شبهات حول التصوف والصوفية

إذا جادلك الوهابي في الصوفية وذمهم أو كفّرهم/ ضمن موسوعة إذا قال لك الوهابي كذا / نسخة أولى مع الحواشي قابلة للتعديل/

إذا جادلك الوهابي في الصوفية وذمهم أو كفّرهم

  1. إذا قال لك الوهابي بأن الصوفية قبورية ، فجوابه ما ذكرناه في مقال (إذا قال لك الوهابي: يا قبوري!  ) [1]
  2. وإذا قال لك الوهابي: الصوفية مشركون! فجوابه ما ذكرناه في مقال (إذا قال لك الوهابي يا مشرك)[2]
  3. وإذا قال لك الوهابي: الصوفية كفار، فجوابه ما ذكرناه في مقال (إذا قال لك الوهابي يا كافر ، أو إذا قال لك : تعال نكفّر ساعة)[3]
  4. وإذا قال لك الوهابي: الصوفية مبتدعة، فجوابه ما ذكرناه في مقال (إذا قال لك الوهابي يا مبتدع)[4]
  5. وإذا قال لك الوهابي: الصوفية جهمية ، فجوابه ما ذكرناه في مقال (إذا قال لك الوهابي يا جهمي)[5]
  6. وبعد، فهذه شبهات عامة يقولوها الوهابية عن الأشاعرة والصوفية ومعظم الفرق الإسلامية، وقد أجبنا عنها بحمد الله في مقالاتنا السابقة ضمن موسوعة إذا قال لك الوهابي كذا
  7. والآن نسرد شبهات أخرى خاصة بالصوفية مع الجواب عنها .

8.  إذا قال لك الوهابي إن الصوفية يعتمدون على الإلهام والمنامات والكرامات دون الكتاب والسنة

  • فأبطلْ شبهته هذه من خلال كلام ابن تيمية وابن القيم لا من كلام الصوفية والأشاعرة

10.               (أولا: نصوص ابن تيمية على تمسك الصوفية بالكتاب والسنة)

  1. ألم يتحدث ابن تيمية نفسه عن تمسك السادة الصوفية بالكتاب والسنة؟
  2. ألم يقل ابن تيمية : (والشيخ عبد القادر [الجيلاني] ونحوه من أعظم مشائخ زمانهم أمراً بالتزام الشرع والأمر والنهي وتقديمه على الذوق والقدر …)[6] وأطال في ذلك
  3. ألم يقل أيضا: (فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني،
  4. ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين،
  5. ألم يضف: ومثل الشيخ عبد القادر [الجيلاني]، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين،
  6. ألم يختم :  فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين[7]
  7. ألم تذموا كلَّ هؤلاء الذين مدحهم ابن تيمية ؟
  8. ألم تقولوا عن إبراهيم بن أدهم (أن أئمة الجرح والتعديل منهم من يوثقه ومنهم ينسبه إلى الخرافة والجهل بشرع الله) [8]
  9. ألم تقولوا إن ثناء ابن تيمية عليه ربما كان لموقف صحيح في موضع كما يستدل ابن تيمية بأقوال النصارى إذا وافقت الحق[9]؟
  10. ألم تقولوا “الهداية التي ادعاها أبو عبد الرحمن السلمي لإبراهيم بن أدهم قد حملته على ترك أبيه وأمه وبلدته وخلع ثيابه “[10] ثم أنكرتم عليه ذلك[11]؟
  11. ألم تقولوا بأن الجنيد والبسطامي والداراني كانوا ينفّرون من العلم الشرعي ومن الكتاب والسنة، وإنما يأخذوه عن الهواتف والمنامات والإلهام والكرامات كما يفعل ابن عربي[12]؟
  12. ألم تنكروا على الداراني أنه يزعم أنه يرى الملائكة وأنهم يكلمونه، وأنه يفضل الأولياء على الأنبياء فهرب من دمشق إلى مكة[13]؟!
  13. فكيف أثنى عليه ابن تيمية إذن؟
  14. ألم تنكروا على البسطامي أن له معراج كمعراج النبي صلى الله عليه وسلم ؟
  15. ألم تنكروا على ذي النون المصري لأنه أول من تكلم في بلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية؟
  16. ألم تنكروا على سهل التستري لأنه يقول: إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه وإنه يتكلم عليهم فأنكر ذلك عليه؟
  17. ألم تنكروا على السري السقطي كثيرا من أقواله[14]؟
  18. ألم تزعموا أن شيوخ التصوف الأقدمين كانوا شيعة تقريبا لمجرد أنهم ذكروا أئمة أهل البيت في أسانيدهم ورجالهم [15]؟
  19. ألم تقولوا (الصوفية يُنهُون سندَ لبس الخرقة إلى علي بن أبي طالب … بل يقولون مثل ما يقوله الشيعة تماما)؟
  20. ألم تقولوا (ومن الطرائف أن ذكر الثمانية هؤلاء من أئمة الشيعة الإثني عشر بالتسلسل الشيعي في كتب المتصوفة الكثيرين)
  21. ألم تقولوا (يروي الجنيد عن السري السقطي , وهو عن معروف الكرخي , وهو عن علي بن موسى الرضا , عن أبيه موسى الكاظم , عن أبيه … وهكذا إلى علي بن أبي طالب)
  22. ألم تقولوا : وأما علي بن موسى الرضا فيقولون عنه: (أن شيخ مشائخ الصوفية معروف الكرخي أسلم على يديه)؟
  23. ألم تقولوا عن معروف الكرخي (وكان معروف أسلم على يد علي بن موسى الرضا , وكان بعد إسلامه يحجبه )؟
  24. ألم تنكروا على الشيخ عبد القادر الجيلاني ؟
  25. ألم تنكروا عليه قوله (قدمي هذه على ‌رقبة ‌كل ‌ولي ‌لله تعالى)[16]
  26. ألم تنكروا عليه تقسيمه (مراتب الأولياء والأنبياء إلى سبع مراتب سماها حضرات) [17]؟
  27. ألم تتهموا هؤلاء الصوفية الأوائل الذين أثنوا عليهم ابن تيمية كالجنيد والشبلي وغيرهما بوحدة الوجود[18]؟
  28. ألم تقولوا بأن الجنيد له أقوال تدل على قوله بوحدة الوجود[19] ؟
  29. ألم تذكروا منها قوله (ليس من احتجب بالخلق عن الحق ‌كمن ‌احتجب ‌بالحق عن الخلق) مع أنه قول الشبلي وليس الجنيد[20]؟
  30. ألم تذكروا (عن أبي الحسين النوري أنه وأصحابه رُموا بالزندقة وسُعي بهم إلى الخليفة فأما الجنيد فتستر بالفقه فإنه كان يفتي على مذهب أبي ثور)[21]
  31. ألم تقولوا: مع بداية القرن الثالث الهجري ابتدأ المتصوفة بالتصريح بشيء من علومهم الباطنة فأنكر بعضهم على بعض[22]؟
  32. ألم تضربوا مثالا على ذلك بقصة بين الجنيد والشبلي؟
  33. ألم تقولوا فهذا الجنيد يقول للشبلي: ” نحن حبّرنا هذا العلم تحبيرًا، ثم خبأناه في السراديب، فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ “
  34. ألم تضيفوا  فرد عليه الشبلي بقوله: ” أنا أقول وأنا أسمع فهل في الدارين غيري “
  35. ألم يقل عبد الرحمن عبد الخالق: وقول الشبلي هذا هو بدايات القول بوحدة الوجود؟
  36. ألم يثن ابن تيمية وابن القيم على كل هؤلاء الصوفية الذين قدحتم فيهم ونسبتموه إلى وحدة الوجود؟
  37. وإذا كان القول بوحدة الوجود كفرا والقائل بها كافرا فهل أثنى ابن تيمية على الكفار؟
  38. وبالتالي ألا يكفرُ ابن تيمية نفسه لأن من لم يكفّر الكافر كافر؟!
  39. ألم يحك ابن تيمية الإجماع على أن الصوفية والأشعرية مسلمون[23]!
  •  

(ثانيا: نصوص ابن القيم على تمسك الصوفية بالكتاب والسنة)

  • ألم ينقل ابن القيم إجماع شيوخ الصوفية على أن أول منزلة في الطريق هو العلم بالكتاب والسنة[24]؟
  • ألم ينقل ابن القيم عن الجنيد قوله: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول – صلى الله عليه وسلم -؟
  • ألم ينقل عنه أيضا: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة؟
  • وقوله: مذهبنا هذا مقيد بالأصول: الكتاب والسنة؟
  • ألم ينقل عنهم: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره فلا يعد في ديوان الرجال؟
  • أم ينقل عن أبي سليمان الداراني قوله : ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة؟
  • ألم يطل ابن القيم في النقول والنصوص عن الصوفية في ذلك[25]؟
  • ألم يسرد قول أبي يزيد البسطامي: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات أن يرفع في الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وأداء الشريعة؟
  • ألم يذكر قولهم : من عمل عملا بلا اتباع سنة فباطل عمله.
  • وقولهم : الصحبة مع الله: بحسن الأدب، ودوام الهيبة والمراقبة. والصحبة مع الرسول – صلى الله عليه وسلم -: باتباع سنته؟
  • وقول أبي عثمان النيسابوري: من أمّر السنةَ على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة. قال الله تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا} [النور: 54]؟
  • وقولهم: كل باطن يخالفه الظاهر فهو باطل.
  • وقول ابن عطاء : من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور
  • ‌‌المعرفة.
  • ألم يضف: ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه؟
  • ألم يذكر ابن القيم قولَ أبي القاسم النصراباذي شيخ خراسان في وقته: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع؟
  • وقول أبي حمزة البغدادي: من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول – صلى الله عليه وسلم – في أحواله وأفعاله وأقواله؟
  • ألم يمر الشيخ أبو بكر الواسطي يوم الجمعة إلى الجامع، فانقطع شسع نعله، فأصلحه له رجل صيدلاني، فقال: تدري لم انقطع شسع نعلي؟ فقلت: لا، فقال: لأني ما اغتسلت للجمعة، فقال: هاهنا حمام تدخله؟ فقال: نعم. فدخل واغتسل.
  • وقولهم: علامة محبة الله: إيثار طاعته ومتابعة نبيه – صلى الله عليه وسلم -.
  • ‌‌وقول أبي بكر الطمستاني: الطريق واضح، والكتاب والسنة قائم بين أظهرنا،
  • ألم يضف: فمن صحب الكتاب والسنة، وتغرب عن نفسه وعن الخلق، وهاجر بقلبه إلى الله فهو الصادق المصيب.
  • وقال: التصوف: الصبر تحت الأوامر والنواهي.

