تحدي علميّ لشيوخ السَلفِيّة حول جملة من مؤلفات ابن تيمية: أسئلة تكشف الحقيقة وتزلزل الأسس!
يا أيُّها الشُّيوخُ والدُعاة في المدرسةِ السَّلَفِيَّةِ، الَّذينَ يعتمدونَ في فتاواهم وعقائدهم وتفسيرهم للكتابِ والسُّنَّةِ على تراثِ شيخِ الإسلامِ أحمدَ بنِ عبدِ الحليمِ بنِ تيميَّةَ الحرَّانِيِّ (ت. ٧٢٨ هـ)، رَحِمَهُ اللَّهُ، ويجعلونهُ مصدراً أساسيًّا للاستدلالِ والإفتاءِ، مستندينَ إلى مجموعاتِ فتاويهِ وكتبهِ المطبوعةِ في العصرِ الحديثِ، مثلِ “مجموعِ الفتاوى” و”الفتاوى الكبرى”، معَ الادعاءِ بأنَّ هذا التراثَ يمثلُ النقاءَ العقديَّ والمنهجَ السَّلَفِيَّ الصحيحَ؛ إننا نسألكم – بأسلوبٍ علميٍّ يعتمدُ على التوثيقِ التاريخيِّ والنقديِّ، مستندينَ إلى مقدماتِ الطبعاتِ نفسها والمصادرِ التاريخيَّةِ المعتمدةِ_ عن جوانبَ جوهريَّةٍ تتعلقُ بصحةِ نسبةِ هذهِ الكتبِ ومصداقيتها، وفقاً لنظامِ علماءِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في اعتمادِ الكتبِ وروايتها ونسخها وإثباتِ محتواها بسندٍ متصلٍ، كما وردَ في آليةِ النظامِ العلميِّ التقليديِّ الَّذي التزمَ بهِ علماءُ الإسلامِ لقرونٍ طويلةٍ، وملخصه:
كان أولاً يقوم العالم المؤلف بالاستخارة والاستشارةُ قبلَ التأليفِ، ثمَّ عرضُ المصنفِ على علماءِ الزمانِ في مجالسَ خاصَّةٍ للحصولِ على القبولِ، ثمَّ إذنُ للنسخِ بعدَ مطابقةِ النسخِ للأصلِ، ثمَّ تلاوةُ المؤلفِ لكتابهِ على تلامذتهِ معَ تصحيحِ النسخِ وإزالةِ اللبسِ، ثمَّ إجازةُ التلامذةِ بروايةِ الكتابِ وتدريسهِ، ثمَّ تكرارُ التلاميذِ نفسَ الطريقةِ معَ تلامذتهم، وهكذا إلى آخرِ الدهرِ. (كما وردَ هذا مفصلاً في “ كتاب الإعلام بأصول الرواية” لابن الصلاح الشهرزوريِّ و في كتاب ”تدريب الراوي” للسيوطيِّ، وغيرها من الكُتُبِ التي تشرح منهجية أهل العِلمِ في التأليف والإسناد والرواية والتوثيق….
وإذا لم يدخل كتابٌ ضمنَ هذا النظامِ، فهو مجردُ مطالعةٍ لا يفيدُ علماً، ولا يصح الاستنادُ إليهِ في أمورِ الشرعِ.
في ضوءِ هذا النظامِ العلميِّ الرصينِ، الَّذي لم يدخل ضمنهُ كثير من تراثُ ابنِ تيميَّةَ نطرحُ الإسئلةَ الموضوعيَّةَ والمنطقيَّةَ التاليةَ :
- في مقدمةِ “مجموع الفتاوى” ( ج١، ص. ١٠-١٥)، يذكرُ الجامعُ لموسوعة فتاوي ابن تيمية المعروفة باسم (مجموع الفتاوي) عبدُ الرحمنِ بنُ محمدِ بنِ قاسمٍ (ت. ١٣٩٢ هـ) أنهُ بدأَ جمعَ الفتاوى بعدَ سنةِ ١٣٤٠ هـ أثناءَ بحثهِ عن فتاوى شيوخِ الدعوةِ الوهَّابيَّةِ في نجدٍ، فوجدَ اولاً عندَ الشيخِ محمدِ بنِ عبدِ اللطيفِ (حفيدِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ، ت. ١٣٦٧ هـ) في صحراء نجد ثلاثَ مجلداتٍ من فتاوى ابنِ تيميَّةَ، وهو أكثرُ ما وجدَ عندهُ. فمن أينَ وصلت هذهُ المجلداتُ إلى حفيدِ ابنِ عبدِ الوهابِ، بعدَ انقراضِ تراثِ ابنِ تيميَّةَ علميًّا لقرونٍ ومنعَ كتبهِ من النسخ والتداول؟
ولماذا لم تكن معروفةً أو موجودةً عندَ غيرهِ من العلماءِ أو المكتباتِ الإسلاميَّةِ الرئيسيَّةِ قبلَ ذلكَ، رغمَ مرورِ ٦٠٠ سنةٍ على وفاةِ ابنِ تيميَّةَ؟
أليسَ هذا يثيرُ شكوكاً في صحةِ نسبها، خاصَّةً أنها أصبحت أساساً لجزءٍ كبيرٍ من المجموعِ (١٨٨٣٥ صفحةً)؟!
