مقالات قيمة في التفويض

تفويض المعنى عند ابن تيمية (منقول)

تفويض المعنى عند ابن تيمية

طالعتُ اليومَ في رسالةِ ابنِ تيميةَ -رحمه الله- «الانتصارِ لأهلِ الأثرِ»، المطبوعةِ باسمِ «نقضِ المنطقِ». وهو مؤلَّفٌ في حقيقتهِ جوابٌ عن سؤالٍ مركَّبٍ من أمرين:

الأول: مذهبُ السلفِ في الاعتقادِ، ومذهبُ غيرِهم من المتأخرينَ؛ ما الصوابُ منهما؟ وهل أهلُ الحديثِ أولى بالصوابِ من غيرِهم؟ وهل حدثَ بعدهم علومٌ جهلوها وعلمها غيرُهم؟

والثاني: علمُ المنطقِ؛ هل من قال: «إنه فرضُ كفايةٍ» مصيبٌ؟

استغرقَ جوابُ المؤلفِ عن الأمرِ الأولِ ثلاثةَ أرباعِ الكتابِ، وجعلَ الربعَ الأخيرَ للجوابِ عن الثاني. ثم رأيتُ فيه فصولًا مُدرَجةً من كتابهِ «جوابُ الاعتراضاتِ المصريةِ على الفتوى الحمويةِ».

ومما لاحظتُهُ أنه ينقلُ عباراتِ غيرِهِ بالحرفِ دونَ أن يعزوَ. بل نقلَ عبارةَ ابنِ قدامةَ: «ومما رأيتهُ لبعضِ مشايخِهم…»، وكأنها لهُ. ولا أدري ما عذرُهُ في ذلك.

ومما ينبغي توضيحُهُ هنا أنَّ لابنِ تيميةَ عدةَ كتبٍ في الحديثِ عن المنطقِ، مثلَ كتابِ «الردِّ على المنطقيينَ» المطبوعِ في مجلدٍ. وهناكَ كتابٌ آخرُ مختصرٌ. وهذا في الحقيقةِ لا يُعَدُّ منها، لأنَّ معظمَهُ يدورُ حولَ المعتقدِ.

والآنَ حانَ الوقتُ للدخولِ في صلبِ الموضوعِ. قالَ -رحمه الله- في ص4، 5 ما نصُّهُ:

«فحيثُ تقرَّرَ أنَّ من اتَّبعَ غيرَ سبيلِهم وَلَّاهُ اللهُ ما تولَّى وأصلاهُ جهنمَ، فمِن سبيلِهم في الاعتقادِ: الإيمانُ بصفاتِ اللهِ تعالى وأسمائهِ التي وصفَ بها نفسَهُ، وسمَّى بها نفسَهُ في كتابهِ وتنزيلهِ، أو على لسانِ رسولهِ، من غيرِ زيادةٍ عليها، ولا نقصٍ منها، ولا تجاوزٍ لها، ولا تفسيرٍ لها، ولا تأويلٍ لها بما يخالفُ ظاهرَها، ولا تشبيهٍ بصفاتِ المخلوقينَ، ولا سِماتِ المُحْدَثينَ. بل أمَرُّوها كما جاءتْ، وردُّوا علمَها إلى قائلِها، ومعناها إلى المتكلِّمِ بها.

وقالَ بعضُهم ــ ويُروى عن الشافعيِّ ــ: «آمنتُ بما جاءَ عن اللهِ [على مرادِ اللهِ]، وبما جاءَ عن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- على مرادِ رسولِ اللهِ».

وعلموا أنَّ المتكلِّمَ بها صادقٌ لا شكَّ في صدقِهِ، فصدَّقوهُ، ولم يعلموا حقيقةَ معناها، فسكتوا عمَّا لم يعلموهُ. وأخذَ ذلكَ الآخرُ عن الأولِ، ووصَّى بعضُهم بعضًا بحُسْنِ الاتِّباعِ، والوقوفِ حيثُ وقفَ أوَّلُهم، وحذَّروا من التجاوزِ لهم، والعدولِ عن طريقتِهم، وبيَّنوا لنا سبيلَهم ومذهبَهم، ونرجو أن يجعلَنا اللهُ تعالى ممَّن اقتدى بهم في بيانِ ما بيَّنوهُ، وسلوكِ الطريقِ الذي سلكوهُ.

والدليلُ على أنَّ مذهبَهم ما ذكرناهُ: أنهم نقلوا إلينا القرآنَ العظيمَ وأخبارَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- نقلَ مُصَدِّقٍ لها، مؤمنٍ بها، قابلٍ لها، غيرِ مرتابٍ فيها، ولا شاكٍّ في صدقِ قائلِها، ولم يفسِّروا ما يتعلقُ بالصفاتِ منها، ولا تأوَّلوهُ، ولا شبَّهوهُ بصفاتِ المخلوقينَ؛ إذ لو فعلوا شيئًا من ذلكَ لنُقِلَ عنهم، ولم يَجُزْ أن يُكْتَمَ بالكليَّةِ؛ إذ لا يجوزُ التواطؤُ على كتمانِ ما يُحْتاجُ إلى نقلِهِ ومعرفتهِ؛ لجريانِ ذلكَ في القُبْحِ مجرى التواطؤِ على نقلِ الكذبِ وفِعْلِ ما لا يحلُّ.

