(١)
شرح كلام الرازي الذي ذكره في المطالب العالية حول ماهية الزمان.
قال الرازي في المطالب العالية، تحت باب ” في تتبع سائر المذاهب والأقوال في ماهية الزمان ” ما نصه: ” وأما قول قدماء الحكماء، وهو أنه جوهر قائم بنفسه، مستقل بذاته، فالمتأخرون أبطلوا ذلك بأن قالوا: الزمان شيء سيال متجدد الوجود. وما يكون كذلك، فإنه يمتنع أن يكون جوهرا قائما بذاته، مستقلا بنفسه. هذا غاية الإلزام في إبطال هذا المذهب. ولمجيب أن يجيب عنه فيقول: لا نسلم أنه في ذاته وماهيته سيال متبدل منقض. ولم لا يجوز \[أن يقال : ] إنه جوهر باقي أزلي أبدي إلا أنه إذا حدثت الحوادث، صارت تلك الحوادث المتعاقبة مقارنة له، وحينئذ يلزم من وقوع التغير والتبدل، وقوع التغير والتبدل في نسب ذلك الجوهر إلى تلك الحوادث. والحاصل: أن السيلان والتبدل ما وقعا في ذات الزمان، وفي جوهره. بل وقعا في نسبته إلى الحوادث المتعاقبة. ومما يدل عليه: أن ذات واجب الوجود لذاته، تكون بالنسبة إلى كل شيء، إما قبله أو معه أو بعده. ثم إنه بحسب تغير المتغيرات، تتغير تلك النسب المسمّاة بالقبلية والمعية والبعدية في ذات واجب الوجود، ولم يلزم من تبدل تلك النسب والإضافات، وقوع التبدل والتغير في ذاته وفي صفاته الحقيقية فإنه واجب الوجود لذاته، وواجب الوجود من جميع جهاته. فإذا عقل هذا المعنى في حق واجب الوجود، فلم لا يعقل مثله في ذات الزمان وجوهره؟ فظهر أن هذه الحجة التي ذكرها المتأخرون في إبطال مذهب القدماء في ماهية الزمان: حجة ضعيفة ساقطة. بل عندي: أن هذا القول أقرب الأقوال المذكورة في ماهية الزمان وفي حقيقته. وهو مذهب الإمام أفلاطون. وظهر بهذه المباحث الغامضة التي أوردناها، والبينات الكاملة التامة التي قررناها: أن الحق في حقيقة المكان والزمان ما قاله أفلاطون الإلهي، لا ما اختاره أرسطاطاليس المنطقي. ولما تلخص هذا الكلام فنقول: القائلون بأن الزمان جوهر قائم بنفسه مستقل بذاته فريقان: منهم من قال: إنه وإن كان كذلك لكنه ممكن بذاته واجب بغيره، للدلائل الدالة على أن واجب الوجود لذاته ليس إلا الواحد. ومنهم من قال: بل الزمان جوهر واجب الوجود لذاته ممتنع العدم لعينه “. انتهى
ثم عرض حجج كل فريق وقال بعدها: ” والأقرب من هذه الأقوال: أن يقال: دلت الدلائل على أن واجب الوجود لذاته واحد وثبت أن واجب الوجود لذاته، واجب الوجود من جميع جهاته، وذلك ينافي كونه سبحانه موردا للتغيرات والتبدلات لكن المدة والزمان مورد للتغيرات والتبدلات بحسب توارد القبليات والبعديات عليه، فلم يكن واجب الوجود لذاته [من جميع جهاته، فلم يكن واجب الوجود بحسب ذاته بل كان ممكن الوجود لذاته. وأما الإله فهو الموجود المقدس عن التغيرات، العالي عن أن يلحقه شيء ما بالقوة. فهذا هو الذي به نقول، وعليه نعوّل. والله الهادي”. انتهى
الشرح:
قول الرازي: “وأما قول قدماء الحكماء، وهو أنه جوهر قائم بنفسه، مستقل بذاته…”
قدم من خلاله موقف قدماء الحكماء ، أي قدماء الفلاسفة، من ماهية الزمان فقالوا أنه ذو وجود مستقل حقيقي، وليس مجرد علاقة بين الحوادث. وقد نُسب هذا القول إلى أفلاطون، الذي اعتبر الزمان جوهراً له ماهية قائمة بذاتها.
وأفلاطون هو من الموحدين عند ابن تيميةو ذنبه ابن القيم.
وقد أخذ ابن تيمية القول بأزلية جنس العالم من أفلاطون وأتباعه.
ثم ذكر الرازي اعتراض المتأخرين مثل أرسطو و من تبعوه من الفلاسفة الإسلاميين، فقال: “فالمتأخرون أبطلوا ذلك بأن قالوا: الزمان شيء سيال متجدد الوجود…”، أي أن الزمان يتغير في كل لحظة. وبالتالي فكل ما هو متغير لا يمكن أن يكون جوهراً قائماً بنفسه. لأن الجوهر، بحسب أفلاطون، ثابت لا يتغير في ذاته، بل في علاقاته.
ثم قال الرازي: “ولمجيب أن يجيب عنه فيقول: لا نسلم أنه في ذاته وماهيته سيال متبدل منقض…”
هنا الرازي يقدّم احتمالًا دفاعيًا عن موقف أفلاطون، حيث قال: ” لا نسلم أن الزمان ذاته هو الذي يتغير. بل: التغير واقع في نسبته إلى الحوادث، لا في ذاته. كما أن الله وهو واجب الوجود، تتغير نسبه إلى الأشياء، ولكن لا يعني ذلك تغير ذاته.