إذا قال لك الوهابية بأن الصوفية يقولون بالاتحاد والحلول

فقل له:

  • ألم يبرئ ابنُ تيمية السادة الصوفية من هذه التهمة الباطلة وهي الاتحاد والحلول؟
  • ألم يقل بالحرف: ليس أحد من أهل المعرفة بالله يعتمد حلول الرب تعالى به أو بغيره من المخلوقات ولا اتحاده به
  • ألم يضف: وإن سمع شيء من ذلك منقول عن بضع أكابر الشيوخ فكثير منه مكذوب اختلقه الأفاكون ([26][1]).
  • ألم يقل أيضا بأنهم  : (كل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على .. أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات
  • وأضاف: وليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء  من مخلوقاته وأنه يجب إفراد القديم عن الحادث ([27][2]).)
  • ألم يقل الشعراني: ولعمري إذا كان عُباد الأوثان لم يتجرؤوا أن يجلوا آلهتم عين الله بل قالوا: ﴿ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾
  •  فكيف يظن بأولياء الله تعالى أنهم يدعون الاتحاد بالحق .. هذا كالمحال في حقهم رضي الله عنهم ؟
  • ألم يضف : إذ ما من ولي إلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق وأنها الخارجة عن جميع معلومات الخلائق لأن الله بكل شيء محيط([28][4]).
  • ألم يتحدث الإمام الغزالي في المقصد الأسنى عن هذه العقيدة الفاسدة وأظهر بطلانها  ([29][5])
  • ألم يكن مما قال : قول القائل: إن العبد صار هو الرب كلام متناقض في نفسه بل ينبغي أن ينزه الرب سبحانه وتعالى عن أن يجري اللسان في حقه …
  • ألم يضف بأنه: إذا قيل إن زيدا صار عمرا واتحد به فلا يخلو عند الاتحاد إما أن يكون كلاهما موجودين أو كلاهما معدومين أو زيد موجودا وعمرو معدوما أو بالعكس … إلخ وأطال في ذلك[30]؟
  • ألم يقل الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى في عقيدته الصغرى: تعالى الحق أن تحله الحوادث أو يحلها؟
  • أليس ابن تيمية نفسه ينكر على من ينفي حلول الحوادث بذاته تعالى؟
  • ألم يقل ابن عربي في عقيدته الوسطى: اعلم أن الله تعالى واحد بالإجماع ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء أو يحل في شيء أو يتحد في شيء.
  • ألم يقل في الفتوحات: القديم لا يكون قط محلا للحوادث ولا يكون حالا في المحدث([31][6]).
  • ألم يقل أيضا فيها: والقديم لا يصح أن يكون محلا للحوادث[32]؟
  • بل ألم يستدل على بطلان حلول الحوادث به بآية لا أحب الأفلين[33] التي ينكر ابن تيمية الاستدلال بها على ذلك أشد الإنكار؟
  • بل ألم يقم البرهان على بطلان الحلول والاتحاد … ثم انتهى إلى القول: فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه[34] ؟
  • ألم يقل في الفتوحات: لو اتحد الإنسان بخالقه لانقلبت الحقائق وخرج الإله عن كونه إلها وصار مخلوقا … إلخ[35]؟
  • ألم يقل أيضا: وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق ولا حل فيه الحق إذ لو كان عين الحق أو حل فيه لما كان تعالى قديما ولا بديعا.
  • ألم يقل أيضا: لا يجوز لعارف أن يقول: أنا الله ولو بلغ أقصى درجات القرب … وإنما يقول: أنا العبد الذليل في المسير والمقيل([36][7]).
  • ألم يقل أيضا: من قال بالحلول فهو معلول فإن القول بالحلول مرض لا يزول
  • ألم يضف: وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول.
  • بل ألم يبين أن الحلول يفضي إلى التجسيم ؟
  • ألم يقل بالحرف: ولو حل بالحادث القديم لصح قول أهل التجسيم؟
  • بل ألم يقل شعرا في نفي الحلول والاتحاد ؟
  • ألم يقل:
    • ودعْ مقالةَ قوم قال عالمُهم … بأنَّه بالإِله الواحد اتحَدا
    • الاتحادُ مُحُالٌ لا يقول به … إِلا جهولٌ به عن عقلهِ شَرَدَا
    • وعن حقيقتِه وعن شريعتِه … فاعبدْ إِلهَك لا تشركْ به أَحَدا[37]
  • ألم يكن أبو العباس المرسي تلميذ الشاذلي شديد الإنكار على الاتحادية والنهي عن طريقهم؟
  • ألم يقل: أتكون الصنعة هي عين الصانع ، كما حكى عنه السيوطي في الفتاوى؟!([38][8]).
  • فهل يقال بعد هذا كله إن الصوفية يقولون بالحلول والاتحاد؟
  • ألا يحتمل إن وجد في كلامهم ما ظاهره الاتحاد والحلول أن يكون مدسوسا عليه أو مؤولا؟
  • ألم يقل ابن تيمية نفسه وأما قول الشاعر في شعره:
أنا من أهوىومن أهوى أنا
  1. فإنما يعني أنه يحب ما يحب ويبغض ما يبغض كقول الآخر :
غبت بك عنيفظننت أنك أني
  1. وأطال في ذلك([39][9]).
  2. أليس هذا من الفناء الذي يتصف به خواص الأولياء كما قال ابن القيم… وأطال في ذلك؟([40][10]).
  3. ألم يقل بالحرف: (فغاية المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين)؟
  4. ألم يقل أيضا: ومن تحقق بهذا الفناء لا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا فيه ولا يوالي إلا إياه ولا يستعين إلا به؟
  5. ألم يضف : بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب تعالى هو عين مراد العبد وهذه حقيقة المحبة الخالصة؟
  6. فهل من بأس إذا حملنا كلمة الاتحاد التي قد نجدها في كلام بعضهم على معنى الفناء الذي هو محو النفس وإثبات الأمر كله لله سبحانه لا ذاك المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد ؟
  7. ألم يشر إلى ذلك سيدي علي بن وفا فقال من قصيدة له:
يظنوا بي حلولا واتحاداوقلبي من سوى التوحيد خالي
  1. فتبرأ من الاتحاد بمعنى الحلول وقال أبيات أخر:
وعلمك أن كل الأمر أمريهو المعنى المسمى باتحاد
  1. أليس فيه تصريح بأنه يقصد بالاتحاد تسليم الأمر كله لله كما بسطه السيوطي ([41][11]).
  2. ألم يقل السيوطي أيضا بأنه ذكر بعض المحققين لفظ الاتحاد إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد فإن الاتحاد عندهم هو المبالغة في التوحيد… إلخ[42]؟
  3. ألم يحمل قول أبي يزيد البسطامي: (سبحاني ما أعظم شأني) وكذلك قول من قال: (أنا الحق) على أنه في معرض الحكاية عن الله ؟
  4. ألم يقل ابن تيمية نفسه أن هذا يحتمل أنه قاله” وهو سكران بوجد المحبة الذى هو لذة وسرور بلا تمييز ” كما سبق[43]؟
  5. أليس هذا قريبا ما قال أستاذنا د. البوطي بأن البسطامي قصد بذلك فناء الإرادة لكل ما عدا الله والتفويض إليه واخضاع إرادته وحبه لما يحبه الله ويرضاه؟!
  6. ألم يضف: بأن هؤلاء الصوفية عودوا أنفسهم أن لا يبصروا شيئا من مظاهر الكون إلا وتتجلى لهم صفات الله ([44]]). وأطال د. البوطي في بسط ذلك
  7. وحاصل ما ذكره أن هذه العبارات (مثل سبحاني) لا تُفهم على ظاهرها العقائدي، بل هي تعبيرات وجدانية حالية
  8. وأضاف: أن الاتهام بالحلول والاتحاد تسرع وظلم، بينما المقام الصحيح هو الجمع بين شهود الله والقيام بعبوديته في الكون.
  9. ألا يستخلص مما سبق أن الاتحاد قد يراد به الحلول وهذا كفر.
  10.  وقد يراد مقام الفناء وهذا معنى محمود كما قال الشيخان ابن تيمية وتليمذه ابن القيم؟
  11. ألم يصطلح الصوفية اصطلاحات خاصة بهم كما اصطلح المحدثون والفقهاء والأصوليون وغيرهم[45]؟
  12. ألم تقولوا أنتم أنفسكم في تقسيم ابن تيمية للتوحيد لا مشاحة في الاصطلاح ؟
  13. ألم يبين الصوفية أنفسهم أن لهم مصطلحات تخصهم؟
  14. ألم يبين ذلك ابن عربي والشعراني[46] والهيتمي[47] وأحمد زروق[48] وغيرهم
  15. ألم يتهم بذلك الحلاج وأبو يزيد البسطامي بوحدة الوجود؟
  16. ألم يتأول ابن تيمية نفسه بعض العبارات المروية عنهما ؟
  17. ألم يتأول عبارة سبحاني كما سبق؟
  18. ألم يتأول عبارة ما في الجبة إلا الله ؟
  19. ألم يقل ابن تيمية إن هذه العبارات رويت عنهم في حالة سكر روحاني[49]؟
  20. ألم يقل ابن تيمية بالحرف الواحد: (فلا يشعر حينئذ بالتمييز ولا بوجوده فقد يقول فى هذه الحال أنا الحق أو سبحانى أو ما فى الجبة الا الله ونحو ذلك وهو سكران بوجد المحبة الذى هو لذة وسرور بلا تمييز)
  21. ألم يقل نحو ذلك الذهبي[50]؟
  22. ألم يقل: وهذا الشطح إن صح عنه فقد يكون قاله في حالة سكره.
  23. ألم يقل أيضا: وجاء عنه أشياء مشكلة لا مساغ لها، الشأن في ثبوتها عنه، أو أنه قالها ‌في ‌حال ‌الدهشة والسكر، والغيبة والمحو، فيطوى، ولا يحتج بها، إذ ظاهرها إلحاد، مثل: سبحاني، و: ما في الجبة إلا الله
  24. ثم إذا أنكرتم ظواهر كلام بعض الصوفية الذي يوهم الاتحاد والحلول ووحدة الوجود فهل تنكرون ظواهر بعض الآيات والأحاديث التي توهم ذلك؟
  25. ألم يقل تعالى كل شيء هالك إلا وجهه ؟
  26. ألم يقل في حديث البخاري (فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها)[51]؟!
  27. أليس ظاهرها الحلول والاتحاد ووحدة الوجود
  28. ألم يقل في الحديث ألا كل شيء ما خلا الله باطل
  29. ألم تتأولوا ذلك ؟
  30.  فهلا تأولتم للصوفية ذلك؟
  31. ألم يتهم أبو إسماعيل الهروي بوحدة الوجود وبالحلول والاتحاد؟
  32. ألم تدافعوا عنه وتتأولوا كلامه ؟
  33. ألم يدافع عنه ابن القيم مع أن شيخه ابن تيمية يقر بأن الهروي حلولي؟

