بسم الله الرحمن الرحبم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وبعد ، إن الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى وأتباعه اليوم ومتقلدي فكره وطريقته بالنظر والكلام لم يتصوروا موجودا غير محدود بجهة وغير قائم بمحل يقوم به (مخصص) .
من تقريرات السادة الأشاعرة في بيانهم عن الحق جلا شأنه قولهم :
1 الله تعالى ليس بداخل العالم ولا خارجه .
2 الله ليس متصلا ولا منفصلا .
3 ليس لله مكانا مطلقا .
فتصدى للرد عليهم الشيخ ابن تيمية فخلاصة قوله :
أن ما ادعيتموه من صفات لا يمكن لموجود أن يتصف بها بل هي من لوازم العدم فكل موجود لا بد إلا وأن يكون قائم بمكان يشغل به ، فادعاء كون وجود موجود لا يتصف بهذه الصفات هي مستحيلة .
قلت عيسى حبال :
ردي عليه سيكون مركبا من عدة فصول .
الفصل الأول في بيان خلطه رحمه الله بين الموجود المحدث وبين الموجود القديم وقياس المحدث على القديم من قبيل التخيل لا التعقل .
الفصل الثاني في كونه لم يفهم إطلاق الأشاعرة في جملتهم ليس بداخل العالم ولا خارجه .
الفصل الأول : الوجود حكم على موجود ، وكل موجود متعقل الوجود من حيث التصور ، والحكم فرع عن التصور ، فالوجود ينقسم بالنظر إلى قسمين مختلفين ،
وجود قديم
ووجود محدث
فالوجود القديم الذي هو وجود الله تعالى هي صفة له نفسية قديمة قائمة به تعالى متعلقة به تعالى ، كل موجود يلزم من وجوده لوازم ، ولوازم وجود الإله تنزهه عن الجوهرية والعرضية فكل جوهر لا بد له إلا وأن يكون له محل يقوم به ، مخصص ، فالمحل هو الشرط والوجود هو المشروط ، فإذا انتفى المحل عن الجوهر انتفى وجوده لزوما ، ووقوف الجوهر على المحل ضرورة ، ووقوف الإله على المحل سيفضي إلى التسلسل المحال أولا ، وسيفضي إلى الحاجة والفقر ، والإله منزها ضرورة عن الفقر والحاجة وأن يكون وجوده متعلق بمحل يقوم به .
مسألة : والجسم هو جواهر متركبة على هيئة مخصوصة مهيئة الجسم ، فالجسم هو المركب من جواهر مختلفة ، وكل جسم لا يخلو من جوهر ومن عرض يقوم به والقاعدة تقول كل مالا يخلو من الحوادث فهو حادث ، فيلزم من وجود هذا التركب عدة لوازم .
والجوهر لا يخلو من الحركة والسكون .
1 المحل ( المخصص ) المكان .
2 طروء التغير بتغير الأعراض فيه والحركة والسكون ،
فلما كان الله تعالى منزها عن الجوهرية تنزه لزوما عن الجسمية لكون الجسم مركبا من جواهر مختلفة والمركب يلزم منه كون كل جزء منه إله وهذا باطل لتعدد الآلهة ، وكون كل جزء منه إما أن يكون مستغنيا عن الثاني أو لا ، فإن كان مستغنيا بطل غيره وإن كان غير مستغن فقد دخل بالحاجة والضعف والعجز ومن يحمل هذه الصفات لا يكون إلها . . .
فيلزم ضرورة من هذا تنزه الله عن كون وجوده متعلقا بمكان وزمان .
وهذا الكلام متعقل ولا يمكن تخيله لكون دائرة التخيل محصورة بالحسيات وما نعبر عنه خارج عن الحس فلا يمكن تخيله ولكن يمكن تعقله .