- في السياقِ نفسهِ، يذكرُ عبدُ الرحمنِ بنُ قاسمٍ في مقدمةِ “مجموع الفتاوى” (ج١، ص. ٢٠-٢٥) أنهُ وجدَ ١٣ مسألةً لابنِ تيميَّةَ في المكتبةِ الوطنيَّةِ الفرنسيَّةِ بباريسَ (Bibliothèque nationale de France)، لا توجدُ في مكانٍ آخرٍ في العالمِ!
فما الدليلُ التاريخيُّ والوثائقيُّ على نسبةِ هذهِ المسائلِ فعليًّا إلى ابنِ تيميَّةَ، خاصَّةً أنها لم تكن معروفةً قبلَ ذلكَ (كما أشارَ في “رحلة الشيخ ابن قاسم”، في مقدمة الموسوعة)؟
وأينَ هي الآنَ هذهُ المخطوطاتُ الأصليَّةُ للتحققِ منها؟
يقول جامع الفتاوي ابن قاسم في مقدمة الموسوعة_ المؤلفة من (37) مجلد، تحتوي على (19 ألف) صفحة_ انه تم العثور على مخطوطات لابن تيمية أيضًا في مكتبات فينا وبرلين ولندن وبوخارست!
ولماذا لم يعلم بها أحدٌ من علماءِ الإسلامِ قبلَ القرنِ العشرينِ، رغمَ وجودِ مكتباتٍ إسلاميَّةٍ عريقةٍ كان فيها آلالاف المخطوطات مثل الظاهريَّةِ والأزهريَّةِ؟
أليسَ هذا يتعارضُ معَ نظامِ الروايةِ المتصلِ الَّذي يتطلبُ إثباتاً تاريخيًّا متسلسلاً؟
وتوسيعاً: كيفَ وصلت هذهِ المخطوطاتُ إلى المكتبةِ الفرنسيَّةِ؟
وهل توجدُ وثائقُ رسميَّةٌ في أرشيفاتِها تثبتُ تاريخَ اقتنائها ومصدرها ونسبتها لابن تيمية؟
- كما شرحَ عبدُ الرحمنِ بنُ قاسمٍ في مقدمةِ “مجموع الفتاوى” (ج١، ص. ١٥-٢٠) أنهُ وجدَ مجموعةً من المخطوطاتِ في المكتبةِ الظاهريَّةِ بدمشقَ، ومن خلالِ رشوةِ بعضِ الناسِ (كما وردَ في “رحلة الشيخ ابن قاسم لجمع فتاوى شيخ الإسلام”، المقدمة)، قاموا بنسخها سرًّا. فما يدرينا أنَّ هؤلاء الناسخينَ كانوا أمناءَ في النقلِ؟
ومن هم بالضبطِ – هل هم علماءُ ثقاةٌ أم مجردُ أفرادٍ من العوامِ أو موظفينَ غيرِ متخصصينَ؟
أليسَ هناكَ احتمالٌ للغلطِ أو التحريفِ في النقلِ تحتَ ظروفِ السريَّةِ والرشوةِ، خاصَّةً أنَّ النظامَ العلميَّ يتطلبُ مطابقةَ النسخِ للأصلِ بحضورِ علماءٍ وشهودٍ (كما شرح أهل العِلم في مؤلفاتهم راجع مثلاً كتاب (معيار العلم في فن المعاني والبيان للصفديِّ).
ولماذا لم تُطبع هذهُ المخطوطاتُ الأصليَّةُ أو تُصور لاحقاً للتحققِ العامِّ، بدلاً من الاعتمادِ على نسخٍ مشكوكٍ في أمانتها؟
وتوسيعاً: هل توجدُ سجلاتٌ في أرشيفِ المكتبةِ الظاهريَّةِ (الآنَ جزءٌ من دارِ الكتبِ الوطنيَّةِ في سوريا) تثبتُ وجودَ هذهِ المخطوطاتِ الأصليَّةِ؟
ولماذا لم يتمَّ الوصولُ إليها بطريقةٍ رسميَّةٍ بدلاً من الرشوةِ؟!
