من فقه العلم؛ التأسيس قبل الدفع، ومشكلة ابن تيمية!
.
(1)
من #فقه_العلم أن يكون التأسيس النظري سابقا على التطبيق، والتطبيق سابقا على الدفع والرد على المخالف؛ لأن كلا من التطبيق والدفع = ليس سوى تأكيد للنظرية.
.
لهذا كان الاشتغال بالردود قبل التأسيس المتين سواء في نفس المشتغل بالعلم ، او في اشتغاله بالمسائل المختلفة خلل كبير ؛ أقل ما فيه تشويش العقل الذي يريد أن يعرف النظرية ليعرف علام بني الدفع .. فإذا لم يتوفر ذلك حصل التخبط والخلط والتشويش واختلف الناس في المراد ومرام الكلام.
.
مهما كنت ذكيا فالعلم ينبى بالتأسيس والتحرير .. فأن تكتب كتابا منمقا محررا مدققا أو مسألة بطريقة جامعة = أولى من الانشغال بقيل وقلنا، وأبقى في الذكر وأنقى في البناء العقلي والعلمي للأمة والطلاب.
.
مهما كنت من أذكياء العالم فلن يبقى إلا العلم المحرر .. أما الردود فلا يستخرج منها علم إلا بالتعسف، إذ لا تدري هل هو رأي الرَّاد، أو قاله إلزاما للمخالف دون اعتقاده .. وربما بسبب هذا التشوش يضيع علمك ويتيه قصدك ولا يعرف مذهبك فتنسب للشيء وضده.
.
(2)
المطالع لمشروع شيخ الإسلام ابن تيمية يجد انه اشتغل بالردود أكثر من اشتغاله بالتأسيس؛ لهذا ظل شخصية إشكالية، ولو أنه استقل في الفقه عن المذهب بالحنبلي وهو مؤهل لهذا فكتب أصوله وفروعه واستدل لها وعليها؛ ولو أنه كتب قواعده الاعتقادية محررة مدققة مع دفع الاعتراضات، ولو أنه زاد في مقدمة أصول التفسير تأصيلا وتحريرا، ولو أنه قدم البديل عن نقض المنطق بعد نقده، ولو أنه حرر مذهبه وطرائقه في نقض الشيعة والقدرية والنصارى = لكان آية من آيات الله، وأفاد منه الفكر الإسلامي؛ أخذا وردا .. بدلا من حالىة التفسير بالتمني السائدة في كثير من الأوساط، وأعني بذلك تحميل ابن تيمية مرادات لم يقصدها ولا أرادها، بدليل أنك إذا تتبعت سائر موارد المسألة في كتبه ستجده يخالف ما فهمته أنت من قوله في موطن آخرَ
.
ابن تيمية لا يوجد له كتاب واحد مرجعي في أي علم من العلوم، سوى رسائل كتبها في إجابة فتوى، فصارت أصولا نظرية مثل (مقدمة أصول التفسير) التي درستها قبل عشرين سنة، وكانت رسالتي للماجستير بأصول الدين.
.
ولا يوجد له كتاب واحد اتُّخذ أصلا في أي مدرسة علمية، ليكتب ليه شرح أو حاشية، أو ليكون كتابا درسيا، إلا بشيء من التعسف والتسامح، إذ لكتب الدرس قانون لا يطبق على اي من كتبه ورسائله.
.
ولا يوجد له كتاب تمت خدمته بحواش وشروح وردود وانتقادات على الطريقة الأزهرية التي تدل على أهمية المحتوى لتنصرف الجهود لخدمته وبيان محترزاته أو تكميل بعض معارفه، بل ظلت كتبه مصادر بجوار غيرها.
.
(3)
قارن هذا بما أحدثه الغزالي أو الرازي أو الماتريدي أو النسفي أو السرخسي والبزدوي في العقائد وأصول الفقه أو التفسير أو ما أحدثه الغزالي في المنطق وما أضافه إليه وما طوره فيه، ستجد نفسك لا تستغني في رحلتك العلمية عن تراث هؤلاء، في حين يمكنك الاستغناء عن تراث ابن تيمية على أهمية ما قدم.
.
مثلا كتاب ابن تيمية الوحيد في أصول الفقه -مع كونه مجتهدا له اجتهادات خرج بها عن مذهبه الحنبلي بل عن الأربعة وفي بعضها خرق الإجماع المحكي- وهو “المسودة” هو في الحقيقة كتاب مشترك بينه وبين أبيه وجده. ومع هذا فهو ليس عمدة من عمد علم الأصول لا عند الحنابلة ولا غيرهم.
.