إذا قال لك الوهابي إن الصوفية يقولون بوحدة الوجود

فقل له :

  1. هل كل الصوفية قالوا بوحدة الوجود ؟
  2. ألم يحذّر كثير من الصوفية من وحدة الوجود ؟
  3. ألم يدعوا إلى وحدة الشهود بدل وحدة الوجود؟
  4. ألم يُثن ابن تيمية على الصوفية كما سبق ؟
  5.  فهل أثنى على القائلين بوحدة الوجود؟
  6. ألم يثن عليهم ابن القيم أيضا كما سبق؟
  7. فهل أثنى على القائلين بوحدة الوجود مع أنه كفر؟
  8. فهل أثنى ابن تيمية وتلميذه على الكافرين؟
  9. هل ستقول بأن ابن تيمية أثنى على الصوفية الذين لا يقول بوحدة الوجود ؟
  10. إذن لم زعمت أول الأمر أن الصوفية كلهم قائلون بوحدة الوجود ؟
  11. حتى من اتهموا بالقول بوحدة الوجود كابن عربي الذي اشتهر عنه ذلك اختُلف هل فعلا يقول بذلك ؟
  12. فمن العلماء من يقول ثبت عنه ذلك ولذا لا يرضى طريقه في التصوف بل رد عليه كابن تيمية والعلاء البخاري وابن حجر العسقلاني وغيرهم
  13. ومنهم من يثني عليه ـ أي على ابن عربي ـ وذلك مثل النابلسي والشعراني والفيروزآبادي والسيوطي وابن حجر الهيتمي وابن عابدين وغيرهم
  14. ثم هؤلاء الذي يثنون عليه يختلفون هل ثبت عنه فكرة وحدة الوجود؟
  15.  وهل ثبت عنه فصوص الحكم التي فيها عبارات تدل عليها، وماذا يقصد بها إن ثبتت عنه ؟
  16. فمنهم من يقول لم يثبت ذلك عنه وحدة الوجود ويشكك في ثبوت أقواله وكتبه التي فيها عبارات تدل على وحدة الوجود مثل كتاب الفصوص
  17.  ويؤول ما فيه تلميح إلى وحدة الوجود في كتاب الفتوحات وغيره مما ثبت أنه لابن عربي وهذه طريقة الشعراني
  18. ومنهم من يثبت عنه فكرة وحدة الوجود ويثبت كتاب فصوص الحكم
  19.  ولكن يحاول أن يعطي مفهوما لوحدة الوجود قريبا من وحدة الشهود أو أن وحدة الوجود المراد به هو الوجود المعنوي لا المادي كما سيأتي
  20.  كما يفعل الشيخ النابلسي الذي رد على ابن تيمية في كتابه «إيضاح المقصود من وحدة الوجود».
  21.  وكما فعل كثير من تلامذة ابن عربي الذي شرحوا الفصوص وسلكوا فيها مسلك التأويل لكلام ابن عربي؟
  22. بينما كثير ممن يثنون على ابن عربي يشككون في ثبوت فصوص الحكم ويقولون هو مدسوس على ابن عربي بغض النظر عن مدى صحة قولهم
  23. والمسألة طويلة الذيل ، لا يتسع لها هذا المقام ولكن ما يهمنا هنا أنه حتى من يذم ابن عربي ويرد عليه لا يفعل ذلك بدافع العداء للصوفية جميعا ولا بدافع نسف التصوف برمته كما يفعل الوهابية
  24. حتى ابن تيمية نفسه لم يفعل ذلك بل هو يثني على شيوخ الصوفية المتقدمين كما سبق ويتهم ابنَ عربي وأمثالهم بأنهم خالفوا الصوفية الأوائل
  25. وكذا غير ابن تيمية ممن انتقد ابن عربي لم ينتقد التصوف ككل ولا ذم الصوفية ككل
  26. والأمر أظهر عند من يدافع عن ابن عربي ويثني عليه
  27. فهو يجعله من أئمة الصوفية والعارفين الكبار ويبين المراد بوحدة الوجود عند ابن عربي بعيدا عن الحلول والاتحاد ونحو ذلك مما هو محذور شرعي، وهو ما سنوضحه الآن

معنى وحدة الوجود عند من يقول بها

  1. ولكن ما معنى وحدة الوجود عند من يقول بها بدءا بابن عربي وتلامذته ومن دافعوا عنه وعن وحدة الوجود بعد أن أثبتوها له كالشيخ النابلسي
  2. بداية هو (ابن عربي) لم يستعمل هذا المصطلح (وحدة الوجود) صراحةً بهذا اللفظ المشهور في كثير من المواضع.
  3. وتلاميذه ومن جاء بعده (كالقونوي وغيره) هم الذين قرّروا المصطلح وشرحوه.
  4. ويرى بعضهم أن كلام ابن عربي يُفهم منه عند كثير من المحققين القول بوحدة الوجود أو لوازمها، وإن كان في عباراته غموض وإجمال أدى إلى اختلاف شديد في الحكم عليه.
  5. والبعض الآخر يرى أن نصوصه في الفتوحات المكية وفصوص الحكم تؤكد أنه يقصد وحدة الوجود بمعنى روحي لا مادي، أي أن الكثرة في العالم هي مظاهر للواحد الحق .
  6. بمعنى آخر فإن ابن عربي لم يقصد وحدة الوجود بمعناها الفلسفي المادي، بل بمعنى أن الله هو الوجود الحق، وما سواه مظاهر وتجليات.
  7. ويرى هؤلاء أن ثمة نصوص ابن عربي تُظهر أنه يرى الكون كله تجليات للحق، وأن الوجود واحد.
  8. وقريب من ذلك أن بعضهم يفسرون وحدة الوجود على أنه تعبير صوفي عن عظمة الله وظهوره في كل شيء.
  9. وأما النابلسيفهو مثلا يقول: وحدة الوجود معناها: تعين المعلومات في العلم قبل بروزها للوجود العيني.
  10. وأضاف: ومن هنا كان لكل مخلوق أزل يغاير أزل خلقه بصورته المادية المشهودة … إلى آخر ما قال[52]
  11. وبعضهم يستدل على وحدة الوجود فيقول: أليس وجود الله عز وجل ذاتي أي لا تأثير لغيره به ؟
  12. أليس الله تعالى هو الأول فليس قبله شيء؟
  13. ألم يرو البخاري : «كان الله ولم يكن شيء غيره»([53][1]).
  14. أليس وجود الموجودات حاصلا من إيجاد الله عز وجل لها؟
  15. أليس الكون مستمرا بإمداد الله تعالى لها بالوجود ولو انقطع الإمداد لعاد عدما؟
  16. ألا يستحق أن يقال إن الموجد الممد سبحانه وتعالى هو الموجود حقيقة؟
  17. ألا يمكن القول أن وجود من سواه مجاز لأن وجودها مستمد منه تعالى ولو قطع عنها مدد الوجود لتلاشت فورا؟
  18. ألم يقل الله : كل شيء هالك إلا وجهه؟
  19. أليس ظاهره أنه لا وجود لشيء إلا لله وأن ما سواه هالك حاليا وليس سيهلك
  20. ألم يقل تعالى : كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام؟
  21. أليس ظاهره أن كل شيء حاليا فانٍ لا أنه سيفنى إلا الله طبعا؟
  22. فهل فهمتم قول المتهمين بوحدة الوجود؟
  23. ألم يريدوا أن الوجود الحقيقي واحد وهو الله سبحانه وتعالى ووجود غيره لا يشابه وجوده؟
  24. ألم يقل صلى الله عليه وسلم: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل»([54][2]).
  25. ألم يقل أحدهم:
فالكل دون الله إن حققتهعدم على التفصيل والإجمال([55][3])
  • أي عدم حقيقة أصله موجود بمدد الله تعالى له وهذه هي واحدة الوجود.
  • ألم يقل: إن الوجود نوعان: وجود قديم أزلي وهو واجب وهو الحق سبحانه وتعالى ﴿ذلك بأن الله هو الحق﴾([56][4]) أي الثابت الوجود المحقق ووجود جائز عرضي ممكن وهو وجود من عداه من المحدثات؟
  • وهل من شك أن وحدة الوجود كفر وزندقة إن كانت بمعنى اتحاد الحق مع الخلق أو أن الخالق عين المخلوق؟
  • وكذا إن كان معناها أن الكل هو وأنه هو الكل وأنه عين الأشياء وفي كل شيء له آية تدل على أنه عينه؟
  • ألم يشدد الصوفية النكير على قائله وأفتوا بكفره وحذروا الناسَ من مجالسته وجعلوا قوله أشد من كفر اليهود والنصارى والمشركين؟
  • ألم يقل العارف بالله أبو بكر محمد بناني: فاحذر يا أخي كل الحذر من الجلوس مع من يقول: ما ثم إلا الله([57][5]) وأطال في ذلك
  • وهل من شك أن وحدة الوجود حق إن كانت بمعنى أن الوجود القديم الأزلي وهو الحق سبحانه فهذا الوجود لا يتعدد لأن الحق واحد بخلاف الوجود العرضي المتعدد الحادث ؟
  • وما الضير أن يقال بأن وجود الكون الحادث هو وجوده مجازي وفي اصله عدمي لا يضر ولاينفع؟
  • أليس الكون معدوم في نفسه هالك فان في كل لحظة كما تعالى ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾([58][6]).
  • أليس القائلون بوحدة الوجود أقسام فقسم أخذ الفهم الصحيح لوحدة الوجود بالبرهان ثم بالعيان فاستغرق في بحار التوحيد مع الحفاظ على الاستقامة على الشرع
  • وقسم تمسك بظواهر إشاراته وغاب في شهودها عن شهود الحق فربما هانت الشريعة في عينيه وظنها لأهل الغفلة لا لأهل العرفان فوقع في البهتان ([59][7]).