- في مقدمةِ “الفتاوى الكبرى” (ط. دار الحديثِ، القاهرةِ، ١٩٠٩م، ج١، ص. ٥-١٠)، يذكرُ الجامعُ فرجُ اللهِ الكرديُّ البهائي (ت. ١٣٥٩ هـ) أنهُ اشترى مخطوطاتِ الفتاوى (خمسَ مجلداتٍ) من بائعٍ متجولٍ يدعى عبدَ اللهِ الورفيَّ، وهو شخصيَّةٌ مجهولةٌ لا ترجمةَ لهُ في المصادرِ التاريخيَّةِ !
فكيفَ نثبتُ أنَّ هذهِ المخطوطاتِ كانت فعلاً لابنِ تيميَّةَ، وكيفَ نثبتُ صحتها وصحةَ محتواها، خاصَّةً أنَّ الكتابَ ظهرَ إلى الوجودِ قبلَ قرنٍ فقطٍ (حوالي ١٣٢٧ هـ)، ولم يُروَ عن ابنِ تيميَّةَ بسندٍ متصلٍ كما يتطلبُ النظامُ العلميُّ؟
أليسَ هذا يثيرُ تساؤلاتٍ حولَ مصداقيتها، معتمدينَ على قاعدةِ “الكتاب المصنف في العلوم الشرعيَّةِ لا يتلوهُ شيخٌ درسهُ بسندٍ عن العالمِ الَّذي صنفهُ يعتبرُ مجردَ مطالعةٍ لا يفيدُ علماً، كما ذكر أهل العِلمِ والتحقيق أمثال السيوطي والخطيب البغدادي والصفدي وابن حجر العسقلاني و لعلكم تتعلمون هذه المنهجية في “الإعلام بفوائد عمدة الأحكام” لابن الملقنِ كنموذج.
وتوسيعاً: من أينَ حصلَ هذا البائعُ المتجولُ على المخطوطاتِ وهلا تم مطابقتها مع أصل ما أو نسخ لهذه المخطوطات في مكان آخر؟
الجواب : لا، والحقيقة تقول وللأسف أن هذه المخطوطات التي عُثر عليها مع البائع المتجول كانت يتيمة وحيدة لا ثاني لها!
- يقولُ فرجُ اللهِ الكرديُّ في مقدمةِ “الفتاوى الكبرى” (ج١، ص. ١٠-١٥) إنَّ من مولَّ الطباعةَ مطبعةُ كردستانَ العلميَّةِ (التي يُعتقدُ أنها مشبوهةٌ بتمويلٍ بهائيٍّ مجهولِ المصدرِ، كما جاء في صفحة “ مطبعة كردستان العلميَّةِ”، ويكيبيديا، استناداً إلى تاريخها)، وهو رجلٌ بهائيٌّ معروفٌ ببهائيتهِ، وقد تمَّ طردهُ من الأزهرِ بعدَ انكشافِ أمرهِ (كما جاء عاى سبيل المثال في “تاريخ البهائيَّةِ في مصرَ”، مجلة المنارِ، ١٩٢٠م: “اعتنق الكردي البهائية وبدأ ينشر كتبها بعد طرده من الأزهر!”؛ فما غرضُ هذا البهائيِّ من طباعةِ فتاوى ابنِ تيميَّةَ، معَ أنَّ البهائيَّةَ تتعارضُ معَ الإسلامِ في أصولها؟
وكيفَ يُقبلُ تمويلٌ مجهولٌ لكتابٍ شرعيٍّ؟
وهل يتوافقُ ذلكَ معَ أمانةِ النشرِ العلميِّ؟
أليسَ هذا يشككُ في دوافعِ الطبعِ ومحتوى الكتابِ؟
- هل خضعت هذهُ المجموعاتُ والفتاوى (“مجموع الفتاوى” و”الفتاوى الكبرى”) إلى تقاليدِ النظامِ العلميِّ الَّذي اتبعهُ علماءُ أهلِ السُّنَّةِ في روايةِ الكتبِ عن المؤلفِ وإثباتِ ما فيها، وفقَ الخطواتِ المذكورةِ أعلاهُ (كما في “مقدمة في أصول التفسير” لابن تيميَّةَ نفسهِ، ص. ١٠، ط. دار ابن الجوزيِّ، الدمامِ، ٢٠٠٧م، حيثُ يؤكدُ أهميَّةَ السندِ في العلومِ الشرعيَّةِ)؟
فإذا لم تكن تُروى بسندٍ متصلٍ إلى ابنِ تيميَّةَ منذُ وفاتهِ إلى يومنا، كيفَ يصح الاستنادُ إليها في أمورِ الشرعِ، صغيرها وكبيرها، وهي مجردُ كتبٍ مطالعةٍ لا تفيدُ علماً نفياً أو إثباتاً، تمامًا مثلما حكمَ علماءُ الإسلامِ على الكتبِ غيرِ المُعتمدةِ التي لا تُروى بسند متصل إلى صاحبها أو يصح مطابقتها لأصل ثابت فما هي الفائدة العلميّة التي يرجى الإستفادة منها إذا كان الأصل مشكوكًا فيه ؟
هل خضعت هذهِ الطبعاتُ لمراجعةٍ من علماءِ أهلِ السُّنَّةِ في مادتها، ولأهل الاختصاص في المخطوطات لتحقق منها قبل طباعتها وتداولها؟
وما رأيُهم في مصداقيَّتها؟
ننتظر الإجابة عن هذه التساؤلات بطريقة علميّة موضوعيّة بعيدًا عن سفاهة السفهاء من أحداث الأسنان الذين لايحسنون إلا التكفير والشتائم والعواء.
