الجبهة بين جبينين، وجمعه جبن، مثل بريد وبرد.

(لها قبالان) – بكسر القاف- تثنية قبال؛ وهو زمام النّعل، أي: لكل واحدة قبالان بينهما نحو أصبعين، (بسير) ؛ أي: من سير، (وهما) ؛ أي: النّعلان (سبتيّتان) ، مثنّى سبتيّة- بكسر السّين المهملة وسكون الموحّدة وكسر المثنّاة الفوقيّة- نسبة للسّبت- بكسر السّين- وهو: جلود البقر المدبوغة، سمّيتا بذلك!! لأنّهما (سبتوا شعرهما) ، أي: أزالوه.

(وطولها شبر وإصبعان، وعرضها) – مبتدأ- (ممّا يلي الكعبان) ؛ أي: ممّا يليه الكعبان، فالكعبان فاعل لا مفعول.

(سبع أصابع) – خبر مبتدأ- (و) عرضها مما يلي (بطن القدم، خمس) من الأصابع، (وفوق ذا، فستّ) ؛ أي: وعرضها مما فوق بطن القدم مما يلي الأصابع فستّ من الأصابع.

(فاعلم) هذا ولا يلتبس عليك ورأسها محدّد وعرض ما … بين القبالين اصبعان اضبطهما

وهذه مثال تلك النّعل … ودورها أكرم بها من نعل

فائدة: قال في «المواهب» : ذكر ابن عساكر …

(ورأسها محدّد) على هيئة اللّسان.

(وعرض ما بين القبالين اصبعان؛ اضبطهما) ، فلا تنقص ولا تزد على هذا التّحديد.

(وهذه) الصّفة المذكورة (مثال تلك النّعل) الشّريفة، (و) هذا (دورها) ؛ أي: تحديدها. (أكرم بها من نعل) ، تشرّفت بموطئ سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلم.

(فائدة:)مشتقّة من الفيد، بمعنى: استحداث المال والخير، فهي يائيّة، وقيل: واوية؛ من الفود، كما نقله الدّماميني في «حواشي المغني» .

وقيل: من فأدته؛ إذا أصبت فؤاده، لكونها تؤثّر في الفؤاد؛ أي: القلب سرورا، أو لتعلّقه بها، معنويّة كانت أو حسّيّة، وإدراكه لها إن كانت؛ معنويّة.

وهي لغة: ما يستفاد من علم أو مال. وقيل: الزّيادة الّتي تحصل للإنسان، وقيل: ما حصل لك ممّا لم يكن عندك. وقيل: ما يكون الشّيء به أحسن حالا منه بغيره.

واصطلاحا: كلّ مصلحة تترتّب على فعل، فهي من حيث إنّها نتيجة له تسمّى «فائدة» ، ومن حيث إنّها طرف له تسمّى «غاية» ، ومن حيث إنّها مطلوبة للفاعل بإقدامه على الفعل تسمّى «غرضا» ، ومن حيث إنّها باعثة له بذلك تسمّى «علّة غائية» ؛ قاله شيخ الإسلام زكريا مع «حواشي الشرقاوي» .

(قال) أي: العلّامة القسطلاني (في) كتاب ( «المواهب) اللّدنّيّة» :

(ذكر) أبو اليمن– بضمّ الياء التّحتيّة وإسكان الميم- عبد الصّمد بن عبد الوهّاب بن الحسن بن محمّد بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين (بن عساكر) .

الإمام العلّامة، الحافظ الزاهد، أمين الدّين الدّمشقي؛ ثمّ المكّي

تمثال نعله صلّى الله عليه وسلّم في جزء مفرد، وأفرده بالتّأليف أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن خلف السّلميّ الأندلسيّ، وكذا غيرهما.

مولده في سنة: – 614- أربع عشرة وستمائة، وكان قويّ المشاركة في العلوم، لطيف الشّمائل، بديع النظم، خيّرا صاحب صدق وتوجه.

اعتنى من صغره بالعلم؛ خصوصا الحديث، وأخذ عن جده، والحسين الزبيدي، والموفق ابن قدامة وغيرهم.

وأجاز له جمع؛ منهم: عبد الرّحيم بن السّمعاني، والمؤيّد الطّوسي، وأبو روح الهروي. وله التّآليف الحسنة؛ منها جزء في تمثال نعلي النّبيّ صلّى الله عليه وسلم.

