اصل الحكاية مع التفسير المبسط للعقيدة
سؤال : ليه الأزهر الشريف أشعري العقيدة ؟
سؤال : ما هو المذهب الأشعري؟
الإجابة باختصار :
هو أحد مذاهب أهل السنة والجماعة في العقيدة، وهم ثلاثة مذاهب :
*مذهب الأشعرية (مذهب جمهور الشافعية والمالكية وبعض الحنفية والحنابلة)
*مذهب الماتريدية (مذهب جمهور الحنفية)
**مذهب فضلاء الحنابلة (مذهب جمهور الحنابلة)
يُنسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري (من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري)
كان معتزليا لمدة ٤٠ سنة ثم تاب من الاعتزال وتمذهب بمذهب أهل السنة والجماعة.
طريقته أو منهجه أو فكره : إعادة صياغة النصوص الشرعية في هيئة أدلة عقلية؛ للرد على الملحدين من جهة لعدم إيمانهم بالمنقول “النصوص” ، والرد على المبتدعة من جهة أخرى لتحريفهم مفهوم المنقول.
أسماء المذهب الأشعري :
أهل السنة والجماعة، أهل التنزيه،
وقد يطلق لفظ “الأشاعرة” ويراد به : مذهب الأشعرية ومذهب الماتريدية؛ لأن الاختلافات بينهما ضئيلة جدا جدا جدا.
طريقته في التعامل مع صفات الرحمن : يتعامل معها بطريقتين أو على مسلكين :
١- التفويض (التأويل الإجمالي) : وهو إثبات اللفظ (إما في هيئة صفة على وجه لائق أو إضافة لله مع التوقف في جعلها صفة له عز وجل بالنسبة لبعض الاضافات) وتفويض المعنى لله مع نفي المعاني المخصصة للحوادث (المخلوقات) ونفي الكيف عن الله من غير تعطيل أو تشبيه أو تجسيم أو تمثيل.
مثلا نحو قوله تعالى : (الرحمن على العرش استوى)
يقول : أي استوى بما يليق به من غير تعطيل أو تشبيه أو تجسيم أو تكييف مع نفي صفات الحوادث عن الله (صفات المخلوقات كالجلوس والتحيز)
وأيضا قول يد الله أي بما يليق به …..
أو الله يحب أو يغضب وهكذا.
٢- التأويل التفصيلي :
وهو تنزيه الله عن المعنى الظاهر الذي وضع للمخلوقات؛ لأن ظواهر اللغة للتعامل مع المخلوقات غالبا لا الخالق، بصرف المعنى الظاهري والبحث عن معنى من معاني اللفظ لا يحتمل ظاهره وصف الله بالنقائص.
سبب اللجوء إليه :
دخول العجم إلى الإسلام، فكانوا يدخلون ولا علم لهم باللغة ويحملون عقائد باطلة كتصور الإله بصورة أقرب إلى البشر، فلما قرأوا في النصوص مع عدم علمهم باللغة تصوروا نصوص الإسلام بتصورات باطلة في حق الإله.
مثال على مسلك التأويل : الاستواء في اللغة له معاني جمة كثيرة ، كذلك اليد ….
فعلى طريقة التأويل يتم صرف المعنى الحادث “الظاهري” عن الله عز وجل،بأن يتم حمل اليد على معنى القدرة أو النعمة… ويتم حمل الاستواء على القهر وهكذا؛
لأن اليد بمعنى الجارحة لا تليق بالله ؛ فالله عز وجل يتنزه عن الأبعاض والأجزاء.
كذلك القول بأن الاستواء بمعنى الجلوس لا يليق بالله عز وجل.
كما أن العرش من مخلوقات الله، والله لا تتجدد له صفة بخلق خلقه.
وأيضا وصف الله بالغضب بالمعنى الحادث وهو فوران الدم لحدث مفاجئ لا يليق بالله.
فيتم تأويله مثلا إلى إرادة العقاب لأن الغضب الذي هو فوران الدم لحدث مفاجئ يعقبه إرادة عقاب المغضوب عليه فيتم حمله على نتيجة الغضب أي عقاب المسيء.
هل ورد التأويل عن السلف ؟
نعم ورد التأويل في الكتاب والسنة وفي مأثورات السلف….
كتنزيه الله عن المرض وحمله على معنى مرض العبد .
ومنه تأويلات بعض الصحابة كالسيدة أم سلمة وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهم جميعا.
كما ورد عن السلف عموما كتأويل الإمام البخاري وجه الله بمعنى ملك الله وهكذا..
ولكن السلف الصالح كانوا أكثر ميلا إلى التفويض وهو المسلك الأول في المذهب الأشعري….ولهذا أسبابه التي لا مقام لذكرها هنا.
هل تاب الإمام الأشعري عن مذهبه الأشعري ؟!
