الاجتهاد والتقليد واللامذهبية عند الوهابية

حـكم إذا اجتمع العيد و الجمعة في يوم واحد (د. حسن شيخ الكاف)


حـكم إذا اجتمع العيد و الجمعة في يوم واحد
إعلم أيُّها المسلم الحريص على دينه أنَّ الجمعة فرض عين بنص القرآن الكريم و إجماع الأُمة .. قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا نودِيَ للصَّلاةِ من يومِ الجمعةِ فسعوا إلى ذِكرِ الله … الآية } . فأوجب السعيَ لها على كل قادرٍ ، و لم يخص اللهُ و لا رسولُهُ ز يوم العيد بحكم خاص و الأمر بالسعي متوجه في يوم العيد كتوجهِهِ في سائر الأيام ، وقد حذَّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التهاون في ترك الجمعة ففي صحيح مسلم عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال إنَّ النبي صلى الله على وآله وسلم قال لقومٍ يتخلَّفون عن الجمعة : (لقد هممْتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أُحرِّق على رجالٍ يتخلَّفون عن الجمعة بيوتَهم ) ، وفيه عن أبي هريرةَ عن النبي صلى الله على وآله وسلم قال : ( لَيَنْتَهُنَّ أقوامٌ عن وَدعِهِم _ تركِهِم _ الجُمُعاتِ أو لَيَخْتِمَنَّ اللهُ على قلوبِهم ثم لَيَكونَنَّ من الغافلين ) .

وصلاة العيد سنة وليست فرضا عند جماهير العلماء من السلف والخلف قال الإمام النووي في المجموع (5/3) : (( وجماهير العلماء من السلف والخلف ان صلاة العيد سنة لا فرض كفاية )) فكيف يسقط فعل المسنون الفرض الواجب؟!!
وقد كان هديه و سنَّتُهُ صلى الله على وآله وسلم أنَّه إذا اجتمع يوم جـمعة و عيد صلى العيدَ أوَّلاً ثم صلى الجمعة كما هو ثابتٌ عنه فقد أخرج مسلمٌ في صحيحه عن النعمان بن بشير قال : (( كان رسول الله صلى الله على وآله وسلم يقرأ في الجمعة و العيد بِـ (( سبِّح اسمَ ربك الأعلى )) و (( هل أتاك حديث الغاشية )) ، و إذا اجتمع العيد و الجمعة في يومٍ واحد قرأ بهما أيضاً في الصلاتين )) ، و هذا صريحٌ في أنَّ النبي صلى الله على وآله وسلم كان إذا اجتمع عيدٌ و يومُ جمعةٍ صلى صلاتين لا صلاةً واحدة .
فما يروِّجُهُ بعضُ الناس بين العوام من سقوط الجمعة والظهر على من حضر العيد هو رأيٌ شاذٌّ بعيدٌ كلَّ البعدِ عن قواعدِ الإسلام وقد اشْتَبَهَ على هؤلاء الناس بعض الأحاديث و الآثار و أولِعوا بحب الأقوال الشاذَّة المخالِفةِ لِهَدْيِهِ صلى الله على وآله وسلم مع أنَّ العلماءَ أجابوا عن تلك الأحاديث و الآثار بأقوال شافية كافية ، و نحن نذكرها مع جواب العلماء عليها حتى لا يغترَّ بها جاهِلٌ أو يرتابَ فيها عاقِلٌ و هي :

