مقالات عن الجهمية

هل الأشاعرة جهمية كما يشيع ابن تيمية وأتباعه؟ (1) مسألة مصادر تلقي العقيدة نموذجا.

على التسليم بصحة هذه الرواية عن الجهم فلا دلالة فيها على ما زعمه ياسر من أن الجهم كان يَرد الوحيَ كما عَنون بذلك الباب الأول من رسالته، بل يدل على عكس ذلك تماما، وهو أنه ـ أي الجهم ـ كان يستدل بالقرآن على مذهبه بدليل أنه استدل بتلك الآيات الثلاثة، وأما القول بأنها متشابهة، فهو بحث آخر لا علاقة له بأصل التهمة الموجهة للجهم ثم للأشاعرة من بعده وهي أن مصدر العقيدة عندهم العقل وليس النقل، فتأمل… هذا طبعا لو سلمنا أن تلك الآيات متشابهة لاسيما آية الشورى… !!

هل الأشاعرة جهمية كما يشيع ابن تيمية وأتباعه؟ (1) مسألة مصادر تلقي العقيدة نموذجا.

https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/941883685925654/

سبق[1] أن ذكرنا أن ابن تيمية وأتباعه اتهموا الأشاعرةَ بأنهم لا يحتجون بالكتاب والسنة والآثار في العقائد إلا على سبيل الاستئناس والاعتضاد إن توافق النقل مع العقل، وقلنا بأن هذا الاتهام تضمن ثمانية اتهامات ضخمة منها أن الأشاعرة تأثروا في هذا بالجهم بن صفوان…!!!!

وهنا سوف نحقق في هذا الأمر الأخير وهو تأثر الأشاعرة بالجهم في هذه القضية، وسوف نرجع كالعادة إلى كتاب ” مقالات الجهم بن صفوان وأثرها في الفرق الإسلامية” لصاحبه ياسر قاضي الذي عقد الباب الأول برمته لهذه القضية فعنون له ص131 “أثر مقالته[2] في مصادر التلقي في الفرق الإسلامية”، وجعله في فصلين:

الفصل الأول: رده للوحي ومعارضته بالعقل

وجعله في مبحثين:

المبحث الأول: نشأة هذه المقالة وحقيقتها وقوله في ذلك

وقد افتتحه بقوله: “إن جهم بن صفوان ـ كغيره من أهل البدع ـ لم يعط الكتاب والسنة حقهما، بل استدل بآيات متشابهات، وأوّل القرآنَ على غير تأويله وحرّفه عن مواضعه. ولا غرو في ذلك، فإنه كان يزعم أن القرآن مخلوق وهو قول يتوصل به إلى إنكار الوحي، والحط من علو مرتبة القرآن وهيبته في النفس”[3]. (انظر الصور: 1، 2، 3، 4)

ثم راح ياسر يحشد الرواياتِ والنصوصَ لتأييد ما نسبه للجهم مِن رَدِّه للوحي وتقديمه للعقل عليه وتأويله وتحريفه للنصوص…

فتعالوا لنرى ماذا سرد من الروايات؟ وما مدى صحتها؟ وما مدى دلالتها على ما نسبه للجهم؟ ثم بعد ذلك نأتي لمناقشة المؤلف على ما ادعاه بعد ذلك من تأثر بل من اتباع الأشاعرة والماتريدية للجهم في ذلك، حيث قال ياسر ص195 بعد أن تكلم مطولا عن أثر مقالة الجهم هذه على الأشاعرة والماتريدية: “لقد تبين مما سبق أن الجهم بن صفوان ـ مع شيخه الجعد بن درهم ـ أول من عارضا نصوص الكتاب والسنة بما يزعما أنه عقل، ثم تبعها على ذلك بقية المتكلمين، منهم الأشاعرة والماتريدية”.اهـ ثم استدرك بأن هذا التأثر مقتصر على متأخري الأشاعرة. (انظر: الصور رقم 12)

إذن تعالوا أولا لنستعرض الروايات التي سردها ياسر قاضي لتأييد ما نسبه للجهم.

لقد ابتدأ ياسر تلك الروايات بنص ورد في كتاب “الرد على الجهمية والزنادقة” المنسوب لأحمد بن حنبل ذكر فيه أن الجهم:” وجد ثلاث آيات من المتشابه: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3] .{لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] . فبنى أصل كلامه على هذه الآيات، وتأوَّل القرآن على غير تأويله “.اهـ

قال وليد ابن الصلاح هداه الله: لا دلالة في هذه الرواية على ما نسبه ياسر للجهم، وبيان ذلك من وجوه:

أولا: كتاب الرد على الجهمية والزنادقة في نسبته إلى للإمام أحمد بن حنبل شكٌ على أقل تقدير كما أشرت، لأن في أسانيد الكتاب إلى أحمد أحد المجاهيل، وقد جزم الذهبي بأنه موضوع، وقد بسطنا ذلك في موضع آخر[4]، وبالتالي لا قيمة لما يُذكر فيه من آراء وآثار وأحاديث حتى لو أسندت فيه ما لم تثبت من مصدر آخر موثوق.