لا ، ولم ينقل عن تلاميذه أو أهل عصره هذا الوهم الذي توهمه (أو شنعه) ابن تيمية الحنبلي -بعد 400 سنة من موت الإمام الأشعري- وتبعه بعض من تأثر به.
وغاية الأمر أن الإمام الأشعري يدور بين التفويض والتأويل في كلامه…..فيظن المعارض أنه يقول بقوله وشتان بين التفويض والتشبيه (أو التجسيم).
هل الإمام الأشعري يتبع الإمام أحمد بن حنبل ؟!
نعم، وجملة أئمة أهل السنة الذين سبقوه، والإمام أحمد من أئمة أهل السنة والجماعة….
*ومعنى التبعية هنا أي أنه يوافقه في أصول العقيدة وفي مفهوم مسلك التفويض في الجُملة.
ومن هذا المنطلق يمكننا أن نقول أن الأشاعرة يتبعون الإمام أحمد؛ نظرا لتقدمه -من حيث الظهور الزمني- عن الإمام الأشعري ولموقفه الذي وقفه في وجه طغيان المعتزلة.
ما الفرق بين منهجية الإمام الأشعري وبين منهجية الإمام أحمد ؟
*الإمام أحمد لا يتوسع في التأويل ولا في الاستدلال العقلي ولا يتوسع في التفصيل والرد على الخصوم أما الإمام الأشعري فيتوسع فيهم، ولكل أسبابه وعقليته.
*كذلك ضيق واتساع دائر النصوص المتشابهة والمُحكمة بين المذهبين.
هل المذهب الأشعري يقف عند باب الأسماء والصفات فقط في الإلهيات ؟!
لا ، بل يشمل العقيدة ككل.
مَن تَبِعَ المذهب الأشعري من علماء المسلمين ؟!
جمهور علماء الأمة، كالإمام البيهقي والنووي والقاضي عياض والغزالي والرازي وابن حجر وابن حجر الهيتمي والسيوطي والسخاوي وغيرهم إلى أن تصل إلى جيل الإمام الشعراوي والغزالي والشيخ كشك وغيرهم رحم الله الجميع.
ومن القادة : صلاح الدين الأيوبي وقطز وعمر المختار وغيرهم.
يمكنك القول بأن غالب أئمة علوم الإسلام على المذهب الأشعري حتى علماء اللغة كابن عقيل وابن مالك وابن هشام وغيرهم.
وعلماء القراءات كابن الجزري والشاطبي وغيرهما.
فمن المحال أن تعد 10 علماء من أئمة المالكية أو الشافعية أو الحنفية من القرن الرابع الهجري (أي بعد ظهور طريقة وفكر الإمام الأشعري) إلى يومنا هذا ليسوا أشاعرة.
ما الفرق بين علماء أهل السنة الأشعرية وبين شيوخ الدعوة السلفية (الوهابية) :
شيوخ الدعوة السلفية يتبعون منهج الشيخ ابن تيمية في العقيدة…..وليس منهج جمهور علماء المذهب الحنبلي .
هل انفرد الشيخ ابن تيمية بهذه العقيدة ؟!
لا، بل له بعض السلف من المشبهة، ولكنه تميز عنهم بأنه خلط كلامهم بما كسبه من القراءة الموسعة في كتب الفلاسفة والفِرق …
مثلا كقوله بنظرية “حوادث لا أول لها” !!
فهي نظرية فلسفية محضة لا يعرفها كتاب ولا سنة ولا سلف صالح….
ولا توافق المسلك العام في المذهب الحنبلي لذلك كف علماء مذهبه عن شرح كتبه بعد موته وموت تلميذه الوفي ابن القيم….
فلن تجد شروحات أو حواشي حنبلية على كتب ابن تيمية التي خرج فيها عن المسلك العام للمذهب…بعد موت تلميذه ابن القيم إلى أن خرج شيخ الدعوة السلفية (الوهابية) محمد بن عبد الوهاب بعد وفاة ابن تيمية بأكثر من ٤٠٠ سنة وأحيا هذه الكتب بالنشر والشرح والتحشية، وصار مرجع فرقته في العقيدة.
وطريقتهم في العقيدة تخالف جمهور الحنابلة أنفسهم ناهيك عن مخالفة جمهور أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا !!
فهم يرون أن التفويض جهالة بل أشد شرا من التأويل (وهو قول ابن تيمية) !!!
ويقولون بالإثبات ومفهومه عندهم تفسير النصوص على ظاهرها !!
بالرغم من أن السلف لم يفسروها بل فوضوها بمعنى أنهم أثبتوا اللفظ وفوضوا المعنى لله ونفوا الكيف عنه.
أما الوهابية فيقولون بإثبات اللفظ والمعنى الظاهر ويفوضون الكيف !!!
