تنزيه الله عن المكان والجهة والحيز

الرد على بدعة ابن تيمية في الفرق بين العلو العام على الخلق والعلو الخاص على العرش (الشيخ نزار حمادي حفظه الله)

أرسل لي بعض الأصدقاء هذا الكلام وطلب مني تعليقا واضحا عليه يكشفُ حقيقته.
فأجبته إلى ذلك قائلا:
هذا عينُ كلامِ المجسمة الذين يعتقدون أن الله تعالى جسمٌ محدودٌ يُوجَدُ في جهةٍ حِسّية بالنسبة إلى ما تحته من المخلوقاتِ الأزلية.
وإليك البيان بعد تقديم مقدمة مهمة جدا:
العلوُّ عند أهل السنة له معانٍ صحيحة:
[1] ـ علوُّ الذات = بمعنى مباينة ذاته تعالى لذوات مخلوقاته = بمعنى عدم امتزاج ذاته بذواتهم. وهذا العلوُّ أزليٌّ أبديٌّ ذاتيٌّ غير عارضٍ ولا حادثٍ، وهذا الذي قصدهُ الإمام ابن أبي زيدٍ بقوله بأن الله تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، ووافقهُ عليه الإمام ابن مجاهد البصري المتكلم الأشعري، وكذلك أقره الإمام مكي القيرواني تلميذ ابن أبي زيد القيرواني وهو صاحب التنزيهات التفصيلية عن الجسمية وجميع لوازمها.
[2] ـ علوُّ القدرة والاقتدار = بمعنى تمكُّن الله تعالى بقدرته القديمة من الخلق والاختراع لما يشاء من المخلوقاتِ، وهذا ثابتٌ له أزلا قبل وجود جميع المخلوقات، وثابتٌ له فيما لا يزال وواجب البقاء بعد فناء جميع المخلوقات، لا يزيد بزيادة المخلوقات ولا ينقصُ بنقصانها، فهو علوٌّ ذاتيٌّ بمعنى أنه ليس عارضًا ولا حادثًا.
[3] ـ علوُّ القهر والاستيلاءِ بالإيجاد والإعدامِ وسائر ما يتبع الإحداثَ، وهذا عند أهل السنة ليس أزليا لأنه لم يصدر عن قدرة الله تعالى مخلوقٌ أزلًا، وإنما الخلقُ والإيحادُ للمخلوقِ حادثٌ فيما لا يزال، وحدوثهُ لا يستلزمُ حدوثَ صفة من صفات الله تعالى الوجودية القديمة كالقدرة والإرادة، وإنما الحادثُ عينُ المخلوقِ.
فهذه هي أنواع علوِّ الله على خَلْقه عند أهل السنة والجماعة، وليس فيها علوُّ الجهة الحسية الذي يثبتهُ المجسّمة وينسبونه زورًا للسلفِ، وأكبر دليل على ذلك من كلامِ أئمة أهل السنة والجماعة كالإمام أبي عمرو الداني (ت444هـ) فإنهم في عين إطلاقهم أن الله تعالى على عرشه وفوق عرشه يصرحون بكلام مُحْكَمٍ لا يجهله العلماء ولا ينكرهُ إلا السفهاء بأن الله تعالى: ليس مماسًّا للعرشِ ولا مجاورًا له، وهذا ينفي أصل التجسيم نفيا قاطعا صَريحًا.
إذا عُلِمَ هذا فهذا التعليق لا يصدر إلا من مجسّمٍ غبيٍّ يكرر كلام المجسمة كالببغاء ولا يفهمُهُ، وبيان ذلك أن تقسيم علو الله تعالى بذاته على مخلوقاته إلى عام مطلق وإلى خاصّ، وجعْل الأول ذاتيا اي قديمًا والثاني فعليا أي حادثًا، لا يوافق أبدا علوّ الذات الذي أثبتَهُ أهلُ السّنة لأن العلو الذاتيّ عند أهل السنة لا ينقسم إلى قديم ذاتيّ وحادثٍ فعلي، بل هو قديم ذاتي لا غير، فلم يزل الله تعالى بائنا بذاته عن مخلوقاته غير ممتزج ولا مختلط بهم، أزلا قبل وجودهم، وكذلك فيما لا يزال بعد وجودهم، فتقسيمُه إلى ذاتي وفِعْلي باطل.
