مقالات عن الأشاعرة

يُروِّجُ عالِم الفيزياء الفلكية «نيل ديغراس تايسون» لسرديةٍ يزعمُ فيها أنَّ انهيارَ «العصر الذهبي للإسلام» وتوقف عجلة الاكتشافات العلمية كان نتاجًا مباشرًا لظهور الإمام أبي حامد الغزالي (منقول)

يُروِّجُ عالِم الفيزياء الفلكية «نيل ديغراس تايسون» لسرديةٍ يزعمُ فيها أنَّ انهيارَ «العصر الذهبي للإسلام» وتوقف عجلة الاكتشافات العلمية كان نتاجًا مباشرًا لظهور الإمام أبي حامد الغزالي. وتتمركز حبكة تايسون حول كونِ منهجية الغزالي الفكرية مؤديةٌ إلى القول بـ«أن الرياضيات من عملِ الشيطان» (Mathematics is the work of the devil)، وأنها تصرف المسلم عن الله وتغرقه في الماديات، وأنها أدت -بزعمه- إلى تحريم العلوم الطبيعية والرياضية، وإغلاق باب العقل في العالم الإسلامي إلى يومنا هذا!

إنَّ هذا الطرح لا يُمثِّل مجرَّد سطحيةٍ في قراءة التاريخ، بل هو افتراءٌ معرفيٌّ صريحٌ يكذِّبه أبسطُ اطلاعٍ على تراث الغزالي. وبمحاكمة هذا الادِّعاء إلى كتابَينِ من أهم مؤلفاته وأكثرها تداولًا، يتهافت زعم تايسون مِن القَواعد:

  • مِن كتاب «المُنقِذ مِن الضلال»:
    لم يكتفِ الغزالي بعدم تحريم الرياضيات، بل جعلَ من إنكارها باسم الدين «جنايةً كبرى». فقد فكَّك الإمام علوم الفلاسفة وميَّز بين الإلهيات -التي انتقدهم فيها- والرياضيات، قائلًا بعبارةٍ قاطعة:
    ”وأما الرياضياتُ فتتعلَّقُ بعلمِ الحسابِ، والهندسةِ، وعلمِ هيئةِ العالَمِ، وليسَ يَتعلَّقُ مِنْها شيءٌ بالأُمورِ الدينيةِ نفيًا وإثباتًا، بلْ هِيَ أُمورٌ بُرهانِيَّةُ لا سَبيلَ إلى مُجاحدَتِها بعد فهمِها ومعرفتِها“.
    ثم يوجِّه ضربةً استباقيةً لكل جاهلٍ يظن أنَّ نُصرة الإسلام تكون برفض هذه العلوم القاطِعة، فيقول:
    ولَقَد عَظُمَ على الدِّينِ جنايةُ مَن ظَنَّ أنَّ الإسلامَ يُنصَرُ بإنكارِ هذهِ العلومِ، وليسَ في الشَّرعِ تعرُّضٌ لِهذهِ العلومِ بالنَّفيِّ والإثباتِ، ولا في هذه العُلومِ تعرُّضٌ للأُمورِ الدينيَّةِ“.
    فكيف يُعقَل لمن يصفُ مُنكِر الرياضيات بالمتجني على الدين، أن يصفَ الرياضيات نفسها بأنها من عمل الشيطان؟!
  • من «كتاب العِلْم» في «إحياء علوم الدين»:
    يرتقي الإمام الغزالي بالعلوم الرياضية في هذا الكتاب التأسيسي من مجرد «المباح العقلي»، إلى مصافِّ «التكليف الشرعي»، حيث يدرج علم الحِساب (الرياضيات) ضمن «العلوم المحمودة» التي يُعَدُّ تَعلُّمها «فرضَ كفايةٍ» تأثم الأُمة جميعها إن خلت ممن يتقنها.
    يقول الإمام مُعرِّفًا فرض الكفاية من العلوم الدنيوية:
    ”أمَّا فرضُ الكفايةِ: فهوَ كُلُّ عِلْمٍ لا يُستغنى عنهُ في قِوام أُمورِ الدُّنيا؛ كالطَّبِّ، إذْ هوَ ضَروريٌّ في حاجَةِ بَقاءِ الأبدانِ، وكالحِسابِ؛ فإنَّهُ ضَروريٌّ في المعاملاتِ وقسمةِ الوَصَايا والمَواريثِ وغيرها، وهذه العُلومُ التي لو خلا البلدُ عَمَّن يقومُ بها.. حَرِجَ أهلُ البلدِ، وإذا قامَ بِها واحدٌ.. كفى وسقطَ الفرضُ عن الآخرينَ“. إنَّ تايسون قد وقع في فخِّ «الإسقاط التاريخي»؛ باستنساخه عُقدةَ صراعِ الكنيسة الأوروپية مع العلم في العصور الوسطى، وإسقاطها قسرًا على الإمام الغزالي. فالإمام لم يُغلق باب العقل، بل حرَّر العلوم التجريبية والرياضية من أسر الميتافيزيقا الفلسفية، وجعل الرياضيات فريضةً كفائية وبرهانًا لا يُجادَل، تاركًا مَن يتهمه بمعاداتها في حرجِ الادِّعاء المُلفَّق الذي لا يصمد أمام سطرٍ واحدٍ من نصوصِهِ الأصليَّة.
  • https://www.facebook.com/share/v/16QKNJM3oQ/
السابق
تفويض المعنى عند ابن تيمية (منقول)

اترك تعليقاً