وكتابه في نقد المنطق لم يؤسس فيه لنظرية بديلة، بل كان همه الهدم والانتقاض، وكتابه في الرد على النصارى والشيعة جيد في الجملة لكن أصوله تستخرج بملاقيط، وبناء الأصول الفكرية أهم إن أردنا تعميم التجرية أو بناء نماذج مشابهة وهو ما لم يفعله لا هو ولا تلامذته لهذا انقطع سنده وماتت مدرسته حتى أحيتها الوهابية بعد أربعة قرون.
.
مقدمته في أصول التفسير جيدة وتعد من أفضل ما قدم في جانب التأسيس النظري على هنات فيها أبنت عنها في دراستي لها المنشورة قبل عشرين سنة، ومع هذا فيتمنى الباحث لو أنه حررها وزدا فيه قواعد وأصول.
.
في علم الحديث بفروعه -مصطلح، جرح وتعديل، رجال، علل- لا يوجد له إسهام نظري يمكن البناء عليه.
.
وفي علم العقائد -إن سلمنا صحة ما تداول له وأنه لم يتراجع عنه كما يرويه ابن كثير في حوادث 707هـ- فالبناء عليه مشكل جداً؛ لأنه لم يحرره بنفسه ولم يختبره أحد ولا أجاب عن اعتراضات خصومه، وفي المناظرات كان يتراجع أو يضع قيودا أو يوضح مراده بما لا يوجد في كتبه .. أي أن علومه تلك لم تدخل المختبر بعد.
.
(4)
لذا كله فهو يمثل ظاهره فريدة؛ حيث يشعر القارئ له بعظم ما يقول وأن وراء قوله مشروعا فكريا ضخما، لكن لا يظهر منه إلا بعض الدخان الذي لا يشبع ولا يمتع، ولهذا فالاعتراضات ستظل قائمة وإشكالاتها مستمرة والتشوش في فهمه سيدوم، وسيدعيه المعتدلون والمتطرفون .. سيأتيك من يفهم من ابن تيمية الكلام ونقيضه وينسب له الشيء وعكسه؛ لأنه ليس هو المجيب بل يجيب عنه من يظنون أن إجابتهم تطابق إجابته وهو ظن وخرص ورجم بالغيب.
.
لذا ينسب له طوائف من الناس بينها من التباين ما الله به عليم، فمنهم من يأخذه كله ويعده هو المعبر الأوحد عن العلم الصافي والاعتقاد السليم، ومنهم من يأخذ ويدع ويجعل سقفه المذهب الحنبلي فإن خالفهم طرح قوله، ومنهم من يفعل ذلك ويعتبره واحداً من علماء الأمة الذين توزن أقوالهم كما توزن أقوال غيرهم دون التقيد بالسقف الحنلبي، وهذا أعدل المذاهب وعليه الجمهور. والذي قبله وسط يليق بالسادة الحنابلة أكثر من غيرهم.
.
لهذا أيضا فابن تيمية يصلح للباحثين، بل ليس لكل الباحثين بل للمتقدمين منهم؛ فهؤلاء هم الذين إن خاضوا بحره لم يغرقوا؛ وأما غيرهم فستتشوه عقولهم ويشوهون الرجل معهم ويقَوِّلونه ما لم يقل.
.
(5)
وخلاصة المسألة أن هذه الحالة يجب أن يستفيد منها طالب العلم في بناءه الفكري وفي إنتاجه الكتابي؛ فيلزم اولا من المسائل ما لا إشكال فيه، ثم يدخل في المشكلات إذا تقدم حتى لا يضيع عمره أو يتشوش ذهنه. وأن يبحث عن كتب التاسيس قبل الردود والنقض والدفع؛ لأن كتب الدفع لا يتبين منها مذهب الراد على وجهه في كثير من الأحيان، كما أنه قد يلتزم أقوالا للجدل لا للبرهان، كما فعل الحجة الغزالي في (تهافت الفلاسفة).
.
ثم على طالب العلم أن يوجه جهده للبناء لا الهدم، ففي البناء هدم مع تقديم البديل. وفي البناء تحرير وتدقيق، أما الردود فيتسامح فيها؛ على حد قول الغزالي عندما رد على الفلاسفة «فإني لا أقتصر في الاعتراض عليهم على مذهب واحد، بل أستعين بآراء الفرق كلها، وأجعل كل فرقة خصمًا لهم في بعض المسائل، ليكون أبلغ في إبطال مذهبهم، فإن لكل فرقة شُبهة في بعض المواضع، فإذا جمعناها عليهم انقطعت حجتهم.»
.