[1]  انظر:

https://www.facebook.com/groups/385445711569457/posts/7744784735635481

[2]  انظر:

[3]  انظر:

[4]  انظر:

[5]  انظر:

[6]  (والشيخ عبد القادر [الجيلاني] ونحوه من أعظم مشائخ زمانهم أمراً بالتزام الشرع والأمر والنهي وتقديمه على الذوق والقدر ومن أعظم المشائخ أمراً بترك الهوى والإِرادة النفسية، فإِن الخطأ في الإِرادة من حيث هي إِرادة إِنما تقع من هذه الجهة، فهو يأمر السالك أن لا تكون له إِرادة من جهته هو أصلاً؛ بل يريد ما يريد الربُّ عز وجل؛ إِما إِرادة شرعية إِن تبين له ذلك، وإِلا جرى مع الإِرادة القدرية، فهو إِما مع أمر الرب وإِما مع خلقه. وهو سبحانه له الخلق والأمر. وهذه طريقة شرعية صحيحة) [مجموع فتاوى أحمد بن تيمية ج10. ص488 – 489].

[7]  وأضاف : ، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم) [“مجموع فتاوى أحمد بن تيمية” ج10. ص516 – 517].

[8]  قال عبد الرحمن عبد الخالق في الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (ص: 43): وأعود فأقول أنه لا يعرف بالتحديد من أول من تسمى بالصوفي حقيقة في الإسلام وكنت في الطبعة الثانية من الكتاب لما قرأت ما كتبه أبو عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية عن إبراهيم بن أدهم وما روي بإسناده من حكايات شممت منها بدايات هذا الفكر وأول بذوره وقرأت ترجمة إبراهيم بن أدهم فوجدت أن أئمة الجرح والتعديل منهم من يوثقه ومنهم ينسبه إلى الخرافة والجهل بشرع الله فغلب على ظني أنه ربما كان الرائد الأول الذي وضع البذرة الصوفية. .

…..

وبعد أن أعدت النظر وجدتُ أن كلام أئمة الجرح والتعديل لا يرقى إلى اتهام إبراهيم بن أدهم ـ رحمه الله ـ بشيء مما وضعه المتصوفة في عقائدهم ومناهجهم، وأما الحكايات التي رويت عنه والموجودة في طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي فإنه لا يعول عليها في الجرح والتعديل لأن أبا عبد الرحمن السلمي نفسه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يضع الحكايات للصوفية ولعل ذلك بل هذا هو الظاهر أن هذا مما كذبه وافتراه على إبراهيم بن أدهم ـ رحمه الله ـ.

[9]  الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (ص: 43): ولقد لفت نظري بعد ذلك كثير من الأخوة أن شيخ الإسلام ابن تيمية أثنى على إبراهيم بن أدهم فكيف يكون منتميًا إلى هذا المنهج وكنت قد قرأت ما كتبه شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ وقد رأيت أنه ربّما يثني على شخص ما من أجل موقف صحيح في العقيدة، وهو قد لا يرضى عنه في موقف آخر بل إنه كثيرًا ما يستدل بأقوال النصارى واليهود إذا وافقت شيئًا من الحق. .

[10]  الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (ص: 47)

ثانيًا: الهداية التي ادعاها أبو عبد الرحمن السلمي لإبراهيم بن أدهم قد حملته على ترك أبيه وأمه وبلدته وخلع ثيابه، (وترك الدنيا) على حد التعبير، وليس ملابس الصوف التي كانت على جسم الراعي، ومن سمي هذا المنهج بالتصوف، وليس من شروط الهداية في الإسلام أن يترك المهتدي الدنيا، ويفر بدينه من وطنه، إلا إذا قابل فيه اضطهادًا أو منعًا من أداء الشعائر، أو كان في بلد كثير المعاصي وأراد النقلة إلى بلد آخر يكثر فيه الصالحون، ولم تكن (بلخ) التي هجرها إبراهيم كذلك؛ لأنه جاء في حكايته أنها مسكن (داود) وأن البقاع قد تفاخرت بكينونة داود فيها، هكذا قال، فكيف تترك هذه البقعة الطيبة، والقرية التي سميت (الباردة الطيبة) التي يسكن فيها داود ويخرج إلى البراري والقفار، وليس من سبب شرعي لهذا التحول؟

ثالثًا: جاء في الحكاية أن إبراهيم لقي رجلًا بالبادية يسير، وليس معه زاد ولا طعام، وأنه صاحبَه، وكان يطعمه من الطعام الذي يأتيه هكذا من الغيب، وأن هذا الرجل علمه اسم الله الأعظم، ثم أخبر أن هذا الرجل إنما هو داود ـ عليه السلام ـ وأنه لما دعا باسم الله الأعظم حضر الخضر إليه في الحال، وسأله عن طلبه.

ولست أدري شرعًا ما الذي يدعو داود ـ عليه السلام ـ أن يعود إلى الدنيا، (إن كان ذلك في مكنته) ويتجاوز حدود رسالته ونبوته، ليعلم رجلًا من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ اسم الله الأعظم، مع العلم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعمر: (والله لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني) فكذلك لو عاد

[11]  الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (ص: 49)

رابعًا: جاء في الحكاية أن إبراهيم بن أدهم أطلق على طريقة ومنهجه الذي سلكه في تعبده أنه ” الخروج من الدنيا ” ولقد علمنا نتائج هذا الخروج، وهي خلع ملابسه، ولبس الصوف وترك دياره، ووطنه، والدخول في البادية، ولن نناقش الآن مدى قرب هذا المسلك أو بعده عن الرسالة التي بعث بها محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكننا سنناقش الآثار التي ترتبت على ذلك، وهي الزعم أن إبراهيم أخبره أسلم بن يزيد الجهني في الإسكندرية أنه إذا كان حقًا طالبًا لثواب الله فلا بد له من تحمل الصبر، وأنه إن فعل ذلك أورث الله قلبه نورًا يفرق به بين الحق والباطل، والناسخ والمتشابه (هكذا) !

[12]  الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (ص: 61)

الفصل الثالث: التنفير من الطريق الشرعي للهداية

لما كان الدخول في الطريق الصوفي لا يشترط له التوجه إلى الكتاب والسنة، بل إن التوفيق له يأتي أحيانًا عن طريق الهاتف، وأحيانًا بطرق أخرى سنعرفها فيما بعد إن شاء الله تعالى، فإن القوم منذ نشأتهم رأوا أن علمهم الذي يحصلون عليه ـ في زعمهم ـ أفضل من علم الكتاب والسنة، بل رأوا أن علم الكتاب والسنة مشغلة عن طريقهم ومسلكهم، وهذه بعض عباراتهم في ذلك:

أـ قال أبو يزيد البسطامي (مات سنة 261هـ ـ) ناعيًا على علماء الشريعة مفاخرًا لهم:

” أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فلان وأين هو؟ قالوا: مات ” (الفتوحات المكية ج1 ـ ص365) .

ب ـ وهذا الجنيد يقول: ” ما أخذنا التصوف عن القيل والقال ” (طبقات السلمي 158) .

ج ـ ويقول أيضًا: ” أحب للمبتدئ ألا يشغل قلبه بهذه الثلاث، وإلا تغيرت حاله: التكسب وطلب الحديث والتزوج، وأحب للصوفي أن لا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه ” (قوت القلوب: 3/135) .

د ـ وقال أبو سليمان الداراني: ” إذا طلب الرجل الحديث، أو سافر في

طلب المعاش، أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا ” (الفتوحات المكية 1/37) .

وهذه أقوال قليلة مما نسب إلى القوم في وجوب ترك علم الشريعة، والانصراف إلى طريقهم الخاص في التلقي والكشف.

ولا يخفى على أي منصف يتقي الله ـ تبارك وتعالى ـ ويقول كلمة الحق أن هذه الأقوال كافية في هدم الشريعة الإسلامية، بل في هدم العمران كله، لأن الحضارة الإنسانية حتى المادية منها لا تقوم إلا على هذه الثلاث: العلم، وطلب الكسب والمعاش، والزواج. وحضارة الإسلام خاصة تقوم على هذه الثلاث، وتأمر بطلب علم الآخرة وهو علم الكتاب والسنة، وكذلك علم الدنيا وهو كل علم نافع لحياة الإنسان ورقيه في هذه الأرض.