أوَّلاً : ما أخرجه أبو داود في سننه (1\281) و النسائي في سننه (3\194) و ابن ماجة في سننه (1\415) و غيرهم من طريق عثمان بن المغيرة عن إياس بن أبي رملة الشامي قال شهدتُ معاويةَ بن أبي سفيان و هو يسأل زيد بن أرقم قال أشهدتَ مع رسول الله صلى الله على وآله وسلم عيدين اجتمعا في يوم ؟ قال نعم ، قال فكيف صنع ؟ قال صلى العيد ثم رخَّص في الجمعة فقال من شاء أن يصلِّيَ فليصلِّ … و الجواب عليه من أوجُهٍ :
(1) هذا الحديث تفرَّد به عثمان بن المغيرة عن إياس بن أبي رملة ، قال ابن المنذر : لا يثبت هذا – الحديث – فإنَّ إياس مجهولٌ ، قال ابن القطَّان هو كما قال أ هـ تهذيب التهذيب (1\359) و قال ابن خُزيمةَ في صحيحهِ (2\359) : لا أعرف إياس بن أبي رملة بعدالةٍ و لا بجرح أ هـ فكيف يصح في الأذهان إسقاط فرض الجمعة بمثل هذا الحديث الضعيف .
(2) ثم لو سلمنا صحته فهو غير صريح في تحديد إي العيدين الفطر أم الأضحى ، فيكون مجملاً و لا حجَّةَ فيه .
(3) و هو معارض أيضاً بحديث النعمان بن بشير في صحيح مسلم والذي فيه أن البني صلى الله على وآله وسلم صلى صلاتين .
(4) و قد يُجاب عنه أيضاً بحمله على أهل العوالي كما سيأتي ،واليه ذهب الإمام الطحاوي في كتابِهِ مُشْكِل الآثار و أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد.
(5) و هو أيضاً معارض بحديث طارق بن شهاب أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (( الجمعة حقٌّ واجبٌ على كل مسلمٍ في جماعةٍ إلاّ أربعة : عبد مملوك و امرأة أو صبي أو مريض )) رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح على شرط البخاري و مسلم ، قاله الإمام النووي .
فمفهوم هذا الحديث أنَّ الجمعة لا تجب على هؤلاء الأربعة فقط و ليس من حَضَرَ العيد واحداً منهم ولا مقاساً على معنى واحد منهم إذ له مندوحة بترك العيد بخلاف من ذكر .
ثانياً : مارواه أبو داود في سننه (1\281) و ابن ماجة في سننه (1\415) و الحاكم في مستدركه من حديث عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله على وآله وسلم قال (( قد اجتمع في يومِكُمْ هذا عيدانِ فمن شاء أجزأَهُ عن الجمعةِ و إنَّا مُجْمِعون إن شاء اللهُ تعالى )) و أُجِيْبَ عنه من أوجه ٍ :
(1) هذا الحديث ضعيف لأن الصحيح إرسالُهُ ، قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (2\88): ( صحح الدارقطني إرساله … وكذا صحح بن حنبل إرساله ) أهـ . و في عون المعبود (3\289) قال الإمام الخطّابي في إسناد حديث أبي هريرة مقالٌ … و قال المنذري و أخرجه ابن ماجة و في إسناده بقيَّة بن الوليد و فيه مقال أهـ .

و كذلك ضعَّفَهُ بن الجوزي في العلل المتناهية (1\469) و في الحديث كلامٌ لا يحتملُهُ هذا المقام و الحاصل أنَّهُ ضعيفٌ .
(2) و لو سلمنا صحتَهُ فقد حمل العلماء الرخصة فيه لأهل العوالي و هي القرى حول المدينة ، قال الإمام الطحاوي( صاحب العقيدة الطحاويَّة ) في مشكل الآثار : ( إنَّ المرادين بالرخصة في ترك الجمعة في هذين الحديثين هم أهل العوالي الذين منازلهم خارج المدينة ممن ليست الجمعة عليهم واجبة ) أهـ . و قال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد ( 10\273) : ( الرخصة إنما أُريدَ بها من لم تجب عليه الجمعة ممن شهِد العيد من أهل البوادي ) و مما يـؤيِّدُ حملَهُ على أهل العوالي ما يلي :