فهنا كأن الرازي يتكلم على لسان الفلاسفة أو الملاحدة القائلين: “ إن كنّا نقبل أن النسب تتغير في حق واجب الوجود من دون أن تتغير ذاته، فلماذا لا نقول إن الزمان جوهر تبقى ذاته، لكن تتغير نسبته إلى الحوادث؟“
وبالتالي توصل الرازي إلى نتيجة فقال: “فظهر أن هذه الحجة… حجة ضعيفة ساقطة. بل عندي: أن هذا القول – أي قول أفلاطون- أقرب الأقوال…” أي أن الرازي رجّح في هذا المستوى من البحث رأي أفلاطون، وقال إن اعتبار الزمان جوهراً قائماً بذاته هو القول الأقرب إلى الصواب، خلافاً لما ذهب إليه أرسطو والمتكلمون.
وأما قوله : ” والأقرب من هذه الأقوال: أن يقال: دلت الدلائل على أن واجب الوجود لذاته واحد وثبت أن واجب الوجود لذاته، واجب الوجود من جميع جهاته، وذلك ينافي كونه سبحانه موردا للتغيرات والتبدلات .
فهذا النص الذي ختم به الرازي كلامه هو بمثابة حسم للموقف العقدي والكلامي، وفيه تقرير لمفهوم واجب الوجود، وتفريق بينه وبين الزمان، حتى لو افترضنا جدلاً أن الزمان جوهر. وإليك تفصيل معاني العبارات :
قوله: “والأقرب من هذه الأقوال أن يقال: دلت الدلائل على أن واجب الوجود لذاته واحد”
أي أن البراهين العقلية تثبت أن هناك إلهاً واحداً فقط، لا شريك له، وهو الذي لا يحتاج إلى غيره في وجوده، بل هو واجب بذاته.
وهنا ينبغي الإشارة إلى أن تفكير الرازي في الزمان الجوهري يبدو أنه لم يتبلور بشكل كامل، ولم يبلغ موقفه درجة
اليقين التام، كما تدل على ذلك عبارته ” والأقرب من كل هذه الأقوال”، فلا يصح هنا إلزام كل أهل السنة الأشاعرة بكلام الرازي بخصوص الزمان.
وقوله: “وثبت أن واجب الوجود لذاته، واجب الوجود من جميع جهاته”
هذا توكيد مهم: أي أن الله تعالى لا يتغير ولا يتبدل من أي جهة كانت، فهو ثابت الوجود بكل اعتبار، ليس في ذاته قابلية للنقص أو القوة أو التبدل.
وهذا من لوازم كونه واجب الوجود بذاته: أنه لا يطرأ عليه شيء، لأن كماله محض.
وقوله: “وذلك ينافي كونه سبحانه مورداً للتغيرات والتبدلات”
أي أن الله سبحانه لا يكون محلاً للتغيرات. لأن التغير يعني انتقال من حال إلى حال، وهذا نقص، والله منزه عن ذلك.
فالتغير لا يليق بمن كان واجباً الوجود من جميع جهاته.
وقوله: “لكن المدة والزمان مورد للتغيرات والتبدلات بحسب توارد القبليات والبعديات عليه”، أي أن الزمان هو الذي تتغير فيه الأمور، وتطرأ عليه حالات مثل “قبل” و”بعد”.
هذه القبليات والبعديات تحصل بسبب تعاقب الحوادث.
فالتغير هنا ذاتي للزمان أو مرتبط به، وليس مجرد نسبٍ كما في حق الله.
وقوله: “فلم يكن واجب الوجود من جميع جهاته، فلم يكن واجب الوجود بحسب ذاته بل كان ممكن الوجود لذاته”
و هذه نتيجة استدلالية حاسمة من الرازي: فالزمان لأنه يتغير، لا يكون واجب الوجود من جميع جهاته.
بل هو ممكن الوجود: يحتاج إلى غيره في تحققه، ويمكن أن يوجد أو لا يوجد. وهذا ردّ ضمني على من قال إن الزمان جوهر واجب الوجود (كما نقل سابقاً عن بعض القدماء)، فيقول الرازي:
هذا مرفوض، لأن واجب الوجود لا يتغير، بينما الزمان يتغير بالضرورة.
وقوله: “وأما الإله فهو الموجود المقدّس عن التغيرات، العالي عن أن يلحقه شيء ما بالقوة”
معناه أن الله سبحانه وتعالى هو مقدس عن التغير: لا يتحول، لا يزداد، لا ينقص، و”لا يلحقه شيء بالقوة”: أي لا يوجد فيه استعداد لشيء لم يتحقق بعد، كما هو الحال في الموجودات الممكنة (التي لها قوة/قابلية للتحول).
ثم قال الرازي: “فهذا هو الذي به نقول، وعليه نعوّل. والله الهادي.”
هذا هو القول الذي يرتضيه الرازي ويعول عليه، ويعتبره الصحيح في العقيدة.
و الخلاصة أن الزمان ليس واجب الوجود لأنه يتغير وتتعاقب عليه النسب.
الله وحده واجب الوجود من جميع جهاته، فهو ثابت لا يتبدل.
كل ما يتبدل أو تتغير نسبه الذاتية فهو ممكن، لا واجب.
الزمان إذن مخلوق غير قائم بذاته كالخالق.
كتبه
التاريخ والسير والعقائد