ولم يكتف أهل هذا المنهج من المتصوفة بالتنفير من علم الشريعة والحديث بل جعلوا كشفهم، وما يزعمون نقله من العلم عن الله ـ تبارك وتعالى ـ حاكمًا على إسناد الحديث فيصححون ما شاؤوا من الأحاديث، وإن كانت ضعيفة عند علماء الحديث والسنة، ويضعفون ما شاؤوا منها، وإن كانت ثابتة صحيحة حسب الموازين العلمية الدقيقة التي تعارف عليها علماء الحديث ومصطلحه، والتي هي بحق مفخرة الإسلام، فليس عند أمة من أمم الأرض قديمًا وحديثًا تثبت في النقل على النحو الذي درج عليه علماء هذه الأمة في التعرف على الحديث الصحيح من الضعيف، وبذلك ـ ولله الحمد ـ سلم دين الأمة من دخول أقوال الزنادقة والملاحدة فيه.

أقول عمد رؤساء المتصوفة إلى هدم الإسناد في الحديث، وهو مفخرة الإسلام بحق، وذلك عن طريق الحكم على الإسناد بعلمهم الخاص. يقول ابن عربي في رسائله:

” وربما قالوا (أي علماء الشريعة) إذا عاينوهم (أي عاينوا علماء الصوفية) يتكلمون بمواجيدهم مع أصحابهم: دين مكتوم، دين مشوم، وما عرفوا جهات الدين. وهؤلاء ما تكتموا بالدين فقط، وإنما تكتموا بنتائجه، وما وهبهم الحق تعالى في طاعته حين أطاعوه، وبما صح عندهم من أحاديث الأحكام ما اتفق

[13]  الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (ص: 457)

أخبرنا محمد بن عبد الباقي ثنا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: أول من تكلم في بلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري فأنكر عليه ذلك عبد الله بن عبد الحكم وكان رئيس مصر وكان يذهب مذهب مالك وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره أنه أحدث علمًا لم يتكلم فيه السلف حتى رموه بالزندقة. قال السلمي: وأخرج أبو سليمان الداراني من دمشق. وقالوا إنه يزعم أنه يرى الملائكة وأنهم يكلمونه، وشهد قوم على أحمد بن أبي الحواري: إنه يفضل الأولياء على الأنبياء فهرب من دمشق إلى مكة، وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول حتى إنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول: لي معراج كما كان للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معراج فأخرجوه من بسطام، وأقام بمكة سنتين ثم رجع إلى جرجان فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام، قال السلمي: وحكى رجل عن سهلي بن عبد الله التستري أنه يقول: إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه وإنه يتكلم عليهم فأنكر ذلك عليه

[14]  التصوف – المنشأ والمصادر (ص: 21)

ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار (شكفتية) والشكفت بلغتهم: الغار والكهف.

وأهل الشام سموهم (جوعية) لأنهم إنما ينالون من الطعام قدر ما يقيم الصلب للضرورة , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه).

وقال السري السقطي , ووصفهم فقال: أكلهم أكل المرضى , ونومهم نوم الغرقى , وكلامهم كلام الخرقى.

ومن تخيلهم عن الأملاك سموا فقراء.

التصوف – المنشأ والمصادر (ص: 74)

ونقل السهر وردي والسراج الطوسي والقشيري عن السري السقطي المتوفى سنة 251 هـ أنه قال:

(لا يكن معك شيء تعطي منه أحد) (3).

التصوف – المنشأ والمصادر (ص: 76)

وزجر السري السقطي رجلا كان يملك عشرة دراهم وقال:

أنت تقعد مع الفقراء ومعك عشرة دراهم (4).

وذكر الكلاباذي عن أحمد بن السمين أنه قال:

كنت أمشي في طريق مكة , فإذا أنا برجل يصيح: أغثني يا رجل , الله , الله. قلت مالك , مالك؟

خذ مني هذه الدراهم , فإني ما أقدر أن أذكر الله وهي معي , فأخذتها منه فصاح: لبيك اللهم لبيك , وكانت أربعة عشر درهما (5).

التصوف – المنشأ والمصادر (ص: 78)

وينقل السلمي عن سمنون المحب – وهو من أصحاب السري السقطي – أنه سئل عن الفقير الصادق فقال: (الذي يأنس بالعدم كما يأنس الجاهل بالغنى , ويستوحش من الغنى كما يستوحش الجاهل من الفقر) (3).

[15] التصوف – المنشأ والمصادر (ص: 152)

فأول وليّ عند المتصوفة هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه , ومنه إنتقل الولاية إلى غيره من الأولياء كما أنه أول إمام عند الشيعة , وتسلسلت منه فورثها غيره , وكذلك الفتوة والقطبية , وهو الذي ألبس خرقته الحسن البصري , وهذه الخرقة التي يلبسها المتصوفة خلفاءهم وورثتهم (4).

وينصّ على تشيع هذا ابن خلدون في مقدمته حيث يقول عند ذكر الصوفية:

(إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتخيّلهم رفعوه إلى عليّ رضي الله عنه وهو من هذا المعنى أيضا , وإلا فعليّ رضي الله عنه لم يختصّ من بين الصحابة بتخليه ولا طريقة في اللباس ولا الحال , بل كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أزهد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم عبادة , ولم يختصّ أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه في الخصوص , بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة , يشهد لذلك من كلام هؤلاء المتصوفة في أمر الفاطمي وما شحنوا كتبهم في ذلك مما ليس لسلف المتصوفة فيه كلام بنفي أو إثبات , وإنما هو مأخوذ من كلام الشيعة والرافضة ومذاهبهم في كتبهم والله يهدي إلى الحق) (5).

وهذا إضافة إلى أن هذه الخرقة ونسبتها إلى عليّ , ورواية لبس الحسن البصري كلها باطل , لا أصل له , لأنه (لم يثبت لقاء الحسن مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه على القول الصحيح , لأن عليا رضي الله عنه انتقل من المدينة إلى الكوفة والحسن صغيرا) (6).

التصوف – المنشأ والمصادر (ص: 153)

وعلى كل فإن الصوفية ينهون سند لبس الخرقة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه , كما ينهون إليه سلاسلهم.

ولا يقتصرون على عليّ بن أبي طالب وحده , بل يقولون مثل ما يقوله الشيعة تماما: (وثامن الفتيان بعد النبوة والرسالة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث أسلم صبيا , وجاهد في سبيل الله مراهقا , وبوأه الله قطبانية الأولياء رجلا وكهلا.

وعنه أخذ الفتوة ابناه الحسن والحسين وهي أعلى مقامات الولاية عد القطبانية التي هي منها والصديقة التي هي كمالها.

ومن دلائل فتوة الحسن رضي الله عنه أن آثر الخلافة الباطنة على الخلافة الظاهرة , وتنازل عن الظاهرة حقنا لدماء المسلمين.

ومن دلائل فتوة الحسين أن الشهيد الأعظم في سبيل الله وفي سبيل الأمانة.

ومن الخصائص التي خصّ الله تعالى بها عليا كرم الله وجهه أنه إذا كان الرسول مدينة العلم فعليّ بابها , وإن كان للفروسية أو الولاية فتيان فهو فتاهما الأول.

فعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه أول فتيان هذه الأمة وفتى أوليائها , وحسبه في ذلك أن أراد إفتداء الرسول بنفسه) (1).

ويقول أيضا:

(إن علي بن أبي طالب أخذ البيعة الخاصة بطريق الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولقن بها ابنه الحسن , ثم الحسين) (2).

وكان الصوفي المشهور أبو العباس المرسي تلميذ الشاذلي يقول:

(طريقنا هذه لا تنسب للمشارقة ولا للمغاربة , بل واحد عن واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه , وهو أول الأقطاب) (3).

وقالوا:

(وكان من أوائل أهل طريق الله بعد الصحابة علي بن الحسين زين العابدين , وابنه محمد بن علي الباقر , وابنه جعفر بن محمد الصادق , وذلك بعد علي والحسن والحسين رضي الله عنهم جميعا) (4).

ويقول الكلاباذي في الباب الثاني من تعرفة:

 (ممن نطق بعلومهم , وعبر عن مواجيدهم , ونشر مقاماتهم , ووصف أحوالهم قولا وفعلا بعد الصحابة رضوان الله عليهم: علي بن الحسين زين العابدين. وابنه محمد الباقر. وابنه جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهم) (1).

فانظر الترتيب , وهذا نفس ترتيب الشيعة لأئمتهم , حيث يعدّون الإمام الأول والثاني والثالث عليه وابنه الحسن والحسين , والرابع والخامس والسادس: زين العابدين , ومحمد الباقر , وجعفر بن محمد الباقر.

ثم الإمام السابع والثامن عندهم: موسى بن جعفر الملقب بالكاظم , وعلي بن موسى الكاظم الملقب بالرضا , من الأئمة الإثني عشر.

وهاهو الشعراني أيضا يعدهم أئمة , واثني عشر أيضا , عندما يذكر من بين الصوفية وأولياء الله موسى بن جعفر , فيقول:

(ومنهم موسى الكاظم رضي الله عنه أحد الأئمة الإثني عشر , وهو موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب … وكان يكنّى بالعبد الصالح لكثرة عبادته واجتهاده وقيامه بالليل , وكان إذا بلغه عن أحد يؤذيه يبعث إليه بالمال) (2).

وأما علي بن موسى الرضا فيقولون عنه: (أن شيخ مشائخ الصوفية معروف الكرخي أسلم على يديه) (3).

ويكتب القشيري عنه: (أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي كان من المشائخ الكبار , مجاب الدعوة , يستشفى بقبره , يقول البغداديون: قبر معروف ترياق مجرب , وهو من موالي علي بن موسى الرضا رضي الله عنه) (4).

وزاد السلمي في طبقاته , والجامي في نفحاته أنه كان من حجبه , فيقول:

(معروف بن فيروز , ويقال: معروف بن علي , ويلقب بالزاهد , وهو من أجلة المشائخ وقدمائهم , والمعروفين بالورع والفتوة. كان أستاذ سري السقطي , وصحب داؤد الطائي.