وأما المجسمة فمقصودهم بالعلوّ بالذات المطلق العامّ أنه لم يزل تُوجَدُ أجرامٌ جرْمًا قبل جِرْم إلى ما لا نهاية لهُ في جانب الأزل قبل جِرْم العَرْشِ بحيث تكونُ ذاتُ الله فوق جميع تلك الأجرام فوقية حسية بناء على أن ذات الله عندهم جسْمٌ مَحْدُودٌ مستقر في جهة فوق ودائما وأبدا تحته أجْسام، ثم في لحظة معيَّنَة خلق اللهُ تعالى الجِرْمَ المسمى بالعَرْشِ فانتقل علوّ الله عندهم من مطلق عام إلى علوّ خاصٍّ على الجسم المسمى بالعرشِ عند حدوثه.
فهذا معنى قول هؤلاء المجسمة: إنّ عُلُوَّ ذات الله ينقسم إلى علو عام مطلق، أي ليس مقيدا بالعلو على جسمٍ معين، ويسمونه بالعلو الذاتي لأنه علوٌّ مُصاحِبٌ لذات الله أزَلًا ضرورة وجود أجرامٍ لا بداية لجنسها أزلا، وإلى علوّ خاصّ فعلي حادث لأنه علوٌّ على خصوصِ الجسم المسمى بالعرشِ، ولا شك أن هذه العقيدة مبنية على أزلية أجناس الأجْرَام ومنافية كل المنافاة لقوله صلى الله عليه وسلم: كان اللهُ ولم يكنْ شيءٌ غيرُه، ولذلك اضطروا لتحريفِهِ حتى يتمكنوا من إثبات أزلية جنس الأجرام مع اللهِ حتى يثبتوا العلوّ بالجهة الحسية الذاتي الأزلي.
وقد قلتُ بأن صاحب هذا الكلامِ ناقلٌ كالببغاء ومكرر لكلام ابن تيمية وملخَّصَات الوهّابية له لأنه على أغلب الظنِّ جاهل بأن هذا الكلام التيميّ الحراني مبني على أزلية جنس الحوادث مع الله، وعلى أن الله لم يزل يخلق جسْمًا قبل جسمٍ لا إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي، وهي مسألة حوادث لا أول لها التي أنكرها السَّلَفُ والخلفُ إلا من وقع في التجسيم وتورط ولم يستقمْ له ذلك إلا بسرقة أصل فلسفيٍّ وهو أزلية جنس المخلوقات ونسبته زورا وبهتانا للسلف بأدلة أوهن من بيت العنكبوت.
ومسألة حوادث لا أول لها هي رأس مال ابن تيمية، وبسقوطها تسقطُ جميع عقيدته، فجنس الأجسام عنده مصاحبٌ لذات الله أزلا، وذات الله عندهُ جسمٌ كبير محدود، فلذلك أثبت له العلو الذاتي الذي سماه صاحب التعليق المُطْلَق العام، ولمّا كان العرشُ حادثًا جعلَ علوّ الله تعالى على خصوص هذا العرشِ فعليا لأن العرشَ مفعول لله، وحادثًا لأنه لم يكنْ موصوفا خصوصا هذا العلو على خصوص هذا العرشِ ثم صار عاليا عليه.
ثم يختلف المجسمة في أنه هل اللهُ علا على هذا العرشِ بذاته المجسمة المحدودة بالمماسة؟ وهذا قول أصحاب الجلوسِ على العرشِ، أو علا عليه بالمجاورة؟ وهذا قول أصحاب العلوّ دون الجلوس والمماسة.
وقد علمتَ أيها السُّني بتصريح إمامنا أبي عمرو الداني وغيره من الأئمة منهم الحنابلة وعلى رأسم الإمام عبد الواحد التميمي الحنبلي والإمام أبو يعلى الفراء بأن الله تعالى على العرشِ بغير مماسة ولا مجاورة، وهذا ينفي التجسيم رأسًا نفيا قاطعا، وعلمتَ أن علوّ الذات الذي يقول به جميع أهل السنة إنما هو بمعنى نفي الامتزاجِ والاختلاطِ بالمخلوقات، وهذا علوّ أزلي ذاتي ليس بحادثٍ ولا فعليٍّ.

https://www.facebook.com/share/1DNurskS1u

السابق
أقوال العلماء في إنكار لفظة “بذاته” (منقول)
التالي
خلاصة تفسير القرطبي لآية البقرة: 240(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ…) (غروك)

اترك تعليقاً