مناظرات وردود على الوهابية

معنى ما ينسب إلى الإمام أحمد “فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه؟”

جاءني السؤال التالي: كيف حالكم أستاذي العزيز إن شاء الله تكونون بخير. البارحة كنت أتناقش مع وهابي في قضية أن الله هل هو داخل العالم أو خارجه فقلت له أن أهل السنة الأشاعرة والماتريدية يقولون أن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه وقلت له أن مصحح الدخول والخروج الجسمية والله ليس جسما فلا يوصف بذلك هو اعتبر أن هذا غير معقول وأن التقابل بين الدخول والخروج هو تقابل النقيضين وليس الملكة وعدمها أو المتضايفين فبناء على ذلك يستحيل بزعمه أن يكون الله غير داخل ولا خارج فألزمته بأن من جاز عليه الخروج جاز عليه الدخول فلم يجب وتوقفنا هنا للمرة الثانية إن شاء الله لكن في ضمن الكلام ذكر بزعمه عن الإمام أحمد أنه احتج على الجهمية بقوله هل خلق العالم في ذاته أم خارج ذاته إلى آخر الكلام الآن أريد منك لو سمحت أن أعرف هذه الرواية عن الإمام أحمد أنا أكيد لا أعتقد صحتها عنه ولكن لا بد أن يكون بين يدي دليل وخصوصا أنه قال أجمع الحنابلة رواية ذلك عن الإمام أحمد وشكرا كثيرا

فأجبت قائلا: مرحبا أخي الفاضل، نحمد الله ونشكره … وكيف أنتم لعلكم بخير إن شاء الله، وبالنسبة للسؤال:

أولا: المقرر في آداب البحث والمناظرة أن المستدل هو الذي عليه أن يثبت صحة ما يستند عليه، وبالتالي فيجب على خصمك الذي يستدل بقصة أحمد أن يثبت صحتها عنه فيذكر في أي كتاب وردت، وأنها ثبتت عنه بسند صحيح … وليس على المعترض أو السائل ـ الذي هو أنت هنا ـ أن يبحث عن هذه القصة وينظر في سندها ويتحقق من صحتها، يعني أنا مكثت حوالي ساعة وأنا أبحث عنها في غوغل وفي أكثر من ألفي كتاب للوهابية ولابن تيمية على المكتبة الشاملة، فرأيت كثيرا منهم يحتج بها ولكن لم أجد أحدا – سوى شخص واحد – ذكرها بلفظها وأسندها إلى مصدرها وهو كتاب الرد على الجهمية والزنادقة لاحمد (1)، ولكن هذا الكتاب مختلف أصلا في صحة نسبته إلى الإمام أحمد رحمه الله كما بسطته في موضعه.
قال الذهبي في سير النبلاء:. فهذه الرسالة إسنادها كالشمس، فانظر إلى هذا النفس النوراني، لا كرسالة الإصطخري، ولا كالرد على الجهمية الموضوع على أبي عبد الله، فإن الرجل كان تقيا ورعًا، لا يتفوّه بمثل ذلك. ولعله قاله، وكذلك رسالة المسيء في الصلاة باطلة. اهـ وانظر كتاب: تبرئة الإمام أحمد بن حنبل من كتاب الرد على الزنادقة والجهمية الموضوع عليه .


فقال لي السائل: أيوا نعم كلامك صحيح أستاذي شكرا كثيرا لك على المساعدة الله يكرمك: فقط هو بزعمه قال أن التقابل بين الدخول والخروج من باب تقابل النقيضين.

ثم قلت: ثانيا: خصمك لا يعلم من علم المنطق شيئا بل هو عنده بدعة يونانية ومع ذلك يأتي بمصطلحات منطقية لا يفمها ويقحم نفسه فيها، مثل القضايا المتناقضة والفرق بينها وبين القضايا المتضادة، فهذه لو درسها في علم المنطلق لعلم أن “داخل” نقيضه: ليس بداخل، وليس نقيضه: خارج، وإنما هو ضد له، وفرق كبير بين المقامين. وبالتالي فقولنا: الله لا داخل ولا خارج ليس تناقضا، التناقض لو قلنا: الله داخل العالم وليس بداخله، أو قلنا: الله لا داخل العالم ولا غير داخل. فنعم هذا تناقض حينها(2). والوهابية وقعوا في مثل هذا التناقض مرارا، فهم يقولون: لا يجوز أن تثبت لله الجوارح والمكان والجهة والأبعاض والتركيب والجسم ونحو ذلك ولا أن تنفيها!! وهذا تناقض لأن الله إما أن يكون جسما أو لا، أو يكون في جهة أو لا، أو له جوارح أو لا، أو يكون مركبا أو لا … أما لا هذا ولا ذلك … فهذا هو التناقض الذي يتهموننا به. وأيضا هم يقولون: لا يجوز أن تقول لفظي بالقرآن مخلوق ولا يجوز أن تقول لفظي بالقرأن غير مخلوق!!!! فهذا أيضا تناقض إذ لفظنا بالقرآن لا يخلو إما أن يكون مخلوقا أو غير مخلوقا، وأما لا هذا ولا هذا، فكيف ذلك؟