فأداة التخيل هي نتاج الحس وما كان خارجا عن طور الحسيات فلا يدرك بها تخيلا ، قد يعترض من ليس له علم فيقول إذاً أنتم تقولون أن الله موجود وجودا ذهنيا بما أنه خارج طور الحسيات ، فنقول ، نقصد بقولنا أن ما كان إدراكه متوقفا على روية العين وسماع الأذن ولمس اليد وذوق المتذوق فهو الذي يصح له التخيل ، وأما وجود الله فإدراك وجوده خارج نطاق الحسيات وهو من العقليات وما كان متوقف في إدراك وجوده على العقل فالتخيل لا يحيط به ، لاختلاف آلات النظر في التوصل للإدراك ، فعجزك عن إدراك تخيله هو إدراك لكونه منفصلا في تعقل وجوده عن دائرة الحس ، وما كان وجوده خارج نطاق الحسيات فلا يمكن الإحاطة بإدراكه في الحسيات لذلك بطل كونه مُتَخيّلاً بالذهن ، بل متعقل الوجود وهذا لا تناقض فيه ، فمن خلط بين آلة إدراك وجود الله بين التعقل وبين التخيل أدى به لفساد التجسيم لكون الحس لا يدرك إلا جسما أو ما ماثله وقال تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
وقياس وجود القديم على وجود المحدث من وجه التخيل خطأ أدى لهذا الحكم الفاسد ، فبناء التصور على المُتَخيل حسا لا يمكن التوصل للحكم الصحيح لفساد آلة النظر فآلة النظر معتبرة ففساد المقدمة سيؤدي لفساد النتيجة ، والحق هو إرجاع هذه المسألة لأصلها وهي بناء التصور على التعقل المجرد عن الحس والتخيل فهنا تسلم آلة النظر .
ومن فساد قياس وجود المحدث على وجود القديم بطلان التماثل والتناظر في المقاس والمقيس عليه ، فإن غاب الأصل انتفى الفرع معه لزوما ، ولذلك القياس فاسد بهذا الإعتبار والوجه
.
ومن الأصول التي اعتمد عليها ابن تيمية ، هو الخلط بالاشتراك اللفظي في مفهوم الوجودين ، وجود المحدث ووجود القديم من حيث أن التحيز لازما للوجود كتلازم الذات لصفاتها فكل موجود لا بد له من حيز ، وهذا ظاهر الفساد ، لأن التحيز ليس من عوارض الوجود بما هو وجود، بل هو من عوارض الماهية المادية. فالله تعالى موجود بذاته لا بحيزه، والوجود أوسع رحابًا من الأمكنة والتحيزات .
والقول بأن الله خارج العالم بالمعنى الحسي، يقتضي وجود خلاء أو فضاء افتراضي يجمع بين الخالق والمخلوق ليتحقق وصف البينونة المكانية.. وهذا يستلزم أن يكون الله والعالم تحت سقف جنس واحد وهو المكانية المطلقة. وبما أن الله منزه عن المشابهة، فالبينونة هي مغايرة الذات للذوات لا مفارقة الحيز للأحياز. فنفي الدخول والخروج هو في الحقيقة نفي للنسبة المكانية من أصلها، إذ لا نسبة بين القديم والمحدث من حيث المسافة.
وفي مادة إبراز موجود يشار إليه وهو لا يشغر حيزا من المكان وليس بعدم ، الروح . في الجسد هل هي داخل العضو أم خارجه؟ هل هي متصلة به اتصال مادي أم منفصلة عنه؟ وكذا إذا عجز العقل عن حصر الروح وهي مخلوق في جهة أو حيز داخل البدن أو خارجه، فكيف يطمع في حصر خالق الأرواح والجهات؟
قد تبين من كلامنا معنى الوجود المحدث ، فالوجود المحدث ما كان منوطا بمحل يقوم به لكونه لا يخلو إما أن يكون عرض أو جوهر فلذلك يعتبر من لوازم وجوده المكان والزمان ، فالخلط بين وجود القديم ووجود المحدث أدى بابن تيمية وأتباعه إلى الحكم الفاسد بإثبات الجهة والمكان لله على اختلاف تعبيراتهم .
الفصل الثاني : وأما مقولة السادة الأشاعرة ليس داخلا في العالم ولا خارجا عنه ، فهذا النص عام يدخله التخصيص ، وتخصيص هذه الجملة هو أن الله بائنا من خلقه ولكن هذه البينونة ليست بينونة مكانية وبينونة جسمية ، فنفي الخروج عنه (العالم ) ليس نفيا للبينونة بالكلية ، بل نفيا للخروج من جنس وجود العالم ، فجنس وجود العالم متوقف على المحل والمخصص فكونه داخلا به أي حالا به وهذا باطل وكون الله منفصل عن العالم ولكن انفصاله مشابه لوجود العالم من حيث أن له مكانا ينفرد به بعيدا عن العالم أيضا باطل فالنفي هو نفي المحل والمخصص عن الله ، وأما بينونة الله من حيث استغنائه عن المحل والمخصص فهذا حق وهو المراد من الجملة .