بل بلغَ من مبالغتِهم في السكوتِ عن هذا أنهم كانوا إذا رأوا من يَسألُ عن المتشابهِ بالغوا في كَفِّهِ، تارةً بالقولِ العنيفِ، وتارةً بالضربِ، وتارةً بالإعراضِ الدالِّ على شدَّةِ الكراهةِ لمسألتِهِ». انتهى.

قلتُ: رحمكَ اللهُ، هذا التقريرُ هو التفويضُ بعينِهِ، الذي ثبتَ عنكَ ما يناقضُهُ، وشنَّعتَ عليهِ بأنهُ شرُّ مذاهبِ أهلِ البدعِ والإلحادِ، وذهبتَ تُثبِتُ الأبعاضَ والأجزاءَ، وتأتي بأقوالٍ لم يسبقْكَ إليها أحدٌ ممن يُعتَمَدُ عليهِ في نقلِ مذهبِ السلفِ. ولم تَنْفِ فقطْ سوى جهلكَ بأشكالِها وأحجامِها. تعالى اللهُ عما يقولُ الظالمونَ علوًّا كبيرًا.

ولا ينتهي عجبي من أقوامٍ ينقلونَ عباراتٍ كثيرةً لأهلِ العلمِ تهدمُ ما يسعى لإثباتِهِ من تقريرِ المعنى، الذي لو سُئلَ عنهُ لتخبطَ وعصَدَ وخلطَ وملطَ وتناقضَ، وأتى بما يُضحِكُ الثكلى. وقالَ: أنا أُثبِتُ القدرَ المشتركَ، وذهبَ إلى علمِ المنطقِ الذي كفَّرَ بهِ قديمًا، وبالغَ في ذمِّهِ.

ومن الطريفِ أني قلتُ لأحدِهم: ما القدرُ المشتركُ الذي تُثبِتُهُ في الضحكِ؟ فما كانَ منهُ إلا أن فغرَ فاهُ، وحاصَ حيصةَ حمرِ الوحشِ.

لو قالَ قائلٌ: إنَّ كلَّ فريقٍ من المتخالفينَ سيجدُ من أقوالِ أهلِ العلمِ ما يسندُ قولَهُ ظاهرًا، لم يَبْعُدْ. والشأنُ هو: كيفَ تُفهَمُ هذهِ الأقوالُ مجتمعةً على نسقٍ واحدٍ لا تخالفَ فيهِ؟

رأيتُ بعضَهم يستدلُّ على إثباتِ المعنى بقولِ الإمامِ محمدِ بنِ إبراهيمَ الكلاباذيِّ [المتوفى: ٣٨٠هـ] قالَ في كتابهِ «التعرفُ لمذهبِ أهلِ التصوفِ» (ص: ٣٥):
«وأنَّ لهُ سمعًا وبصرًا ووجهًا ويدًا على الحقيقةِ، ليسَ كالأسماعِ والأبصارِ والأيدي والوجوهِ. وأجمعوا أنها صفاتٌ للهِ، وليسَ بجوارحَ ولا أعضاءَ ولا أجزاءَ».

وهذا فيهِ قصورٌ كبيرٌ في فهمِ نصوصِ أهلِ العلمِ. فقد نفى الإمامُ الكلاباذيُّ هنا الجوارحَ والأعضاءَ والأبعاضَ، ولم يبقَ لهُ سوى أن يُقالَ: لها صفةٌ، أي من صفاتِ المعاني، لا تُدرَكُ حقيقتُها. ولا فرقَ بينهُ وبينَ التفويضِ، وهذا ما جرى عليهِ الأشعريُّ في «الإبانةِ»، وجرى عليهِ غيرُهُ.

ولو تدبرَ الإنسانُ مثلَ هذهِ الأمورِ لقلَّ الخلافُ، ولتبينَ لهُ أنَّ الخلافَ ليسَ في فهمِ الحقيقةِ، بل هو خلافٌ في المصطلحاتِ والألفاظِ.

اللهمَّ رحماكَ بأمةِ الإسلامِ.

وكتبَ حميدُ بنُ مسعدَ بنُ صالحَ الحالميُّ، عفا اللهُ عنهُ، وغفرَ لهُ، ولوالديهِ، ولمن لهُ حقٌّ عليهِ.

السابق
خلاصة الكتاب (التوّسل والتبرك عند علماء المسلمين)
التالي
يُروِّجُ عالِم الفيزياء الفلكية «نيل ديغراس تايسون» لسرديةٍ يزعمُ فيها أنَّ انهيارَ «العصر الذهبي للإسلام» وتوقف عجلة الاكتشافات العلمية كان نتاجًا مباشرًا لظهور الإمام أبي حامد الغزالي (منقول)

اترك تعليقاً