🛑 هل يقول ابن تيمية إن الله مضطرٌّ (مُجبر) في اختياره؟ وهل هو أسيرُ ما يأتيه من المؤذيات لا يمكن أن يدفعها عن نفسه؟
يتم ذلك من خلال إثبات عدة أمور:
- أنه يقول باستحالة الترجيح في الإرادة بغير مرجِّح.
بمعنى أن الله إذا فعل فلا بد أن يكون في فعله حكمة تُرجِّح هذا الأمر دون الآخر، ولا يمكن أن يفعل شيئًا متعادلَ الطرفين بمحض اختياره.
يقول الشيخ تقي الدين رحمه الله:
(فلما طالبهم الناس بأن الحادث لا بد له من سبب حادث، وقعوا في المكابرة، وقالوا: يمكن القادر أن يُرجِّح أحد المِثْلَيْن بلا مُرجِّح، كما في الجائع مع الرغيفين، والهارب مع الطريقين.
وجمهور العقلاء قالوا: نعلم بالاضطرار أنه إن لم يوجد المرجِّح التام لأحد المثلين امتنع الرجحان، وإلا فمع التساوي من كل وجه يمتنع الرجحان).
هنا يمنع بشكل واضح أن تُرجِّح الإرادة شيئًا مع تساوي الطرفين، وأن هذا ممنوع عند العقلاء، مما يعني أن الله لا يريد شيئًا حتى يوجد مرجِّحٌ لما يريد.
- في بيان أن الذي يُرجِّح إرادة الله عند تقي الدين رحمه الله هو مصلحة ومنفعة عائدة إليه من خلقه حصرًا.
يقول ابن تيمية:
(فإن النفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها، فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور، حكمٌ يُحمد لأجله).
قد يُقال إن هذا الأمر في حق النفس الإنسانية لا في حق الله جل في علاه، ولكن من يُكمل يعلم ما المقصود.
ويكمل ابن تيمية:
(أما إذا قُدِّر أن وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء، لم يُعلَم أن مثل هذا الفعل يحسن منه، بل مثل هذا يُعد عبثًا في عقول العقلاء).
(وكل من فعل فعلًا ليس فيه لنفسه لذّة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه، لا عاجلة ولا آجلة، كان عابثًا).
هنا يقول ابن تيمية إن كل من فعل فعلًا ليس فيه مصلحة للفاعل كان عابثًا، وهذا الكلام يقوله للرد على المعتزلة عندما قالوا إن الله لا ينتفع بشيء من خلقه، وسيتضح ذلك من التكملة.
ويقول ابن تيمية:
(ولم يكن محمودًا على هذا، وأنتم عللتم أفعاله).
أي: أنتم أيها المعتزلة عللتم أفعال الله بما فيه مصلحة للعباد دون منفعة تعود عليه.
ويقول أيضًا:
(فرارًا من العبث فوقعتم في العبث؛ فإن العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا فائدة تعود على الفاعل).
أي: لا بد أن يعود لله من فعله منفعة ومصلحة وفائدة حتى لا يكون عابثًا على حد قوله.
هذا المعنى الذي ذكره، غفر الله له، مطَّرد في أكثر من كتاب من كتبه، ويُعبِّر عنه بالحكمة العائدة، كما يرفض التعبير باللذة والألم، وإن كان يثبت معناهما بألفاظ أخرى، وهو هنا مصرِّح بحصول المنفعة والمصلحة له من الخلق، وقد صرَّح بهذا في غير هذا الموضع.
ومن يريد الاستزادة فليتابع هذا الرابط
https://t.me/almaktaba95/1032
- وبناءً على النقطتين (1) و(2)، فالله عند ابن تيمية رحمه الله وغفر له وتجاوز، مجبورٌ مضطرٌّ يسير في مسارٍ حتمي لا انفكاك له عنه.
ذلك أنه لا يختار شيئًا إلا وقد رجَّحته حكمةٌ عائدةٌ إليه، أي الحاجة والمصلحة والمنفعة العائدة له من الفعل، مع رفضه لهذه المفردات. فالله لا يمكن أن يختار بين متساويين، ولا بد من شيء يُرجِّح اختياره بحسب ما يجلب له مما يعود عليه من هذا الفعل، من النفع واللذة، مع رفضه لهذه المفردة.
فالله سبحانه وتعالى عنده يسير في مسارٍ حتمي قد استمر عليه من الأزل، لا يستطيع أن ينفك عنه ولا أن يخرج عنه أبدًا في شيء من أفعاله.
- وما يتعرض له الله سبحانه من إيذاء فهو أيضًا حتمي لا يمكن لله أن يدفعه عن نفسه.
لأن العبد الذي عصى فآذى الله جل وعلا بمعصيته، تعالى الله عن ذلك، مضطرٌّ لفعل هذه المعصية؛ لأن الله يخلق مقدمات فعله كالداعية والمشيئة، فيلزم عنها حتمًا فعل ذلك العبد للمعصية.
وخلق الله لهذه المقدمات هو أيضًا مضطرٌّ له، لأنه لا فعل إلا وثمَّ ما يُرجِّحه من الحكمة العائدة، النفع واللذة العائدة مع رفضه لهذه المفردات، وإلا كان الله عابثًا على حد قوله.
وهذا واضح في قوله، وقد ذكرناه في هذا المنشور.
فهو مضطر لخلق مقدمات المعصية التي بالضرورة ستؤذيه سبحانه عن هذا
ولينظر لهذا الاقتباس لمعرفة أنه يقول بجبر العبد.
https://t.me/almaktaba95/3528
5.الخلاصة
فالله مضطرٌّ في الاختيار، ويسير في نسقٍ حتمي، وكذلك ما يعرض له حتمي لا انفكاك له عنه، لانسيَاقه اضطرارًا للمنفعة واللذة.
كما أن العالم عنده أزليٌّ، ويسير في مسارٍ حتمي، ويؤثر في الله، والله يؤثر في العالم حتمًا.
=====
وهذا كلُّه مخالفٌ لقواطع الشرع الشريف وأسأل الله أن يغفر له لما له من حسنات جارية حرضت الناس على الطاعات والقربات لا تنكر ولا تجحد.
قال سبحانه:
﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
وقال تعالى:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ٧
وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
وقال سبحانه:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ١٩
وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ١٥
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ١٦
وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾
أي: لا يعزّ عليه شيء سبحانه، أن يُهلك الجميع، الصالحَ والطالحَ، فهو الغنيّ المطلق.
وفي الحديث القدسي:
«يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضُرّي فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني».
وقال سبحانه:
﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾
وقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