وكان معروف أسلم على يد علي بن موسى الرضا , وكان بعد إسلامه يحجبه ,

_________

(1) التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي ص 36.

(2) طبقات الشعراني ج 1 ص 37.

(3) تذكرة العطار ص 150 ط باكستان.

(4) الرسالة القشيرية ج1 ص 65 بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف ط القاهرة , أيضا طبقات الشعراني ج1 ص 71.

التصوف – المنشأ والمصادر (ص: 155)

فازدحم الشيعة يوما على باب علي بن موسى , فكسروا أضلع معروف , فمات , ودفن ببغداد , وقبره ظاهر , ويتبرك الناس بزيارته) (1).

والجدير بالذكر أن معروف الكرخي أستاذ السري السقطي , وخال وأستاذ لسيد الطائفة جنيد البغدادي , ولذلك (يروي الجنيد عن السري السقطي , وهو عن معروف الكرخي , وهو عن علي بن موسى الرضا , عن أبيه موسى الكاظم , عن أبيه محمد الباقر , عن أبيه زين العابدين , عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب , عن علي بن أبي طالب) (2).

وكتب عنه شيخ الأزهر السابق والصوفي المعاصر الدكتور عبد الحليم محمود عن الرضا:

(له كرامات كثيرة: منها أنه قال لرجل صحيح سليم: استعد لما لا بدّ منه , فمات بعد ثلاثة أيام , وروى الحاكم أن أبا حبيب قال:

رأيت المصطفى عليه الصلاة والسلام في النوم , في المنزل الذي ينزله الحاج ببلدنا , فوجدت عنده طبقا من خوص فيه تمر , فناولني ثماني عشرة تمرة , وبعد عشرين يوما قدم علي الرضا من المدينة ونزل ذلك المنزل , وفزع الناس للسلام عليه , ومضيت نحوه فإذا هو جالس بالموضع الذي رأيت المصطفى جالسا فيه , وبين يديه طبق فيه تمر صيحاني , فناولني قبضة فإذا عدتها بعدد ما ناولني المصطفى , فقلت: زدني. فقال: لو زادك رسول الله لزدناك) (3).

ومن الطرائف أن ذكر الثمانية هؤلاء من أئمة الشيعة الإثني عشر بالتسلسل الشيعي في كتب المتصوفة الكثيرين مثل ما يذكرون عن الرفاعي أحمد الكبير أنه (أخذ العهد والطريق من يد خاله شيخ الشيوخ صاحب الفتح الصمداني سيدنا منصور البطائحي الرباني وهو لبسها من خاله سيدنا الشيخ أبي المنصور الطيب وهو لبسها من ابن عمه الشيخ أبي سعيد يحيى البخاري الأنصاري وهو لبسها من الشيخ أبي الترمذي وهو لبسها من الشيخ أبي القاسم السندوسي الكبير وهو لبسها من الشيخ أبي محمد دويم البغدادي وهو لبسها من خاله الشيخ سري السقطي وهو لبسها من الشيخ معروف الكرخي وهو لبسها من إمام الزمان وحجة أهل العرفان الإمام ابن الإمام علي الرضي وهو لبسها من أبيه نور حدقة العناية والإمامة ونور حديقة الولاية

_________

[16]  «الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة» (ص265):

«وقال: نسبة الأقطاب معي كنسبة العامة مع الأقطاب وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني قال قدمي هذا (كذا) على ‌رقبة ‌كل ‌ولي ‌لله تعالى يعني أهل عصره وأما أنا فقدماي هاتان جميعها (وكان متكئًا فجلس وقال) على ‌رقبة ‌كل ‌ولي ‌لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور ” ا. هـ. .

فانظر هذا الكذب والإفتراء. فإذا كان الجيلاني قد نسب إليه قوله مفصلًا لنفسه: قدماي هاتان على ‌رقبة ‌كل ‌ولي ‌لله تعالى! ! فإن التجاني لم يهدأ باله حتى فسر كلام الجيلاني بأن هذا في وقته فقط وأما هو فقدماه على ‌رقبة ‌كل ‌ولي ‌لله تعالى من خلق آدم إلى النفخ في الصور! ! فانظر إلى هؤلاء الذين يدوسون بأقدامهم على أولياء الله تعالى ويفضلون أنفسهم على هذا النحو. وهذه الكلمات منهم إن دلت على شيء فإنما تدل على مقدار الوقاحة والكذب الذي تحلى به هؤلاء، وعلى مقدار الجهل والفساد والتردي الذي وصلت إليه الأمة بأن تجعل أمثال هؤلاء المفترين الوقحين هم سادتها وقادتها ووسيلتها إلى الله»

[17]  الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (ص: 266)

وقد قسم الجيلاني هذا مراتب الأولياء والأنبياء إلى سبع مراتب سماها حضرات قال فيها: الحضرة الأولى: الحقيقة المحمدية. قال: وهذه الحضرة غيب من غيوب الله تعالى لم يطلع عليها أحد ولا عرف شيئًا من علومها وأسرارها وتجلياتها وأخلاقها ولو كان من الرسل والأنبياء لأنها خاصة بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

[18]  انظر : الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (ص: 69) “الفصل الخامس: القول بوحدة الوجود”

عبد الرحمن بن عبد الخالق ، وخلاصة ما ذكره القول بوحدة الوجود هو تطور لفكرة الحلول عند بعض المتصوفة، ويعني أن الكون كله هو الله بزعمهم، وقد تبناه الحلاج والشبلي والجنيد وغيرهم بطرق مختلفة، ثم جاء ابن عربي فبلوره وصاغه في صورة مكتملة ومنهجية، مما جعله ينتشر بين أتباع التصوف في القرون التالية.

[19]  انظر كتاب (عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية) د. أحمد القصير ص12

[20]  «طبقات الصوفية للسلمي ويليه ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات» (ص261):

«وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي يقول ليس من احتجب بالخلق عن الحق ‌كمن ‌احتجب ‌بالحق عن الخلق»

[21]  انظر كتاب (عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية) د. أحمد القصير ص121، وانظر القصة في «الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي» (ص238): «بهم إلى الخليفة فأما الجنيد فتستر بالفقه فإنه كان يفتي على مذهب أبي ثور صاحب الشافعي رضي الله تعالى عنهما فجئ بهم وبسط لهم النطع لتضرب أعناقهم فبادر النوري فقال له السياف ولم تبادر للقتل فقال لأوثر أصحابي بحياة ساعة لإنا قوم بنينا مذهبنا على الإيثار فأنهى الأمر إلى الخليفة فعجب من ذلك وأرسل له قاضيه فسأله عن مسائل مشكلة فالتفت عن يمينه وعن يساره ثم أطرق ثم تكلم عليها بما يشفي الصدور فرجع القاضي وهو يقول إن كان هؤلاء زنادقة فليس على وجه الأرض صديق فأطلقوهم»

[22]  الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة (ص: 87)

الفصل السادس: طريقة المتصوفة في الإعراب عن عقيدتهم الباطنية

مع بداية القرن الثالث الهجري ابتدأ المتصوفة بالتصريح بشيء من علومهم الباطنة فأنكر بعضهم على بعض، فهذا الجنيد يقول للشبلي: ” نحن حبرنا هذا العلم تحبيرًا، ثم خبأناه في السراديب، فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ ” فرد عليه الشبلي بقوله: ” أنا أقول وأنا أسمع فهل في الدارين غيري ” (التعرف على مذهب التصوف ص145) .

وقول الشبلي هذا هو بدايات القول بوحدة الوجود.

ثم ابتدأت جماعة من المتصوفة تصرح بشيء من هذا العلم الباطن الذي لم يكن في حقيقته إلا القول بالحلول، الفناء في ذات الله الذي تقول به العقيدة الهندية البرهمية، والقول بوحدة الوجود، وكان هذا في نهاية القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع. وهذه طائفة من هذه الأقوال التي ظهرت على أفواه القوم، وكانت تخفي تحتها العقيدة الباطنة التي زعموا أنها في منتهى الكمال والرقي في سلم التعبد الإسلامي.

أـ ذكر أبو نصر السراج الطوسي صاحب كتاب اللمع في التصوف، وهو الكتاب الذي نشره الدكتور عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور أن أبا حمزة الصوفي دخل دار الحارث المحاسبي فثغت (ثغاء الشاه: صوتها) شاة الحارث، فشهق أبو حمزة شهقة وقال: ” لبيك يا سيدي “! ! فأنكر عليه الحارث المحاسبي، فقال له أبو حمزة: إن إنكارك علي يشبه أحوال المريدين المبتدئين ” (اللمع في التصوف ص495) أي الذين لم يصلوا بعد إلى التحقق من وحدة الوجود.

ب ـ وهذا أبو الحسين النوري يسمع كلبًا يعوي فيقول: ” لبيك

[23]  «مجموع الفتاوى» (35/ 101):«ولو كفر هؤلاء لزم تكفير كثير من الشافعية، والمالكية، والحنفية، والحنبلية، والأشعرية، وأهل الحديث، والتفسير، والصوفية: الذين ‌ليسوا ‌كفارا باتفاق المسلمين»

[24]  «مدارج السالكين» (3/ 270 ط عطاءات العلم):

«ومن منازل {إياك نعبد وإياك نستعين}:‌‌ منزلة العلم.

وهذه المنزلة إن لم تصحب السالك من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه فسلوكه على غير طريق، وهو مقطوع عليه طريق الوصول، مسدود عليه سبل الهدى والفلاح، مغلقة عنه أبوابها. وهذا إجماع من الشيوخ العارفين، ولم ينه عن العلم إلا قطاع الطريق منهم، ونواب إبليس وشرطه.