ثالثا: ما قاله أحمد إن صح عنه فهو يريد أن الله بائن عن خلقه وليس مختلطا بهم كما قاله الجهمية في عصره، ولا يريد بالإبانة هنا الابانة الحسية اللازمة للأجسام لأن أحمد صرح بنفي الجسمية عنه تعالى(3)، حتى لو أراد الابانة الحسية فهذا يلزمهم ولا يلزمنا، لأنهم يقولون بأن الله محيط بالكرة الأرضية وبالعالم لأنه في السماء المحيطة بالأرض من كل الجهات، وهذا صرح به ابن تيمية كما بسطته في موضعه(4)، وهذا مؤداه شاؤوا أم أبوا أن العالم كله داخل الله، والله محيط به من كل الجهات إحاطة حسية، تعالى الله عن ذلك … وبالتالي هم أنفسهم لا يقولون بعلو الله علوا حسيا وإنما بإحاطة الله للكون، نعم يزعمون أن هذه الإحاطة تسمى علوا .. !!!
السائل: ما شاء الله ما هذا الجواب القوي. الله يقويكم شكرا كثيرا أستاذي إن شاء الله دائما أستفيد منكم


هوامش:

(1) ونصه كما في الرد على الجهمية والزنادقة (ص: 155): وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل: أليس الله كان ولا شيء؟
فيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال، لابد له من واحد منها.
إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه .
إن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا كفرا أيضا [حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء. وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه، ثم لم يدخل فيهم. رجع عن قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة].اهـ

(2) قال شيخنا العلامة د. سعيد فودة في حسن المحاججة في بيان أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه (ص: 9): وأمَّا من يدعي الحذق منهم ويقول: إذا قلنا لا داخل العالم ولا خارجه فيلزمنا رفع النقيضين، وهذا باطل! فهذا اعتراض ساقط -كما قال العلامة ابن جلال-؛ لأن التناقض إنما يعتبر حين يتصف المحل بأحد النقيضين ويتواردان عليه، وأما حين لا يصح تواردهما على المحل ولا يمكن الاتصاف بأحدهما، فلا تناقض، كما يقال مثلاً: الحائط لا أعمى ولا بصير، فلا تناقض، لصدق النقيضين فيه، لعدم قبوله لهم على البدلية، انتهى من كتاب البراءة.
وهذا هو جواب أهل الحق، وهم أهل السنة والجماعة، بل هو جواب المسلمين كافة إلا المجسمة بأصنافهم.

وقال الشيخ أبو حفص الفاسي في حواشي الكبرى : (لا شك أن المعتقد هو أن الله تعالى سبحانه ليس في جهة، وقد أوضح الأئمة تقريره في الكتب الكلامية بما لا مزيد عنه، فهو سبحانه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، وتوهم أن في هذا رفعاً للنقيضين وهو محال، باطلٌ؛ إذ لا تناقض بين داخل وخارج، وإنما التناقض بين داخل ولا داخل، وليس خارج مساوياً للداخل، وإنما هو أخص منه، فلا يلزم من نفيه نفيه؛ لأن نفي الأخص أعم من نفي الأعم، والأعم لا يستلزم الأخص. فإن قيل: بم ينفرد هذا الأعم الذي هو لا داخل، عن الأخص الذي هو خارج.
قلنا: ينفرد في موجود لا يقبل الدخول ولا الخروج ولا الاتصال ولا الانفصال، وهذا يحمله العقل، ولكن يقصر عنه الوهم، وقصور الوهم منشأ الشبهة، ومثار دعوى الاستحالة) انتهى.

(3) كما في اعتقاد الإمام المنبل أحمد ابن حنبل رواية التميمي، وكذا في «العقيدة رواية أبي بكر الخلال» حيث جاء فيها (ص111): «وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الأسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل». وانظر الفيديو التالي لي:

(4) جاء في موسوعة الألباني في العقيدة (6/ 506): اعلم أن قوله في هذا الحديث: «فإن الله قبل وجهه».وفي الحديث [الآخر] .. «فإن الله عز وجل بين أيديكم في صلاتكم» لا ينافي كونه تعالى على عرشه, فوق مخلوقاته كلها كما تواترت فيه نصوص الكتاب والسنة, وآثار الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم, ورزقنا الإقتداء بهم, فإنه تعالى مع ذلك واسع محيط بالعالم كله, وقد أخبر أنه حيثما توجه العبد فإنه مستقبل وجه الله عز وجل, بل هذا شأن مخلوقه المحيط بما دونه, فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط, فإنه يستقبل وجه المحيط ويواجهه, وإذا كان عالي المخلوقات يستقبله سافلها المحاط بها بوجهه من جميع الجهات والجوانب, فكيف بشأن من هو بكل شيء محيط, وهو محيط ولا يحاط به؟ وراجع بسط هذا في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية؛ كالحموية والواسطية وشرحها للشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض (ص 213 – 201) رحمه الله. “التعليق على الترغيب والترهيب” (1/ 169).

وانظر تفصيل ذلك على تسجيلي هذا:

السابق
معنى نكارة المعنى في متن الحديث، من رسالة دكتوراة بعنوان “رد الحديث من جهة المتن بين المحدثين والأصوليين”
التالي
“وأما أن تتهمونا أمام الناس بإنكار الصفات وتقصدون بها الأجزاء والأعضاء والجوارح …. فهذا استسفاه لعقول أتباعكم وللبسطاء فضلا عن أنه افتراء علينا”(28)هل صحيح أن لله يدين؟[1]