وانقطع بمكّة المكرّمة نحوا من أربعين سنة، ومات بالمدينة المنوّرة على الحالّ بها أفضل الصّلاة والسّلام، في جمادى الأولى سنة: – 686- ست وثمانين وستمائة رحمه الله تعالى آمين.

(تمثال) ؛ أي: صفة تمثال؛ (نعله) المكرّم (صلّى الله عليه وسلم) ، أي: ما يؤخذ منه صفة تصويره، وإلّا فهو لم يذكر تمثاله (في جزء مفرد) ؛ نحو ثمان ورقات في النصف.

(و) كذا (أفرده بالتّأليف) الإمام الوليّ الصّالح؛ (أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن خلف السّلميّ) ، المشهور ب «ابن الحاجّ» (الأندلسيّ) ، من أهل المرية كغنية.

(وكذا غيرهما) ك «مسند أفريقية» ، بل «مسند المغرب» : المعمر الأديب؛ أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن هارون، الطّائي، القرطبي، التونسي، يكنّى أبا محمّد.

المولود سنة: – 603- ثلاث وستمائة، والمتوفّى سنة: – 702- اثنتين وسبعمائة، ب «الزّلاج» من تونس. وفي «تذكرة الحفاظ» للذّهبي: أنّه مات عن 99- تسع وتسعين سنة رحمه الله تعالى؛ فإنّه ألّف كتاب «الّلآلي المجموعة من

باهر النّظام وبارع الكلام في وصف مثال نعلي رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام» . وسبب جمعه- على ما قال-: أنّه سئل منه نظم أبيات تكتب على مثال النّعل المشرّفة؛ فكتب في ذلك قطعة وندب أدباء قطر الأندلس لذلك فأجابوا، وكتب عن ذلك ما وصل إليه، وجملة ما فيه من المقطوعات ما ينيف على مائة وثلاثين؛ بين صغيرة وكبيرة، ولم يطّلع على هذا التّأليف الحافظ المقرىء، مع سعة حفظه وكثرة اطّلاعه ومبلغه من التّنقير والتّفتيش عما قيل في النعل، ولم يطّلع لمن قبله إلّا على عدد أقلّ من هذا بكثير، وغالب ما أودعه في «فتح المتعال» كلامه وكلام أهل عصره، ولو اطّلع عليه لاغتبط به كثيرا. انتهى؛ من «فهرس الفهارس» للشّريف عبد الحي الكتّاني رحمه الله تعالى.

وكالشّهاب المقّري- بتشديد القاف– صاحب كتاب «نفح الطيب» المتوّفى سنة: – 1041- إحدى وأربعين وألف هجريّة، فإنّه ألّف كتابه «فتح المتعال في مدح النّعال الشّريفة النّبويّة» ، قال المصنّف:

وقد اختصرته بمختصر سمّيته «بلوغ الآمال من فتح المتعال» أثبتّ فيه ما لا بدّ منه ولا غنى عنه، فجاء مختصرا نافعا جامعا لكلّ المقصود من ذلك الكتاب وعلمه؛ مع كونه في نحو خمس حجمه، لأنّي حذفت منه كلّ الفوائد الاستطرادية الّتي ذكرها لمناسبة، أو غير مناسبة من معان شتّى لا دخل لها في المقصود بالكلّيّة، كما حذفت معظم الأشعار الّتي ذكرها في مدح المثال الشّريف، قال:

وقد كنت مند سنين أفردت مثالا هو الأصحّ والمعتمد من أمثلة النّعال الّتي ذكرها في الأصل في ورقة مخصوصة، وذكرت حوله فيها فوائد نافعة تتعلّق به، وطبعت منه أربعين ألف نسخة ونشرتها في البلاد الإسلاميّة، فمن شاء فليتطلّبه. انتهى.

وهذا المؤلّف الّذي في النّعال قد أدرجه المصنّف في كتابه «جواهر البحار في فضائل النبي المختار» المطبوع في أربعة أجزاء؛ فليطلبه من أراده. ومما ذكره المصنّف في مؤلّفه المذكور قوله:

قال الإمام المقّري في «الأصل» : اعلم- أرشدني الله وإيّاك إلى سواء قال: ولم أثبتها اتّكالا على شهرتها، ولصعوبة ضبط تسطيرها إلّا على حاذق.