(1) قولُهُ في الحديث ( فإنَّا مجمعون ) إشارةٌ إلى أهل المدينة و ذلك لأنَّه لا يجوز حملها على النبي صلى الله على وآله وسلم وحده ، إذ الجمعة لا تصح من واحدٍ إجماعاً فكان قولُهُ صلى الله على وآله وسلم متوجِّهاً إلى من ليس من أهل المدينة و الله أعلم .
(2) روى البيهقيُّ في سننه هذا الحديث بعينه من طريق سفيان بن عيينة عن عبد العزيز بن رفيع موصولاً و مقيِّداً ذلك بأهل العوالي ، و إسناده و إن كان فيه ضعف إلا أنَّهُ يتأيد بما قدمنا و بما أخرجه البخاري عن عثمان بن عفان عنه موقوفاً مقيِّداً ذلك بأهل العوالي .
(3) أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني بعض أهل المدينة واحدٌ منهم أنَّ النبي صلى الله على وآله وسلم إجتمع في زمانه يومُ جمعةٍ و يوم فطرٍ أو يومُ جمعةٍ و يوم أضحى فأذِن للأنصارِ في الرجوع إلى العوالي و ترك الجمعة ، فلم يزل الأمر على ذلك بعدُ أه ـ . و هذا و إن كان منقطعاً إلا أنَّه يُستأنس به .
(4) ما أخرجه البخاري في صحيحه (5\2116) عن أبي عبيد أنَّهُ شهد عيد يوم الأضحى مع عثمان وكان ذلك يوم الجمعة فصلى قبل الخطبة ثم خطب فقال : إنَّ هذا يومٌ قد اجتمع لكم فيه عيدان فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر و من أحب أن يرجع فقد أذِنتُ له . أهـ ،
و هذا الحديث و إن كان موقوفاً على عثمان رضي الله عنه إلا أنَّه لا يُقال بالرأي إذ ليس للأئمة الإذن في ترك الفرائِض و إنما ذلك بحسب العذر المنصوص عليه ، فثبت أنَّهُ قاله عن توقيف من النبي صلى الله على وآله وسلم ، و من جهةٍ أخرى فإنه قد خطب به في محضرٍ من الصحابة و لم يُنكِرُهُ أحد فيكون إجماعاً سكوتيّاً و إلى هذا ذهب أئِمتُنا الشافعيَّةُ ، قال في فتح الوهَّاب لشيخ الإسلام زكريّا ( و لو وافق يوم جمعة _ يوم _ عيد فحضر صلاته أي العيد أهل قرى يبلغهم النداء فلهم الإنصراف و ترك الجمعة ، نعم لو دخل وقتها قبل انصرافهم كأن دخل عقب سلامهم من العيد فالظاهر أنَّهُ ليس لهم تركها أي الجمعة . أهـ
و العلة في جواز تركها لهم أنَّهم لو كُلِّفوا بالرجوع للجمعة من منازلهم البعيدة بأميالٍ عن المدينة لَشَقَّ عليهم و الجمعة تسقط بالمشقة كالمرض و الله أعلم .
ثالثاً: ما أخرجه أبو داود في سننه (1\281) من حديث عطاء و النسائي في سننه (3\194) من حديث وهب بن كيسان قال اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير فأخَّر الخروج حتى تعالى النهار ثم خرج فخطب فأطال الخطبة ثم نزل فصلى _ ركعتين _ و لم يصلِّ بالناس يومئذٍ الجمعة ، فذُكِرَ ذلك لأبن عباسٍ فقال أصاب السُنَّةَ ……… و أجيب عنه من أوجهٍ :

(1) هذا الأثر عن بن الزبير معارضٌ بفعل النبي صلى الله على وآله وسلم فقد مر في حديث النعمان بن بشير أن النبي صلى الله على وآله وسلم كان إذا اجتمع عيدٌ و جمعةٌ صلى صلاتين وهو يقتضي انه كان دأبه وعادته أنه يصلي صلاتين، لان الفعل كان مع الفعل المضارع تفيد العموم كما عليه جماعة من الأصوليين و كذلك هو معارضٌ بحديث أبي هريرة السابق لأنَّ النبي صلى الله على وآله وسلم أقام العيد ثم الجمعة .