[25]  مدارج السالكين- ابن القيم (2/ 346):  وقال سهل بن عبد الله – رضي الله عنه -: كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء ــ طاعة كان أو معصية ــ فهو عيش النفس، وكل فعل يفعله العبد بالاقتداء فهو عذاب على النفس.

وقال السري: التصوف اسم لثلاثة معان: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله.

وقال أبو يزيد – رحمه الله -: عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت شيئا أشد علي من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيت، واختلاف

‌‌العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد.

وخرج مرة لزيارة بعض الزهاد، فرآه قد دخل المسجد ورمى ببصاقه نحو القبلة، فرجع ولم يسلم عليه، وقال: هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه؟.

وقال: لقد هممت أن أسأل الله أن يكفيني مؤنة النساء، ثم قلت: كيف يجوز أن أسأل الله هذا ولم يسأله رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟ ولم أسأله. ثم إن الله كفاني مؤنة النساء، حتى لا أبالي أستقبلتني امرأة أو حائط.

([26][1]) مجموع الفتاوى (“11/74 و 75).

([27][2]) مجموع الفتاوى (2/223).

([28][4]) اليواقيت والجواهر (1/83).

([29][5]) المقصد الأسنى ص (168).

[30]  حيث قال: وأما القسم الرابع وهو الاتحاد: فذلك أيضا أظهر بطلانا لأن قول القائل: إن العبد صار هو الرب كلام متناقض في نفسه بل ينبغي أن ينزه الرب سبحانه وتعالى عن أن يجري اللسان في حقه بأمثال هذه المحالات ونقول قولا مطلقا: إن قول القائل: إن شيئا صار شيئا آخر محال على الإطلاق لأننا نقول إذا عقل زيد وحده وعمرو وحده ثم قيل إن زيدا صار عمرا واتحد به فلا يخلو عند الاتحاد إما أن يكون كلاهما موجودين أو كلاهما معدومين أو زيد موجودا وعمرو معدوما أو بالعكس ولا يمكن قسم وراء هذه الأربعة فإن كانا موجودين فلم يصر عين أحدهما عين الآخر بل عين كل واحد منهما موجود وإنما الغاية أن يتحد مكانهما وذلك لا يوجب الاتحاد فإن العلم والإرادة والقدرة قد تجتمع في ذات واحدة ولا تتباين محالها ولا تكون القدرة هي العلم ولا الإرادة ولا يكون قد اتحد البعض بالعبض وإن كانا معدومين فما اتحدا بل عدما ولعل الحادث شيء ثالث.

وإن كان أحدهما معدوما والآخر موجودا فلا اتحاد إذ لا يتحد معدوم بموجود فالاتحاد بين شيئن مطلقا محال وهذا جار في الذات المتماثلة فضلا عن المختلفة فإنه يستحيل أن يصير هذا السواد كما يستحيل أن يصير هذا السواد ذلك البياض أو ذلك العلم والتباين بين العبد والرب أعظم من التباين بين السواد والعلم فأصل الاتحاد إذا باطل.

وأما القسم الخامس وهو الحلول: فذلك أن يتصور أن يقال: إن الرب تبارك وتعالى حل في العبد أو العبد حل في الرب تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين وهذا لو صح لما وجب الاتحاد ولا أن يتصف العبد بصفات الرب فإن صفات الحال لا تصير صفة المحل بل تبقى صفة للحال كما كان.

ووجه استحالة الحلول لا يفهم إلا بعد فهم معنى الحلول فإن المعاني المفردة إذا لم تدرك بطريق التصور لم يمكن أن يفهم نفيها أو إثباتها فمن لا يدري معنى الحلول فمن أي يدري أن الحلول موجود أو محال.

فنقول : المفهوم من الحلول أمران:

أحدهما: النسبة التي بين الجسم ومكانه الذي يكون فيه وذلك لا يكون إلا بين جسمين فالبريء عن معنى الجسيمة يستحيل في حقه ذلك.

والثاني: النسبة التي بين العرض والجوهر فإن العرض يكون قوامه بالجوهر فقد يعبر عنه بأنه حال فيه وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه.

فدع عنك ذكر الرب تعالى وتقدس في هذا العرض فإن كل ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بنفسه إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام فلا يتصور الحلول بين عبدين فكيف يتصور بين العبد والرب

([31][6]) الفتوحات المكية  كما في اليواقيت والجواهر (1/80 و 81).

[32]  الفتوحات المكية (4/ 100، بترقيم الشاملة آليا)

[33]  الفتوحات المكية (3/ 423، بترقيم الشاملة آليا)

وهكذا استدل الخليل عليه السلام في الأقول فأعطاه النظر ان الأفوال يناقض حفظ العالم فالإله لا يتصف بالأفوال أو الأفوال ادث لطروا على الإفل بعد ان لم يكن أفلا والإله لا يكون محلا للحوادث لبراهين أخر قريبة المأخذ

[34]  وتمام كلامه في الفتوحات: الفتوحات من أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد الذي يتوهمه بعضهم أن تعلم عقلا أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيء وأن الشمس ما انتقلت إليه بذاته وإنما كان القمر محلا لها فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه.

[35]  ونصه في الفتوحات: لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته وذلك عن ملكيته ويتحد بخالقه تعالى لصح انقلاب الحقائق وخرج الإله عن كونه إلها وصار الحق خلقا والخلق حقا وما وثق أحد بعلم وصار المحال واجبا فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبدا.

([36][7]) الفتوحات المكية كما في اليواقيت والجواهر (1/80 و 81).

[37]  ديوان محيي الدين بن عربي (ص: 84)، موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان (6/ 70)

([38][8]) الحاوي للفتاوي (2/134): وقال صاحب كتاب نهج الرشاد في الرد عل أهل الوحدو والحلول والاتحاد: حدثني الشيخ كمال الدين المراغي قال: اجتمعت بالشيخ أبي العباس المرسي تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي وفاوضته في هؤلاء الاتحادية فوجدته شديد الإنكار عليهم والنهي عن طريقهم وقال: أتكون الصنعة هي عين الصانع

([39][9]) «مجموع الفتاوى» (2/ 377):  «وأما قول الشاعر في شعره: ‌أنا ‌من ‌أهوى ومن أهوى أنا؟ وقوله: إذا كنت ليلى وليلى أنا. فهذا إنما أراد به هذا الشاعر الاتحاد الوضعي كاتحاد أحد المتحابين بالآخر الذي يحب أحدهما ما يحب الآخر ويبغض ما يبغض ويقول مثل ما يقول ويفعل مثل ما يفعل وهو تشابه وتماثل لا اتحاد العين بالعين إذ كان قد استغرق في محبوبه حتى فني به عن رؤية نفسه كقول الآخر: غبت بك عني فظننت أنك أني فإما أن يكون غالطا مستغرقا بالفناء أو يكون عنى التماثل والتشابه واتحاد المطلوب والمرهوب لا الاتحاد الذاتي. فإن أراد الاتحاد الذاتي – مع عقله لما يقول – فهو كاذب مفتر مستحق لعقوبة المفترين»

([40][10]) مدارج السالكين (1/90 و 91): “(مدارج السالكين) ما نصه : (.. الدرجة الثالثة من درجات الفناء: فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين وهو الفناء عن إرادة السوى شائما برق الفناء عن إرادة ما سواه سالكا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه فانيا بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه فضلا عن إرادة غيره قد اتحد مراده بمراد محبوبه أعني المراد الديني الأمري لا المراد الكوني القدري فصار المرادان واحدا… وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا والاتحاد في العلم والخير فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدا مع تباين الإرادتين والعلمين والخبرين فغاية المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم قد فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به واطلب منه عن حب ما سواه ومن تحقق بهذا الفناء لا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا فيه ولا يوالي إلا إياه ولا يستعين إلا به فيكون دينه كله ظاهرا وباطنا لله ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه بل:

يعادي الذي عادى من الناس كلهمجميعا ولو كان الحبيب المصافيا

وحقيقة ذلك فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضي ربه تعالى وحقوقه والجامع لهذه كله تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علما ومعرفة وعملا وحالا وقصدا وحقيقة هذا النفي  والإثبات التي تضمنته هذه الشهاد\ة هو الفناء والبقاء فيفنى عن تألهه ما سواه علما وإقرارا وتعبدا ويبقى بتألهه وحده فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحيد لذي اتفقت عليه الرسل صلوات الله عليهم وأنزلت به الكتب وخلقت لأجله الخليقة وشرعت له الشرائع وقامت عليه سوق الجنة وأسس عليه الخلق والأمر وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أصحاب الإرادة والمعصوم من عصمه الله وبالله المستعان والتوفيق والعصمة.

وقال أيضا: وإن كام مشمرا للفناء العالي وهو الفناءعن إرادة السوى لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب تعالى هو عين مراد العبد وهذه حقيقة المحبة الخالصة وفيها يكون الاتحاد الصحيح وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة

([41][11]) الحاوي للفتاوى (2/134) وأضاف: فذكر أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إذا أطلقوه هو تسليم الأمر كله لله وترك الإرادة معه والاختيار والجري على مواقع أقداره من غير اعتراض وترك نسبة شيء ما إلى غيره

[42]  قال العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه (الحاوي للفتاوى ) واعلم أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد فإن الاتحاد عندهم هو المبالغة في التوحيد والتوحيد معرفة الواحد والأحد فاشتبه ذلك على من لا يفهم إشارتهم فحملوه على غير محمله فغلطوا وهلكوا بذلك.. ).