ثانيا: أننا لو سلمنا أن الكتاب ثابت النسبة لأحمد إلا أن هذا الذي نسبه أحمد للجهم لم يذكر له سندا، بل صرح الإمام أحمد بأن ما ذكره عن الجهم إنما هو مما بلغه عنه ، حيث قال قبل أن يسرد شيئا عن الجهم ” فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله، أنه كان من أهل خرسان. من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام…”[5] (انظر الصورة: 13، 14، 15)، ثم سرد ما سبق عن الجهم، وبالتالي ففي الرواية السابقة انقطاع بل إعضال[6]، لأن أحمد ولد سنة 164 كما قال الذهبي[7]، وتوفي سنة 241 هـ، أي أنه وُلد بعد وفاة الجهم بـ 36 سنة لأن الجهم توفي سنة 128 كما قال ابن حجر في لسان الميزان (2/ 500) كما سبق، وبالتالي فبين أحمد وبين الجهم ثلاثة أو أربعة أجيال.

ثالثا: على التسليم بصحة هذه الرواية عن الجهم فلا دلالة فيها على ما زعمه ياسر أن الجهم كان يرد الوحي كما عَنون، بل يدل على عكس ذلك تماما، وهو أنه كان يستدل بالقرآن على مذهبه بدليل أنه استدل بتلك الآيات الثلاثة، وأما القول بأنها متشابهة، فهو بحث آخر لا علاقة له بأصل التهمة الموجهة للجهم ثم للأشاعرة من بعده وهي أن مصدر العقيدة عندهم العقل وليس النقل ….فتأمل… هذا طبعا لو سلمنا أن تلك الآيات متشابهة لاسيما آية الشورى… !!

ننتقل إلى الرواية الثانية التي ذكرها ياسر ، وهي ما رواه البخاري في خلق أفعال العباد: وحدثني أبو جعفر ، حدثني يحيى بن أيوب ، قال : سمعت أبا نعيم البلخي ، قال : كان رجل من أهل مرو صديقا لجهم ثم قطعه وجفاه ، فقيل له : لم جفوته ؟ فقال : جاء منه ما لا يحتمل ، قرأت يوما آية كذا وكذا ، نسيها يحيى فقال : ماكان أظرف مُحَمدا فاحتملتها ، ثم قرأ سورة {طه} فلما قال : {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} قال : أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها لحككتها من المصحف فاحتملتها ، ثم قرأ سورة القصص فلما انتهى إلى ذكر موسى قال : ما هذا ؟ ذكر قصة في موضع فلم يتمها ، ثم ذكرها ههنا فلم يتمها ، ثم رمى بالمصحف من حجره برجليه ، فوثبت عليه.اهـ

قال وليد: هذه الرواية عن جهم هي من الروايات النادرة لأن فيها سندا إلى الجهم، والروايات المسندة عن الجهم ـ وبعد تتبعي لها في كتاب ياسر قاضي ـ لا تعدو عدد أصابع اليد الواحدة، ومع ذلك ففي أسانيد تلك الروايات علل ومطاعن، كهذه الرواية السابقة عند البخاري في خلق أفعال العباد، ففيها مجهول وهو صديق الجهم، وهذا أقل ما يقال فيها وبالتالي فتكون رواية معلولة أو ضعيفة فلا أدري كيف صححها الألباني في مختصره للعلو…!!!

لذلك لا بد من بسط الكلام على هذه الرواية؛ فأقول وبالله التوفيق …. #انتظره_لاحقا

————————————–

[1] انظر: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/941146762666013/

[2] أي مقالة الجهم

[3] مقالات الجهم بن صفوان ط (1/ 135)

[4] انظر: https://www.facebook.com/…/permalink/768997433214281/

[5] انظر: الرد على الجهمية والزنادقة (ص: 93)

[6] قال السخاوي في فتح المغيث 1/199: المعضل: ( الساقط منه ) أي : من إسناده ( اثنان فصاعدا ) أي : مع التوالي .اهـ

[7] حيث جاء في سير أعلام النبلاء ط الرسالة (11/ 179) في ترجمته لأحمد بن حنبل: …فقال صالح، قال لي أبي: ولدت في ربيع الأول، سنة أربع وستين ومائة.اهـ

السابق
هل الأشاعرة جهمية كما يشيع ابن تيمية وأتباعه؟ (1) دليل الحدوث نموذجا .
التالي
بطلان القول بأن الله تعالى يجلس نبيّه صلى الله عليه وسلم على العرش (مقال لوهابي مدخلي يرد فيه على وهابي حدادي يتهم من ينكر ذلك بأنه من الجهمية، فيرد عليه الأول: بل أنت جهول من الخوارج!!)