أتى الحلّاق الذي كتب هذا الكلام بطوامّ يتنزه عن مثلها أرذل العوام، وإن دلت على شيء فإنما تدلّ على أنه جاهلٌ جهلًا مركّبًا في العقيدة.
أولها أنه قال: “القلم الذي كتبت به مقادير كل شيء من الأزل إلى الأبد”
وهذا جهلٌ بالمعقول والمنقول، أما بالمعقول فلأن (من الأزل إلى الأبد) مدة لا تتناهى، فكيف يُكتَبُ ما فيها في لوحٍ محصورٍ في وقتٍ محصور؟!
وأما بالمنقول فلأن النصّ الشريف قد قال:
“لما خلق الله القلم قال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة”
فحدّد ما سيكتبه القلم أنه منذ خلقه الله تعالى، فلا يدخل فيه ما كان قبل خلق القلم، إلى قيام الساعة، فلا يدخل فيه ما بعد قيام الساعة من أحوال أهل الجنة والنار التي لم تُكشَف قبل قيام الساعة ونحو ذلك.
فهذه الجهالة الأولى.
أما الثانية:
فهي قوله: “فهذا يضيّق الفارق بين علم المخلوق وعلم الخالق”
ومعنى هذا الكلام الفاسد أن المخلوق كلّما اكتسب معلومة جديدة اقترب من الألوهية، لأنه يتصور مثلا أن الله تعالى يعلم مليار معلومة، والمخلوق يعلم ألفًا، فإذا علم ألفين ضاق الفرق بينه وبين الله، ثم ثلاثة آلاف ضاق الفرق أكثر .. وهكذا
نعوذ بالله من هذه السفاهة، سبحانه وتعالى عما يصفون!
بل الفرق بين المخلوق والخالق أن علم الله تعالى أزليٌّ لم يُسبَق بجهل، وعلمُ المخلوق حادثٌ كان بعد جهل، وأن علم الله تعالى ذاتيٌّ لا يستمده من غيره، والمخلوق علمه من الله تعالى فهو الذي يهبه هذا العلم.
وعليه فمهما زادت معلومات المخلوق لم يقترب من علم الله تعالى كما تصوّر هذا الحلّاق، بل معلوماته الزائدة هذه لم يتعلمها إلا بمولاه، فهو المفيض عليه بها، فكلما زادت معلوماته كلّما زاد إيغاله في عبودية الله تعالى واحتياجه إليه.
ولذلك لما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم:
“وقل ربّ زدني علمًا”
لم يأمره أن يدعوه بما معناه: يا ربّ ضيّق الفارق بيني وبينك في العلم -عياذًا بالله من هذا الفهم!-
بل كان يدعوه تعالى بما معناه: رب زدني علمًا لأزداد بهذا العلم توغلًا في عبوديتك، لأنك إن كنت الذي تزيدني من هذا العلم فلا سبيل للمقارنة بين علمك القديم وعلمي الحادث وبين علمك الذاتي وعلمي المكتسب مما أفضت به عليّ.
أما كلامه عن المماحكات اللفظية والحجج الإنشائية والتأويلات التعسفية التي ينسبها لكبار أئمة الإسلام كالزركشي وابن مرزوق وزكريا الأنصاري والهيتمي وغيرهم مئات الأئمة = فمن كان مستواه في مبادئ المسائل كمستوى هذا الحلّاق فتقييمه لحجج أهل العلم كطنين ذباب أو صرير باب، ليس بشيء، ومناقشته في ذلك إزراء بشرف العلم ورفعة أهله، بل ينبغي تعزيره وردّه للكتاتيب مرة أخرى.

أما معنى البيت فقد اختلف فيه أهل العلم..
منهم من قال:
(ال) في قوله اللوح والقلم = للجنس
ومعناها الألواح والأقلام التي في أيدي الناس، أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان أمّيًا لا يقرأ ولا يكتب إلا أن علوم القرأة الكتبة التي في ألواحهم وأقلامهم هي جزء من علومه الشريفة.