(2) هذا الأثر إذا حمل على ظاهرِهِ فإنَّهُ يخالف إجماع العلماء إذ فيه إسقاط الظهر و الجمعة معاً بفعل العيد و هذا لم يقلْهُ أحدٌ من علماء الأمة ، قال ابن عبد البر في الإستذكار (7\23) (( و روي في هذا الباب عن ابن الزبير و عطاء قولٌ منكر أنكره فقهاء الأمصار و لم يقل به أحد منهم )) و قال أيضاً 🙁 و على أيِّ حال كان فهو عند جماعة العلماء خطأٌ و ليس على الأصل المأخوذ به أهـ . و قال ابن رشد في بداية المجتهد (4\253) (( و أما إسقاط فرض الظهر و الجمعة التي هي بدله لمكان صلاة العيد فخارجٌ عن الأصول جداً )) .
(3) و التحقيق أن ابن الزبير قد صلى الجمعة إلا أنَّهُ قدمها قبل الزوال على مذهب من يرى ذلك و هو أمرٌ ظاهِرٌ من الروايات و مما يدلُّ على ذلك أنّه أخَّر الخروج حتى تعالى النهار و قدم الخطبة ثم صلّى ، و في رواية أذَّنَ لها ، و في رواية عطاء أنَّهُ (( جمعهما )) و كلُّ ذلك يشير إلى أنَّهُ صلى الجمعة بشروطها و اكتفى بها عن العيد على مذهب من يرى جواز تقديم الجمعة قبل الزوال و هو رأيٌ ضعيف إلا أنَّهُ محتمل ، و ممن تأوَّلَهُ على هذا النحو الإمام الخطابي قال : ( و أما صنيع
ابن الزبير فإنَّهُ لا يجوز عندي إلا أنْ يُحملَ على مذهب من يرى تقديم الصلاة قبل لزوال ) اهـ . عون المعبود (3\289) ، و كذلك قاله الإمام ابن عبد البر في الإستذكار (7\24) .
(4) إذا قلنا بسقوط الجمعة على العموم بهذه الآثار على فرض صحتها سواء الزمنا الظهر عنها أو لا فإن ذلك يقتضي نسخ القرآن القطعي بالسنة الآحاد الظنية ولا يجوز شرعا عند الجماهير من الاصوليين بل نقل جماعة منهم الاجماع على عدم الوقوع عند القائلين بالجواز , وهذا الوجه يَرِدُ على الإمام أحمد الذي انفرد في احدى الرواتين عنه بسقوط الجمعة مطلقا ووجوب الظهر عنها على الرغم من أن الرواية الاشهر عنه أن السنة الآحاد لا تنسخ القرآن انظر ( العدة لأبي يعلى (3/788) المسودة (201) .
 و إذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا فلا يجوز لمسلمٍ إسقاط فرض الجمعة و الظهر ولا اسقاط شعار الجمعة مطلقاً على العموم لأنَّ الله عزَ و جلَّ يقول { يا أيها الذين آمنوا إذا نودِيَ للصَّلاةِ من يومِ الجمعةِ فسعوا إلى ذِكرِ الله … الآية } و لم يستثنِ يوم العيد بحكمٍ آخر ، و كيف يصِحُّ اسقاط فرضٍ عينيِّ بسنَّةٍ و هذا لا معهودَ لهُ في الشرع ، قال أبو محمد ابن حزم في المُحلَّى : إذا اجتمع عيدٌ في يوم جمعةٍ صُلِّيَ للعيد ثم للجمعة و لا بدّ ، و لا يصِحُّ أثـرٌ بخـلافِ ذلك ……. الجمعة فرض و العيد تطوُّع و التطوُّع لا يسقِطُ الفرضَ أهـ .
و أخيراً نقولُ … إن فريضة الجمعة شعيرة من شعائر أهل الاسلام لا يجوز العدول عنها بأقوال شاذة او ضعيفة ، وليأخذ المؤمن الحريص بالمحكم القرآني وليترك المتشابه والمحتمل وذلك من تقوى القلوب .. و صلى الله على سيِّدِنا محمد و آلِهِ و صحبِهِ و سلَّمَ و الحمد لله رب العالمين .
           حرره : د. حسن شيخ الكاف
استاذ الفقه وأصوله / جامعة حضرموت
بتأريخ : : 7 \ ذو الحجَّة \ 1422هـ

السابق
الرأي السديد فيما إذا وافق يوم الجمعة العيد (بحث محكّم حول حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد / د. عبد الله الجبرين)
التالي
أسئلة حول جلوس الله سبحانه موجهة للوهابية/ القسم الأول