السّبيل، وأوردنا مع الرّعيل الأوّل مناهل الرحيق والسّلسبيل- أنّ جماعة من الأئمّة المغاربة، المقتدى بهم تعرضوا للمثال الطّاهر، وحسنه الباهر، وأقرّوا بمشاهدته عين النّاظر؛ منهم الإمام أبو بكر بن العربي، والحافظ أبو الرّبيع بن سالم الكلاعي، والكاتب الحافظ أبو عبد الله بن الأبّار، والرّحّالة أبو عبد الله بن رشيد الفهري، والرّاوية أبو عبد الله محمّد بن جابر الوادياشي، وخطيب الخطباء أبو عبد الله بن مرزوق، والمفتي الإمام أبو عبد الله محمد الرّضاع التّونسي، والوليّ الصّالح الشّهير؛ أبو إسحاق إبراهيم بن الحاج السّلمي الأندلسي المرّيي، وعنه أخذ ابن عساكر المثال، وغير هؤلاء ممّن يطول تعدادهم: كأبي الحكم مالك بن المرحّل، وابن أبي الخصال؛ وهم القدوة ولنا بهم أسوة..

وتلاهم من أهل الشّرق جماعة؛ كالحافظ ابن عساكر وتلميذه البدر الفارقي، والحافظ العراقي، وابنه؛ أي: الوليّ العراقيّ، والشّيخ القسطلاني في «مواهبه اللّدنّيّة» وغيرهم.

قال الإمام المقّري: وقد بلغني عن بعض الأغمار ممّن هو كمثل الحمار أنّه أنكر تصويري الأمثلة الشّريفة ذات الظّلال الوريفة؛ قائلا: كيف تنهون عن الصور وأنتم تفعلونها؟!! فقلت لمن بلغني عنه ذلك: قل له: وأنتم لم تتكلّمون في الأمور التي تجهلونها، وليس هذا من تلك الصّور، لا في ورد ولا صدر. انتهى.

ثمّ ذكر في كتابه المذكور ستّة أمثلة للنّعل الشّريفة؛ منها مثالان عليهما المعوّل والاعتماد، وأربعة أمثلة دونهما في القوّة.

(قال) ؛ أي: القسطلّاني: (ولم أثبّتها) هنا (اتّكالا على شهرتها، ولصعوبة ضبط تسطيرها إلّا على حاذق) – بالحاء المهملة والذّال المعجمة آخره قاف- أي: ماهر، وقد ذكر الحافظ العراقيّ صفتها نظما في أبيات تقدّمت قريبا ومن بعض ما ذكر من فضلها، وجرّب من نفعها وبركتها أنّ أبا جعفر أحمد بن عبد المجيد– وكان شيخا صالحا- أعطى مثالها لبعض الطّلبة، فجاءه وقال له: رأيت البارحة من بركة هذا النّعل عجبا؛ أصاب زوجتي وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النّعل على موضع الوجع، وقلت: اللهمّ أرني بركة صاحب هذا النّعل.. فشفاها الله تعالى للحين.

وقال أبو إسحاق: قال أبو القاسم بن محمّد: وممّا جرّب من بركته: أنّ من أمسكه عنده متبرّكا به.. كان له أمانا من بغي البغاة، (ومن بعض ما ذكر) أبو اليمن، ابن عساكر في جزئه المذكور (من فضلها، وجرّب من نفعها، وبركتها؛ أنّ أبا جعفر؛ أحمد بن عبد المجيد؛ وكان شيخا صالحا) ورعا (أعطى مثالها لبعض الطّلبة، فجاءه) ؛ أي: ذلك البعض (وقال له: رأيت البارحة) – بالحاء المهملة-؛ أي: اللّيلة الماضية قبل يومك الّذي أنت فيه. وعادة العرب تقول؛ قبل الزّوال: فعلنا اللّيلة كذا لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزّوال: فعلت البارحة كذا. انتهى.

(من بركة هذا النّعل) الشّريف (عجبا) .

قال الشّيخ أبو جعفر: فقلت له: وما رأيت؟ قال: (أصاب زوجتي وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النّعل على موضع الوجع، وقلت: اللهمّ؛ أرني بركة صاحب هذا النّعل. فشفاها الله تعالى للحين) ، أي: سريعا. (وقال أبو إسحاق) إبراهيم بن محمّد؛ الشّهير ب «ابن الحاجّ» ، السّابق قريبا: (قال أبو القاسم) القاسم (بن محمّد) ؛ شيخ أبي إسحاق المذكور:

(وممّا جرّب من بركته: أنّ من أمسكه عنده متبرّكا به كان له أمانا من بغي وغلبة العداة، وحرزا من كلّ شيطان مارد، وعين كلّ حاسد، وإن أمسكته الحامل بيمينها وقد اشتدّ عليها الطّلق.. تيسّر أمرها بحول الله تعالى وقوّته.

