ابن تيمية حكما على الأمة

يقول التفتازاني بعيدا عن تشنيعات ابن تيمية: (لكنه ينبغي للعاقل أن يتأمل في أمثال هذه المباحث ولا ينسب إلى الراسخين من علماء الأصول ما يكون استحالته بديهية ظاهرة على من له أدنى تمييز، بل يطلب لكلامهم محملاً صحيحاً يصلح محلاً لنزاع العلماء واختلاف العقلاء، فإن من قال: التكوين عين المكون أراد أن الفاعل إذا فعل شيئاً فليس هاهنا إلا الفاعل والمفعول)

ابن تيمية أقام الدنيا على الأشاعرة لقولهم بأن الفعل هو المفعول ، والخلق هو المخلوق، واختار مذهبَ الماتريدية بأنهما متغايران، ولكن خالفهم في أن التكوين قديم بينما اختار ابن تيمية أنه حادث قائم بذاته تعالى على أصله بحلول الحوادث في ذاته تعالى، وليس هذا محل الشاهد هنا ، وإنما الشاهد هنا هو أن الماتريدية الذين اختاروا التغاير بين الفعل والمفعول، وبين المكوَّن والتكوين هم أنفسهم لم يشنعوا على من قال بذلك كالأشاعرة، بل التمسوا لهم عذرا وتأولوا كلامهم، وسأورد كلام التفتازاني هنا لنفاسته.

قال رحمه الله في شرح العقائد النسفية (ص: 41): (والتكوين … وهو غير المكوَّن عندنا) لأن الفعل يغاير المفعول بالضرورة، كالضرب مع المضروب والأكل مع المأكول، ولأنه لو كان نفس المكون لزم أن يكون المكون مكوناً مخلوقاً بنفسه، ضرورة أنه مكون بالتكوين الذي هو عينه، فيكون قديماً مستغنياً عن الصانع، وهو محال.
وأن لا يكون للخالق تعلق بالعالم سوى أنه أقدم منه وقادر عليه من غير صنع وتأثير فيه، ضرورة تكونه بنفسه، وهذا لا يوجب كونه خالقاً والعالم مخلوقاً له، فلا يصح القول بأنه خالق العالم وصانعه، هذا خلف. …..
وأن لا يكون الله تعالى مكوناً للأشياء، ضرورة أنه لا معنى للمكون إلا من قام به التكوين، والتكوين إذا كان عين المكون لا يكون قائماً بذات الله تعالى، وأن يصح القول بأن خالق سواد هذا الحجر أسود، وهذا الحجر خالق السواد، إذ لا معنى للخالق والأسود إلا من قام به الخلق والسواد، وهما واحد، فمحلهما واحد، وهذا كله تنبيه على كون الحكم بتغاير الفعل والمفعول ضرورياً، لكنه ينبغي للعاقل أن يتأمل في أمثال هذه المباحث ولا ينسب إلى الراسخين من علماء الأصول ما يكون استحالته بديهية ظاهرة على من له أدنى تمييز، بل يطلب لكلامهم محملاً صحيحاً يصلح محلاً لنزاع العلماء واختلاف العقلاء، فإن من قال: التكوين عين المكون أراد أن الفاعل إذا فعل شيئاً فليس هاهنا إلا الفاعل والمفعول، وأما المعنى الذي يعبر عنه بالتكوين والإيجاد ونحو ذلك فهو أمر اعتباري يحصل في العقل من نسبة الفاعل إلى المفعول، وليس أمراً محققاً مغايراً للمفعول في الخارج ولم يرد أن مفهوم التكوين هو بعينه مفهوم المكون ليلزم المحالات.
وهذا كما يقال: إن الوجود عين الماهية في الخارج، بمعنى أنه ليس في الخارج للماهية تحقق ولعارضها المسمى بالوجود تحقق آخر حتى يجتمعان اجتماع القابل والمقبول كالجسم والسواد، بل الماهية إذا كانت فتكوّنها هو وجودها لكنهما متغايران في العقل، بمعنى أن للعقل أن يلاحظ الماهية دون الوجود وبالعكس، فلا يتم إبطال هذا الرأي إلا بإثبات أن تكوّن الأشياء وصدورها عن الباري تعالى يتوقف على صفة حقيقية قائمة بالذات مغايرة للقدرة والإرادة.اهـ
وانظر شرح هذا الكلام في الدقيقة 113 :
(Dr. Hamza el-Bekri Şerhu’l Akaid 18. Dersi) شرح العقائد الدرس ١٨

السابق
خلاصة تفسير القرطبي لآية النساء: 3(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى …) /عبر غروك للذكاء الاصطناعي/
التالي
خلاصة تفسير القرطبي لآية النساء: 6(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) (عبر غروك)

اترك تعليقاً