أبو هاشم بكر الطبرانيّ
https://www.facebook.com/share/1B3JQ13zZB
=======
خلاصة التحدّي العلميّ المطروح
ما قدّمته هو سلسلة من الأسئلة النقديّة الموجّهة إلى المدرسة السلفيّة حول مصداقيّة نسبة مؤلفات ابن تيمية المطبوعة حديثًا، خصوصًا مجموع الفتاوى و الفتاوى الكبرى. جوهر الاعتراض يقوم على مقارنة وضع هذه الكتب مع النظام العلمي التقليدي للرواية والإسناد الذي التزم به علماء الإسلام عبر القرون. ويمكن تلخيص النقاط الرئيسة كالآتي:
- مصدر المخطوطات الأولى:
- أوّل ما جُمع من فتاوى ابن تيمية وُجد عند حفيد محمد بن عبد الوهاب في نجد، بعد ستة قرون من وفاة ابن تيمية، وهو أمر يثير الشك في كيفية وصولها إليه دون أن يعرفها علماء المشرق أو مكتباتهم الكبرى.
- المخطوطات في المكتبات الأوروبية:
- العثور على مسائل لابن تيمية في باريس، فيينا، برلين، لندن، وبوخارست، دون أن تكون معروفة في العالم الإسلامي قبل القرن العشرين، يطرح سؤالًا عن سندها التاريخي وكيف وصلت إلى هناك، وهل توجد وثائق تثبت نسبتها.
- المخطوطات في الظاهرية بدمشق:
- نسخها تم بطرق غير رسميّة عبر الرشوة، مما يضعف الثقة في أمانة النقل ويخالف منهج المطابقة بحضور العلماء والشهود.
- الفتاوى الكبرى ومصدرها:
- ظهرت عبر بائع متجول مجهول، بلا سند ولا نسخ أخرى للمطابقة، مما يجعلها “يتيمة” ويثير الشك في نسبتها.
- تمويل الطباعة:
- طُبعت في مطبعة كردستان العلمية بتمويل بهائي، ما يثير تساؤلات حول دوافع النشر ومصداقيته.
- غياب السند العلمي المتصل:
- هذه المجموعات لم تُروَ بسند متصل عن ابن تيمية، ولم تُعرض على العلماء بالطريقة التقليدية، مما يجعلها أقرب إلى “مطالعة” لا تفيد علمًا ملزمًا في الشرع، وفق منهجية ابن الصلاح والسيوطي والخطيب البغدادي وغيرهم.
الخلاصة النهائية
الأسئلة المطروحة تُظهر أن تراث ابن تيمية المطبوع في العصر الحديث لم يخضع للنظام العلمي التقليدي للرواية والإسناد، بل ظهر عبر طرق غير موثوقة (مخطوطات يتيمة، نسخ سرية، مصادر مجهولة، تمويل مشبوه). وبالتالي، فإن الاعتماد عليه كمرجع شرعي ملزم يظل محل إشكال علمي كبير، ويحتاج إلى مراجعة نقدية صارمة قبل أن يُبنى عليه منهج عقدي أو فقهي.
هل ترغب أن أعيد صياغة هذه الخلاصة في شكل نقاط قصيرة موجزة تصلح للنشر على وسائل التواصل، بحيث تكون أكثر تأثيرًا وسهولة في القراءة؟