وما أحسن قول أبي بكر القرطبيّ رحمه الله تعالى:

البغاة، وغلبة العداة) – بضم العين المهملة فقط لثبوت الهاء- فهو كقضاة؛ قاله ابن القاصح وغيره.

(وحرزا من كلّ شيطان مارد) : عات خارج عن الطّاعة، (وعين كلّ حاسد، وإن أمسكته) المرأة (الحامل بيمينها وقد اشتدّ عليها الطّلق) – بفتح الطّاء المهملة وسكون اللّام-: وجع الولادة، يقال: طلّقت المرأة، مبنيّا للمفعول طلقا، فهي مطلوقة؛ إذا أخذها المخاض: وهو وجع الولادة. انتهى؛ قاله في «المصباح» .

(تيسّر أمرها) ؛ أي: سهل خلاصها وتيسّرت ولادتها، قال المقرّي: قلت:

وقد جربته فصّح (بحول الله تعالى وقوّته) ؛ لا رب غيره ولا معبود سواه لبريته.

ومن خواصّ مثال النّعل الشّريف أيضا، ومنافعه المنقولة عن الثّقات الّذين لا يمترى في صدق أخبارهم: أنّه أمان من النّظرة والسّحر، وإنّ من لازم حمله كان له القبول التّامّ من الخلق، ولا بدّ أن يزور النّبيّ صلّى الله عليه وسلم؛ أو يراه في منامه، وإنّه لم يكن في جيش فهزم، ولا في قافلة فنهبت، ولا في سفينة فغرقت، ولا في بيت فأحرق، ولا في متاع فسرق، وذلك ببركة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وشرّف وكرّم. انتهى؛ من مختصر «فتح المتعال» للمصنف رحمه الله تعالى.

ومن أراد المزيد فليراجع «جواهر البحار» في رسالة «بلوغ الآمال» .

(وما أحسن قول) – «ما» تعجّبيّة، بمعنى: شيء عظيم، و «أحسن» فعل تعجّب وفاعله مستتر فيه وجوبا، و «قول» منصوب على المفعولية لفعل التّعجّب- والتقدير: شيء عظيم حسّن قول (أبي بكر) أحمد بن الإمام أبي محمد عبد الله بن الحسين الأنصاري، المدعو ب «حميد» (القرطبيّ) شهرة، وهو مالقي (رحمه الله ونعل خضعنا هيبة لبهائها … وإنّا متى تخضع لها أبدا نعلو

فضعها على أعلى المفارق إنّها … حقيقتها تاج وصورتها نعل

بأخمص خير الخلق حازت مزيّة … على التّاج حتّى باهت المفرق الرّجل

تعالى) كان مقرئا مجوّدا فقيها، محدّثا ضابطا، نحويّا ماهرا، أديبا كاتبا بارعا، متين الدّين صادق الورع، سريع العبرة، كثير البكاء، معرضا عن الدّنيا، لا يضحك إلا تبسّما نادرا، ثمّ يعقبه بالبكاء والاستغفار، مقتصدا في مطعمه وملبسه، معانا على ذلك، مؤيّدا من الله حتى بلغ من الورع رتبة لم يزاحم عليها، أقرأ ببلده «مالقة» القرآن، ودرس الفقه وأسمع الحديث وأدّب بالعربيّة، ثمّ رحل قاصدا الحجّ؛ فلمّا وصل مصر عظم صيته بها، فمرض وتعذّر عليه الحجّ، فطلب السّلطان زيارته فأبى؛ فألحّ عليه حتى أذن له، فعرض عليه جائزة سنيّة فلم يقبلها، وتوفّي فحضر جنازته السّلطان ومن لا يحصى سنة: – 652- اثنتين وخمسين وستمائة. ومولده سنة 607- سبع- بتقديم السّين على الموحّدة- وستمائة رحمه الله تعالى. آمين.