ذكره ابن مقلاش وعليّ بن ثابت التلمساني وابن مرزوق الحفيد وأبو البقاء الكفوي.
ومنهم من قال:
بل الألف واللام في قوله اللوح والقلم للعهد الذهني، والمراد اللوح والقلم الأعلى الذي قال له الله اكتب، والمراد بالبيت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم هذا اللوح من أي شيء خُلق وما كيفية الكتابة فيه.
ذكره ابن مقلاش والتلمساني ونقله ابن مرزوق عن بعض الشراح.
ووجه ثالث ورابع ذكرتهما تفصيلا -مع ما سبق من الوجوه وما هو آت- في كتابي “أمنة المستريب في بردة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم”
أما الوجه الخامس وهو ما عليه عامة الشرّاح:
أن كل ما في اللوح والقلم من علوم هو من علم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الله تعالى أطلعه على علوم الأولين والآخرين وعلى كل علم يمكن أن يطلع عليه مخلوق.
ودليلهم في ذلك أحاديث منها:
ما في البخاري عن سيدنا عمر قال:
“قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه”
قال ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث:
“ودل ذلك على أنه أخبر بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدئت إلى أن تفنى إلى أن تُبعَث، فشمل ذلك الإخبار عن المبدء والمعاش والمعاد، وفي تيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم”
ثم جعل ابن حجر يذكر معجزات تشبه هذه المعجزة، ثم ساق الشواهد من أحاديث أخرى منها حديث أبي زيد الأنصاري الذي أخرجه أحمد ومسلم وفيه:
“فحدثنا بما كان وما هو كائن فأعلمُنا أحفظنا”
وعند الترمذي: “ثم قام يحدثنا فلم يدع شيئا إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به”
وحديث آخر وهو حديث اختصام الملأ الأعلى الذي رواه معاذ بن جبل، وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى الله تعالى في المنام -ويجوز رؤية الله تعالى في المنام على صورة مشخّصة- فقال:
“فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديّي، فتجلى لي كل شيء وعرفت”
قال ابن رجب الحنبلي:
“وفيه دلالة على شرف النبي وتفضيله بتعليمه ما في السماوات والأرض”
فاستنبط العلماء من هذه الأحاديث وغيرها أن الله تعالى علّمه صلى الله عليه وآله وسلم كل ما يمكن أن يطلع عليه مخلوق، وجزء من هذا الذي علمه الله إياه هو المكتوب في اللوح.
ثم أي شيء يُستَعظمُ في ذلك واللوحُ المحفوظ سمي لوحًا لأنه يلوح للملائكة فيقرأونه!
ففي تفسير الماوردي: “وقال بعض المفسرين: هو شيء يلوح للملائكة فيقرأونه”
ثم أي شيءٍ يستعظم في ذلك والقلمُ لم يكتب شيئا في اللوح إلا بعدما علّمه الله ذلك، وإلا فكيف يكتبه؟!
والقلم دون النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو أعظم المخلوقات، فإذا وردت أحاديث تفيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علّمه الله ما علّمه للقلم، فما الذي يحكّ قفا الحلاق في ذلك؟!
وهذا الوجه -أعني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علّمه الله كل ما في اللوح المحفوظ-
قد ذكره ابن الصائغ والزركشي وطاهر ابن حبيب وابن العماد الأقفهسي والأليري وعلي بن ثابت التلمساني وابن مرزوق والمحلي ومصنفك والقسطلاني وزكريا الأنصاري وشيخ زاده والهيتمي وبدر الدين الغزي وعلي القاري والكفوي وابن علان والدسوقي والباجوري وابن عاشور الجد والخربوتي وحسن العدوي.
أما قول هذا الحلّاق إن كلام هؤلاء السادة أئمة الإسلام في كل عصرٍ ومِصر في شتى العلوم والفنون لا يقنع طفلًا رضيعًا يحبو = فقد صدق!
فإنهم لم يكتبوا كلامهم للأطفال ولا للحلاقين، وحسبهم أن كلامهم يقنع أهل العلم.