لهذا لم يكتف الغزالي بتأليف (التهاف) عندما رد على الفلاسفة ولا (فضائح الباطنية) عندما رد على التعليمية، بل قدم البديل الفلسفي في (الاقتصاد) و(الإحياء) كليهما وما يدور في موضوعيهما. وألف (القسطاس المستقيم)، و(معيار العلم)، و(محك النظر)؛ ليستنقذ العقل التعليمي الباطني من سباته وأوهامه وهرطقاته.
.
فالفلسفة بوضعها كانت بديلا يملأ القلب والعقل، فقدم في هذه الأعمال ما يملأ فراغ القلب والعقل مهتديا بنور النبوة. والباطنية بوضعها القديم والحالي أوهام تملأ القلب وتخطف العقل لصالح عبودية لإنسان يُدَّعى عصمته واحتكار تفسير الوحي؛ فكان الواجب رد الاعتبار للعقل فألف (القسطاس)، و(المعيار)، و(المحك).
.
وفي التزكية لم يكتف بنقد علماء زمانه ولا أغنياء زمانه ولا عوام زمانه بسرد مثالبهم على نحو ما فعل ابن الجوزي في التلبيس؛ بل قدم بناء نظريَّاً وجعل الردود وبيان المثالب عَرَضا لا أصيلا؛ فالحديث عن المثالب ينميها ويزيدها ويلتفت القلب إليها فربما تسللت .. وإلقاء البذرة في الأرض الصالحة يهيؤها لتكون مثمرة ولو بعد حين .. والشجرة الصالحة إن نبتت اختفت الحشائش الضارة تلقائيا، والتقط الناس منها الثمر، فأخذوا هم بأيدهم ينفون الحشائش عن اشجارهم.. أي قدم الوقاية ينتفي المرض تلقائيا.
.
وفي هذا بيان لسر من اسرار التفاف القلوب حول الغزالي ويكاد يكون كلمة إجماع بين الطوائف والمذاهب، بحيث لا يوجد مذهب فقهي ولا كلامي ولا فلسفي ولا منطقي ولا أصولي ولا تصوفي إلا استفاد منه وكان الغزالي مرحلة فاصلة في مراحله، رحمه الله ورضي عنه! ثم قارن هذا بالحالة الجدلية التي يوجدها ذكر ابن تيمية في الأوساط العلمية ودون العلمية؛ وليس هذا راجعا لعظمته كما يدعي محبوه بل لتشوش طرحه، وليس بيننا وبينه ثأر ولا إحن شخصية ولا غيرنا ممن ينظر للرجل باعتدال وإنصاف.
.
(6)
لقد فقدنا عقلا ذكيا بانتهاض ابن تيمية للردود ، وضعف انصرافه للتأسيس؛ ولو أنه صرف جهده للبناء لترتب على ذلك أمور؛
.
منها أننا ربما نشهد مجتهدا مستقلا يؤسس مذهبا مستقلا هو جدير به في الفقه والاعتقاد والتزكية، ولاستفادت الأمة منه أكثر من استفادتها بالردود التي حصرته في صورة المشاغب؛ لأن الخصم لا يتبين حقيقة مذهبه كما قلنا من قبل.
.
ومنها أن شخصيته ستكون أقل في الإشكال والوصول لحقيقة مراده من أقرب طريق؛ لأنه إن جلس للتحرير والتنقيح فاللائق بحاله أن يعدل من غلواء آراءه ويهدئ من روع حدته التي عرف بها، فتخرج آراؤه واجتهاداته في صورة مدققة محررة يخف إزاءها الاعتراض ، وستكون فيما أقدر أقرب لمذاهب العلماء والوسط العام المنتشر، أي ان مساحة الابتعاد لا سيما خرق الإجماع ستقل؛ لأن التحرير يجعله يعيد النظر فيما قال، ولأن مساحة الشقة بين مذاهب العلماء أصلا ضئيلة، ولأن تأويل أقواله وتفسيرها سيقل لأن مراده صار أوضح ومذهبه صار أكثر اتساقا. فيُرَدُّ متشابه قوله لمحكمه.
.
(7)
فقدت الأمة ابن تيمية المجتهد المستقل، وبقي لها ابن تيمية المدافع الغيور عما يعتقده صوابا، وترك إرثا يتأوله محبوه، لينقطع بعد وفاته لقرون خمسة؛ ثم تعيد الحركة الوهابية إحياء هذا الإرث بعد خمسائة سنة لتزداد الشقة بين ابن تيمية وجمهور الأمة بسبب انتحال أقواله ممن لا يبلغون شأوه وحتى لا يتخذ سلما للتهريج باسم العلم.
.
إن انقطاع الأسانيد، وضعف عقول مؤسسي الوهابية، وكونها حركة اندفاعية لا تأسيسية؛ مع لكون كتبه ورسائله مشكوك في نسبة كثير منها إليه، ولا يعلم على وجه اليقين وفاته وهو راض عنها جميعا.