(ونعل) – بالرّفع أو الجر على ما قبله؛ إن كان قبله شيء، أو خبر مبتدأ محذوف- أي: وهذه نعل (خضعنا) : ذللنا، (هيبة) : إجلالا (لبهائها) :

حسنها حين أبصرناها.

(وإنّا) – بتشديد النّون- (متى نخضع لها أبدا) في كل زمان (نعلو) ، نرتفع.

(فضعها) ؛ أي: النّعل أيّها الظّافر بها (على أعلى المفارق) ، الرّأس (إنّها حقيقتها تاج) تزيّن الرّأس كالتّاج، وهو الإكليل (وصورتها نعل) ، أي:

كصورته.

(بأخمص خير الخلق حازت) : ضمّت واكتسبت؛ (مزيّة) : فضيلة (على التّاج) الّتي تتزيّن به الملوك، (حتّى باهت المفرق) ؛ بزنة «مسجد» حيث يفرق الشّعر (الرّجل) – بكسر الرّاء وإسكان الجيم- أهدى للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خفّين أسودين ساذجين، فلبسهما، ثمّ توضّأ ومسح عليهما.

ومعنى (ساذجين) : لم يخالط سوادهما شيء آخر.

(أهدى) – من الإهداء، بمعنى: إرسال الهديّة، ويتعدّى باللّام وب «إلى» – (للنّبيّ صلّى الله عليه وسلم خفّين) ؛ أي: وقميصا وسراويل وطيلسانا- كما في الباجوري- (أسودين) ؛ نعت للخفّين وكذا قوله: (ساذجين) – بفتح الذّال المعجمة وكسرها؛ أي: غير منقوشين، أو لا شعر عليهما، أو على لون واحد.

(فلبسهما) – بفاء التفريع؛ أو التعقيب- ففيه أن المهدى إليه ينبغي له التصرف في الهديّة عقب وصولها بما أهديت لأجله؛ إظهارا لقبولها ووقوعها الموقع، ووصولها وقت الحاجة إليها، وإشارة إلى تواصل المحبّة بينه وبين المهدي، حتّى أنّ هديته لها مزيّة على ما عنده؛ وإن كان أعلى وأغلى.

ولا ينحصر ذلك في التألّف ونحوه، بل مثله من يعتقد صلاحه أو علمه أو يقصد جبر خاطره، أو دفع شرّه، أو نفوذ شفاعته عنده في مهمّات النّاس، وأشباه ذلك.

ويؤخذ من الحديث أنّه ينبغي قبول الهديّة حتّى من أهل الكتاب، فإنّه كان وقت الإهداء كافرا؛ كما قاله ابن العربيّ، ونقله عنه الزّين العراقي. وفيه أيضا: عدم اشتراط صيغة، بل يكفي البعث والأخذ.

(ثمّ توضّأ؛ ومسح عليهما) ، فيه أنّ الأصل في الأشياء المجهولة الطّهارة، وفيه جواز المسح على الخفّين، وهو إجماع من يعتدّ به، وقد روى المسح على الخفّين سفرا وحضرا ثمانون صحابيا، وأحاديثه متواترة، ومن ثمّ قال بعض الحنفيّة: أخشى أن يكون إنكاره، أي: من أصله كفرا. انتهى «مناوي» .

(ومعنى ساذجين) – بفتح الذّال المعجمة وكسرها-: (لم يخالط سوادهما شيء) أي: لون (آخر) . قال المحقّق أبو زرعة؛ وليّ الدّين العراقي الحافظ ابن الحافظ: وهذه اللّفظة تستعمل في العرف لذلك المعنى، ولم أجدها في كتب اللّغة بهذا المعنى، ولا رأيت المصنّفين في غريب الحديث ذكروها؛ وقال القسطلاني وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: أهدى دحية للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خفّين، فلبسهما.

السّاذج: معرّب شاذة «1» .

(وعن المغيرة بن شعبة) الثّقفي الصّحابي الجليل- وتقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه، قال: أهدى دحية) – بكسر الدّال عند الجمهور، وقال ابن ماكولا بالفتح، ذكره في «جامع الأصول» -.

وهو دحية بن خليفة بن فضالة بن فروة الكلبي، أسلم قديما وشهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم مشاهده كلّها بعد بدر، وأرسله رسول الله صلّى الله عليه وسلم بكتاب إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى هرقل.

وحديثه في «الصّحيحين» ، وكان جبريل يأتي النّبيّ صلّى الله عليه وسلم في صورته، وكان من أجمل النّاس، وحكي أنّه كان إذا قدم من الشّام لم تبق معصر إلّا خرجت تنظر إليه.