[43]  انظر قوله (أو ما فى الجبة الا الله ونحو ذلك وهو سكران بوجد المحبة الذى هو لذة وسرور بلا تمييز)

([44][12]) انظر كتاب أستاذنا د. البوطي: السلفية ص (201 – 202)

[45]  انظر: حقائق عن التصوف (ص: 331) للشيخ عبد القادر عيسى، وقد أطال في ذلك وخلاصة ما قاله أن الصوفية يرون أن كتبهم موجّهة لأهل الطريق فقط، لأن غيرهم قد يسيء فهمها ويظن فيها ما ليس مقصوداً، كما أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكر للعامة، بل يُخاطب الناس بما يناسب عقولهم ومستواهم، واستشهدا بقول بعض العارفين: (نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقنا) [“اليواقيت والجواهر” للشعراني ج1. ص22]. ولهذا أفرد البخاري في صحيحه باباً في ذلك فقال: “باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ الله ورسولهُ؟ ” قال العلامة العيني في شرحه لهذا الحديث: (ترك بعض الناس من التخصيص بالعلم لقصور فهمهم، والمراد كلموهم على قدر عقولهم.[“عمدة القاري شرح صحيح البخاري” ج2. ص204 – 205].

[46]  حقائق عن التصوف (ص: 337) وقال الشعراني رحمه الله تعالى: (وبالجملة فلا تَحِلُّ قراءة كتب التوحيد الخاص، وكتب العارفين إِلا لعالم كامل، أو من سلك طريق القوم. وأما من لم يكن واحداً من هذين الرجلين، فلا ينبغي له مطالعة شيء من ذلك، خوفاً عليه من إِدخال الشُبَهِ التي لا يكاد الفَطِنُ أن يخرج منها، فضلاً عن غير الفطن، ولكن من شأن النفس كثرة الفضول، ومحبة الخوض فيما لا يعنيها) [التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص104 – 105].

[47]  حقائق عن التصوف (ص: 336)

وسئل العلامة ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى: ما حكم مطالعة كتب ابن عربي وابن الفارض؟ فأجاب بقوله: (حكمها أنها جائزة مطالعة كتبهما، بل مستحبة، فكم اشتملت تلك الكتب على فائدة لا توجد في غيرها، وعائدة لا تنقطع هواطل خيرها، وعجيبة من عجائب الأسرار الإِلهية التي لا ينتهي مددُ خيرها، وكم تَرجمت عن مقامٍ عجز عن الترجمة عنه من سواها، ورمزت برموز لا يفهمها إِلا العارفون، ولا يحوم حول حومة حماها إِلا الربانيون، الذين هم بين مواطن الشريعة الغراء وأحكام ظواهرها على أكمل ما ينبغي جامعون، ولذلك كانوا بفضل مؤلفيها معترفين .. إِلى أن قال: هذا وإِنه قد طالع هذه الكتب أقوام عوام جهلة طغام، فأدمنوا مطالعتها، مع دقة معانيها ورقة إِشاراتها وغموض مبانيها، وبنائها على اصطلاح القوم السالمين عن المحذور واللوم، وتوقف فهمها بكمالها على إِتقان العلوم الظاهرة، والتحلي بحقائق الأحوال والأخلاق الباهرة، فلذلك ضعُفتْ أفهامهم، وزلَّتْ أقدامهم، وفهموا منها خلاف المراد، واعتقدوه صواباً فباؤوا بخسار يوم التناد، وألحدوا في الاعتقاد، وهوت بهم أفهامهم القاصرة إِلى هفوة الحلول والاتحاد، حتى لقد سمعتُ شيئاً من هذه المفاسد القبيحة، والمكفرات الصريحة، من بعض من أدمن مطالعة تلك الكتب، مع جهله بأساليبها وعظم ما لها من الخطب. وهذا هو الذي أوجب لكثير من الأئمة الحط عليها، والمبادرة بالإِنكار إِليها، ولهم في ذلك نوع عذر، لأن قصدهم فطم أولئك الجهلة عن تلك السموم القاتلة لهم، لا الإِنكار على مؤلفيها من حيث ذاتهم وحالهم) [الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي المكي ص 216].

[48]  حقائق عن التصوف (ص: 333)

وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في قواعده: (في كل علم ما يخص وما يعم، فليس التصوف بأولى من غيره في عمومه وخصوصه، بل يلزم بذل أحكام الله المتعلقة بالمعاملات من كلٍ عموماً، وما وراء ذلك على حسب قابِله لا قدر قائِله، لحديث: “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله؟ ” [رواه البخاري تعليقاً في كتاب العلم باب من خص قوماً دون آخرين عن علي رضي الله عنه]. وقيل للجنيد رحمه الله تعالى: يسألك الرجلان عن المسألة الواحدة فتجيب هذا بخلاف ما تجيب هذا؟ فقال: الجواب على قدر السائل. قال عليه السلام: “أُمِرْنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم” [رواه الديلمي بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما]) [قواعد التصوف للشيخ زروق ص7].

[49]  مجموع الفتاوى لابن تيمية (2/ 396): وقد يقع بعض من غلب عليه الحال فى نوع من الحلول أو الاتحاد فان الاتحاد فيه حق وباطل لكن لما ورد عليه ما غيب عقله أو أفناه عما سوى محبوبه ولم يكن ذلك بذنب منه كان معذورا غير معاقب عليه ما دام غير عاقل فان القلم رفع عن المجنون حتى يفيق وان كان مخطئا فى ذلك كان داخلا فى قوله ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا وقال ولا جناح عليكم فيما أخطأتم به

  1. وهذا كما يحكى أن رجلين كان أحدهما يحب الآخر فوقع المحبوب فى اليم فألقى الآخر نفسه خلفه فقال أنا وقعت فما الذى أوقعك فقال غبت بك عنى فظننت أنك أنى
  2. فهذه الحال تعترى كثيرا من أهل المحبة والارادة فى جانب الحق وفى غير جانبه وان كان فيها نقص وخطأ فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه وعن نفسه وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن عرفانه وبمشهوده عن شهوه وبموجوده عن وجوده فلا يشعر حينئذ بالتمييز ولا بوجوده فقد يقول فى هذه الحال أنا الحق أو سبحانى أو ما فى الجبة الا الله ونحو ذلك وهو سكران بوجد المحبة الذى هو لذة وسرور بلا تمييز

[50]  قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 13/ 88: وجاء عنه أشياء مشكلة لا مساغ لها، الشأن في ثبوتها عنه، أو أنه قالها ‌في ‌حال ‌الدهشة والسكر، والغيبة والمحو، فيطوى، ولا يحتج بها، إذ ظاهرها إلحاد، مثل: سبحاني، و: ما في الجبة إلا الله. . . اهـ.

وقال أيضا في تاريخ الإسلام 6/ 346: وقد نقلوا عنه أشياء من متشابه القول، الشأن في صحتها عنه، ولا تصح عن مسلم، فضلا عن مثل أبي يزيد، منها: سبحاني. . . . وهذا الشطح إن صح عنه فقد يكون قاله في حالة سكره.

قال السلمي في “تاريخ الصوفية”: توفي أبو يزيد عن ثلاث وسبعين سنة، وله كلام حسن في المعاملات، ثم قال: ويحكى عنه في الشطح أشياء، منها ما لا يصح، أو يكون مقولًا عليه، وكان يرجع إلى أحوال سنية، انتهى

«شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري» (9/ 180):

«فأخذ بخطامها ثم قال: من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح، وفيه كما قال القاضي عياض: إن مثل هذا إذا صدر ‌في ‌حال ‌الدهشة والذهول لا يؤاخذ به الإِنسان وكذا حكايته عنه على وجه العلم أو الفائدة الشرعية لا على سبيل الهزء والعبث والله تعالى بمنه وكرمه يعافينا من كل مكروه»

[51]  صحيح البخاري» (5/ 2385 ت البغا): «عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته

[52]  موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان م (3/ 151)

يقول الشيخ عبد الغني النابلسي:

«[وحدة الوجود] معناها: تعين المعلومات في العلم قبل بروزها للوجود العيني. ومن هنا كان لكل مخلوق أزل يغاير أزل خلقه بصورته المادية المشهودة، كالنبات له أزل وهو حال وجود المعدن، وللمعدن أزل وهو حال وجود الجوهر، وللجوهر أزل وهو حال وجود الطبائع، وللطبائع أزل وهو حال وجود العناصر، وللإنسان أزل هو حال وجود الروح، وهكذا إلى قوله كن فيكون»

([53][1]) أخرجه البخاري (2/3019).

([54][2]) أخرجه البخاري (2/3628).

([55][3]) شرح الصاوي ص (77).

([56][4]) سورة الحج الآية (62).

([57][5]) مدارج السلوك إلى ملك الملوك للعارف الكبير محمد بناني المتوفى سنة (1284هـ)، وأضاف: ويسترسل على الهوى فإن ذلك هو الزندقة المحضة إذ العارف المحقق إذا صحح قدمه في الشريعة ورسخ في الحقيقة وتفوه بقوله: ما ثم إلا الله لم يكن صده من هذه العبارة إسقاط الشرائع وإهمال التكاليف حاشا لله ان يكون هذا قصده

([58][6]) سورة القصص الآية (88).

([59][7]) حقائق عن التصوف ص (553 – 556): وهؤلاء قسمان : قسم اخذ هذا الفهم بالاعتقاد والبرهان ثم الذوق والعيان وغلب عليه الشهود فاستغرق في لجج بحار التوحيد ففني عن نفسه فلا عن شهود غيره مع استقامته على شرع الله تعالى وهذا قوله حق.

وقسم ظن أن ذلك علم لفظي فتوغل في تلاوة عبارته وتمسك بظواهر إشاراته وغاب في شهودها عن شهود الحق فربما هانت الشريعة في عينيه لما يلتذ به من حلاوة تلك الألفاظ فيقع على أم رأسه ويتكلم بما ظاهره أن الشريعة في جهة يختص بها أهل الغفلة والحقيقة في جهة أخرى يختص بها أهل العرفان ولعمري إن هذا لهو عين الزور والبهتان وما ثمَّ إلا شريعة ومقام إحسان

السابق
المسائل الـ52 في تفسير القرطبي لآية البقرة: 282 آية الدين /مختصر تلك المسائل عبر غروك/
التالي
آخر مئة منشور من التلغرام من قناة تاريخ الفرق والمذاهب / عبد الرحمن السلطي الحنبلي

اترك تعليقاً