بالرغم من أن ظاهر المعنى وضع للمخلوقات لا الخالق !
مثلا يقولون بيد حقيقية لله أي جارحة : وهي البُعض في الذات !!
ولا نعرف من أين أتوا بزيادة “حقيقية” فلم ترد في كتاب ولا سنة ولا كلام الصحابة !
ويقولون بأن استوى بمعنى جلس وقعد !!
وبأنه جلس وترك موضع أربعة أصابع من العرش !!! ( أي حيزوا خالقهم وجعلوه أصغر من خلقه حاشاه عز وجل)
ويقولون بأن الله في -على- السماء حقيقة !
مع العلم أن الأشاعرة لا يرفضون القول بأن الله في السماء بل يقرون به ولكن بالمعنى اللائق أي السمو فوق خلقه بمعنى سمو المكانة والرتبة والمنزلة والتنزه عن خلقه وعن أوثان البشر…
وليس بمعنى العلو الحسي ولا السماء المخلوقة لعدة أمور :
أولا لأن جهة العلو نسبية بسبب كروية الأرض.
ثانيا السماء مخلوقة (حادثة) والله خالق (قديم) !!! والقديم لا يحل ولا يتحد مع الحادث !
ثالثا القول بأن الله في السماء يجعل الله أصغر من خلقه والعياذ بالله.
فإن قالوا المقصود بأنه فوق السماء.
قلنا المعنى لا يختلف لأن الجهة تنشأ من مكانين متقابلين فهي نسبية !
فلو المقصود هنا العلو الحسي معنى ذلك أن الله لم تثبت له صفة العلو قبل خلق السماء والعياذ بالله الغني…. الذي لا يفتقر إلى خلقه.
كما أنهم يقولون بالنزول الحسي بمعنى الحركة والنُقلة أي أن الله ينزل نزولا حسيا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل !!
وهذا القول يقتضي أن تكون السابعة بسكانها أعلى منه والعياذ بالله !
ويقتضي أن الله حَلَّ في خلقه وهو يشبه قول النصارى بأن الله حل في المسيح.
وهذا القول يقتضي أنه أصغر من السماء حتى يحل فيها أو يتحد بها، وهذه معاني قبيحة سبحانه وتعالى عما يقولون.
👈 وليس معنى هذا أن الأشاعرة ينفون القول بنزول الله إلى السماء الدنيا ولكن ينفون النزول الحسي فقط الذي هو نزول المخلوقات.
ولا ينفون القول بأن الله في السماء أو فوق خلقه !!!
بل يثبتون ذلك ولكن ينفون الظرفية الحسية في السماء المحدثة التي هي من مخلوقات الله، وينفون العلو الحسي والفوقية الحسية….
فالعلو هنا علو رتبة ومكانة والفوقية هنا فوقية قهر ومنزلة…
والسماء هنا بمعنى المكانة والسمو…..
وقس على ذلك في بقية في الصفات…..
وللأسف يشنع الإخوة الوهابية (السلفية) على السادة الأشاعرة بقول أنهم ينفون استواء الله أو يد الله أو نزول الله أو وصف الله بالحب والغضب والعياذ بالله !
وهذا كذب !
بل الأشاعرة يقرون بذلك ؛ لأن الله أثبتها في كتابه كما أثبتها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته ولكن الأشاعرة ينفون المعنى المخلوق الذي هو ظاهر اللفظ مع العلم أن الأشاعرة ينفون ذلك أيضا في صفة السمع والبصر فالسمع عندهم : صفة لله تنكشف بها المسموعات والبصر صفة تنكشف بها المبصرات مع تنزيه الله عن الآلة أي السماع بأذن أو الرؤية بعين جارحة ! والصمغ والحدقة مما هو من معاني صفات مخلوقاته سبحانه وتعالى، سواء تم ذلك الإقرار على مسلك التفويض المذكور أعلاه أو مسلك التأويل.
أخيرا : اعلم أن جمهور علماء الأمة وكبرى المدارس العلمية كالأزهر الشريف بمصر والزيتونة في تونس والقرويين في المغرب والأموي في سوريا وديوبند في الهند وغيرهم يتبعون مذهبي الأشاعرة (الأشعرية والماتريدية) ولكن صوت الريال والبترول أعلى بما يتم ضخه من أموال والسيطرة على الإعلام …. لترويج فكر وكتب الفرقة الوهابية (السلفية) حتى صارت تفرض على الناس فرضا في التلفاز والمساجد والإعارات مع إباحة الكذب على الخصم لتشويهه بالباطل والعياذ بالله، فالله المستعان وعليه التكلان.
وبالله التوفيق
بقلم/ محمد حلمي الحنفي الأزهري
(باحث في مرحلة الدكتوراه)