والمعصر: الّتي بلغت سنّ المحيض.

روى عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلم ثلاثة أحاديث، روى عنه خالد بن زيد، وعبد الله بن شدّاد، والشّعبي، وغيرهم، وشهد اليرموك، وسكن المزّة القرية المعروفة بجنب دمشق، وبقي إلى خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهما.

(للنّبيّ صلّى الله عليه وسلم خفّين فلبسهما) . وهذا الحديث رواه التّرمذي عن شيخه قتيبة بن سعيد؛ عن يحيى بن زكريّا؛ عن الحسن بن عيّاش؛ عن أبي إسحاق الشيباني؛ عن الشّعبي؛ عن المغيرة … فذكره، وعقّبه بقوله: وقال إسرائيل: عن جابر؛ عن عامر: وجبّة فلبسهما حتّى تخرّقا لا يدري النّبيّ صلّى الله عليه وسلم أذكيّ هما أم لا.

قال في «المواهب» وشرحها: رواه التّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» والطّبراني. انتهى.

‌‌_________

(1) والعامّة تصحّفه إلى «سادة» وروى الطّبرانيّ في «الأوسط» عن الحبر: …

قال الباجوري، وملا علي قاري في «جمع الوسائل» : (وروى الطّبرانيّ) ، الحافظ: سليمان بن أحمد اللخمي، المحدّث الكبير، (في) «معجمه (الأوسط) » .

والمعجم في اصطلاحهم: ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصّحابة أو الشّيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكون مرتّبا على حروف الهجاء؛ والطّبرانيّ له ثلاثة معاجم: «كبير» ، و «صغير» ، و «أوسط» .

فالكبير: مؤلّف في أسماء الصّحابة على حروف المعجم عدا مسند أبي هريرة، فإنّه أفرده في مصنّف، يقال: إنّه أورد فيه ستّين ألف حديث في اثني عشر مجلّدا، وفيه قال ابن دحية: هو أكبر معاجم الدّنيا؛ وإذا أطلق في كلامهم «المعجم» فهو المراد، وإذا أريد غيره قيّد.

والأوسط: ألّفه في أسماء شيوخه، وهم قريب من ألفي رجل، حتّى أنّه روى عمّن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه، وأكثره من غرائب حديثهم، قال الذّهبيّ: فهو نظير كتاب «الأفراد» للدّار قطني؛ بيّن فيه فضيلته وسعة روايته، ويقال: إنّ فيه ثلاثين ألف حديث، وهو في ستّ مجلّدات كبار، وكان يقول فيه:

هذا الكتاب روحي؛ لأنّه تعب فيه؛ قال الذهبي: وفيه كلّ نفيس وعزيز ومنكر.

والصغير: وهو في مجلّد، يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث بأسانيدها، لأنّه خرّج فيه عن ألف شيخ، كلّ شيخ حديثا أو حديثين. انتهى. من «الرسالة المستطرفة» .

ورواه البيهقي في «الدعوات الكبير» بإسناد صحيح كلاهما؛ (عن الحبر) بفتح الحاء وكسرها؛ لغتان، – أي: العالم؛ سمّي بذلك!! لأنّه يحبر في عبارته، أي: يحسّنها، والمراد به هنا الصّحابي الجليل عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب ابن عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم حبر الأمّة وترجمان القرآن- وتقدمت ترجمته- رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد الحاجة.. أبعد المشي، فانطلق ذات يوم لحاجته، ثمّ توضّأ ولبس خفّه، فجاء طائر أخضر فأخذ الخفّ الآخر فارتفع به، ثمّ ألقاه، فخرج منه أسود سالخ- أي: حيّة- فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «هذه كرامة أكرمني الله بها، اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ من يمشي على بطنه، ومن شرّ من يمشي على رجليه، ومن شرّ من يمشي على أربع» .

(قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة) ، – أي: قضاء الحاجة، يعني البراز- (أبعد المشي) ؛ أي: ذهب بعيدا مستترا عن أعين النّاس كما هو معروف في آداب قضاء الحاجة (فانطلق ذات يوم) فقعد تحت شجرة (لحاجته) فنزع خفّيه (ثمّ توضّأ، ولبس خفّه) ، أي: أحدهما (فجاء طائر أخضر فأخذ الخفّ الآخر فارتفع به) في السّماء وحلّق به، (ثمّ ألقاه) إلى الأرض، (فخرج منه) ؛ أي:

الخفّ، أي: انسلّت منه (أسود سالخ) – الخاء المعجمة آخره- وهو من أسماء الحيّات، كما قال المصنّف؛ (أي: حيّة) . قال في «شرح القاموس» : والأنثى أسوده، ولا توصف ب «سالخة» ، ويقال: أسود سالخ، وأسودان سالخ، وأساود سالخة، وسوالخ، وسلّخ، وسلّخة، كما في «القاموس» .

(فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «هذه كرامة أكرمني الله بها) ثمّ قال: (اللهمّ) – أي:

يا الله- (إنّي أعوذ) – أي: اعتصم- (بك من شرّ من يمشي على بطنه) – كالحيّات والثّعابين- (ومن شرّ من يمشي على رجليه) – كالآدمي- (ومن شرّ من يمشي على أربع» ) – كالأنعام-.

وأخرج الطّبراني في «الكبير» ؛ عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بخفّيه فلبس أحدهما، ثمّ جاء غراب فاحتمل الآخر فرمى به، فخرجت منه حيّة؛ فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفّيه حتّى ينفضهما» . انتهى. وهذا من علامات نبوّته صلّى الله عليه وسلم وقد عدّ ذلك في معجزاته

القسم: السيرة النبوية

الكتاب: منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

المؤلف: عبد الله بن سعيد بن محمد عبادي اللّحجي الحضرميّ الشحاري، ثم المراوعي، ثم المكي (ت ١٤١٠هـ)

الناشر: دار المنهاج – جدة

الطبعة: الثالثة، ١٤٢٦ هـ / ٢٠٠٥ م

===

العجالة السنية على ألفية السيرة النبوية (ص: 383)

ونعلُهُ الكريمةُ المَصونهْ *** طُوبى لمنْ مَسَّ بها جَبينهْ

لها قِبالانِ بسَيْرٍ وَهُما *** سِبْتِيَّتانِ سَبَتوا شعرهُما

وطولُها شبرٌ وإصبعانِ *** وعرضُها مِمَّا يلي الكعبانِ

سبعُ أصابعَ وبطنُ القدَمِ *** خمسٌ وفوقَ ذا فَسِتٌّ فاعلمِ

ورأسُها مُحدَّدٌ وعرضُ ما *** بينَ القِبالَينِ اصبعانِ اضْبِطْهُما

وهذهِ تِمثالُ تلكَ النعلِ *** ودورها أكْرِمْ بها مِنْ نعلِ

وأما صفة نعله الكريمة المصونة عن الأدناس فهي التي تُسمى التاسومة طوبى لمن مس بها جبينه، وكان لنعله قبالان كما في البخاري وغيره [12] وهما تثنية قِبال بقاف مكسورة وهو الزمام الذي بين الأصبع الوسطى والتي تليها، والباء في قول الناظم: “بسيرٍ” بمعنى من أي القبال من سير وهما أي النعلان سبتيتان مخصوفتان أي سبتوا [13] شعرهما وقيل كانت صفراء، والسبتية بالكسر جلود البقر المدبوغة سميت به لأن شعرها سبت أي حلق وأزيل أو لأنها أسبتت بالدباغ أي لانت، وكان طولها

شبرًا وإصبعين وعرضها من جهة الكعبين سبع أصابع مستوية وبطن القدم منهما خمس أصابع وفوق بطن القدم ست أصابع فاعلم هذه الحدود، ورأسها أي رأس النعل محدودٌ، قال السهيلي: جاء في صفة نعله أنها كانت معقبة مخصرة محترمة هو كالتحديد في مقدمها وكان [عرض ما] بين القبالين إصبعين ملتصقين، وقوله “اضبطهما” حشو كمل به الوزن وكذا قوله قبله: “فاعلم”، وهذه الصفة التي ذكرها الناظم هي صفة تمثال لتلك النعل الشريفة وتحديد دورها فأكرم بها من نعل مباركة شريفة.

الكتاب: العجالة السنية على ألفية السيرة النبوية
المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031 هـ)
الناشر: دار المشاريع للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: الثانية
عام النشر:1425 هـ/2004 م

السابق
مفارقات الوهابية في المسائل الكبرى عندهم /كامل/

اترك تعليقاً