ثم لتشابه النفس الفاعلة بين ابن تيمية والحركة الوهابية من حيث كونهما انتهضا اعتراضا فهو مشروع تفكيكي في الأساس، فشغلهما الاعتراض عن التاسيس؛ فقد وجد كل واحد منهما في الآخر ما يتمظهر فيه؛ وجدت فيه الوهابية شيئا عمق التأسيس الذي تفتقده، ووجد فيها ابن تيمية ما يبقى تراثه ولو مشوشا ضبابيا إشكاليا؛ فكان تحالفا قلقا أنتج حركة قلقة مقلقة .. يظهر قلقها في نفسية المنتسبين إليها ، مع كونهم جميعا لا يبلغون شأو ابن تيمية إن فهموا مراده، فما بالك ومراده غير محرر!
.
وتشابهت كذلك الحركة الوهابية مع ابن تيمية في كون مشروعيهما قائم على الانتهاض لأجل الاعتراض؛ لذلك لم نر حتى الآن علوما محررة مستقلة تقدم نموذجا علميا يمكن فهمه والتفاعل معه؛ فترى المنشغلين بالعلم منهم يريدون إعادة بناء أصول الفقه والبلاغة والفقه والعقيدة، بما يسمونه بلاغة أهل السنة، وأصول فقه أهل السنة وهو لم يجرؤ ابن تيمية لفعله لكون تكوينه العلمي مختلف تماما عن منتحليه والمتحدثين باسمه ..
.
ثم تنظر لتكتشف أن هذه العلوم التي أرادوا إعادة تأسيسها والكتب التي يزعم تحقيقها ليست سوى اعتراضات على ما كتبه الأوائل مؤسسوا هذه العلوم ، في إعادة إنتاج للاعتراض بصورة جديدة .. حتى رأيناهم يشرحون الجوهرة والسنوسيات -كتب أهل السنة- أو يحققونها مع تورم في النقد غير المحرر ولا المبني سوى على أوهام، أو قواعد علمية اخترعوها أثناء الشرح أو وقت التحقيق لا يعرفها سواهم!
.
والاعتراض سهل حتى إنه يشبه المشاغبة؛ لهذا يلجأ إليه الضعاف، حتى إن عصرنا الذي كثر فيه “صناع المحتوى” يكثر فيه الاعتراض لأنه الأسهل؛ إذ التأسيس المحرر للعلوم والمواقف والمذاهب أصعب؛ ولأنك لو سلكت مسلك التأسيس المحرَّر ستكتشف أن كثيرا من مواقفك مضطربة لو وقفت للتحرير، أو مغالطية إن أنصفت مع نفسك، أو مشاغبات وأوهام إن اتسقت مع قواعد العلم، وستكتشف أن الخلاف في كثير من المسائل لفظي وفي بعضها لا يحتاج لكثير مباحثة وبعضها لا فائدة فيه ..
.
في غيبة التحرير العلمي للمسائل ؛ فكل شيء قابل للاعتراض، وأحيانا يكون الاعتراض فقط لأجل الالزام ؛ فلا تتبين مذهب المعترض، ولا ماذا يريد؛ ليتحول العلم إلى مجرد صراع كلامي بلا ثمرة.
.
ولأنه سهل ينجح فيه ويتصدر به سفهاء للرد -بزعمهم- على النصارى والملاحدة والشيعة والأشاعرة؛ لسهولة هذا كله ..
.
(8)
إن الصناعة الثقيلة التي يهرب منها المتعجلون حقا هي البناء النظري المتماسك القادر على الثبات أمام الاعتراضات والقادر على تقديم إجابات، المتسق داخليا ومع نصوص الوحي وقطعيات العقل..
.
وإنك إذا نظرت للإنتاج الذي قام عليه أساطين العلم في الأمة من مفسرين ومحدثين وفقهاء وأصوليين ومتكلمين ستدرك السر في بقاء علومهم، وأنها هي في الحقيقة التي قدمت البناء الفكري للحضارة الإسلامية، بحيث لو حذف هذا التراث لم يبق للمسلمين شيء، ولعلمت أن الاعتراض -في مقابل التأسيس والتحرير للمسائل والعلوم- لعب ، ولعلمت ضآلة حجمك حين تعترض على هؤلاء المؤسسين الذين يدين لهم بالفضل ابن تيمية نفسه؛ إذ لولاهم ما وجد ابن تيمية شيئا يعترض عليه، بل لم تدر الدنيا بمقدمه ولا علم عن حياته ولا مماته إنسان!
.
والحمد لله!
.
فقه_العلم
كتبه الشيخ احمد الدمنهوري