هل وافق ملا علي بن سلطان القاري الحنفي ابنَ تيمية في تقسيم التوحيد؟*
قالوا: “وهذا التقسيم لأنواع التوحيد الذي ذكره أهل العلم هو نتيجة لاستقراء النصوص الشرعية، وقد أشار القاري إلى هذه الأنواع .. بل إنه نص على هذه الأنواع الثلاثة” (1)، فمن الطريف قول بعض الناس “لا يوجد دليل أن ابن تيمية رحمه الله هو أول من أحدثها، لأننا نجد أن بعض كبار أهل السنة والجماعة جاء عنهم تقسيم التوحيد كالملا علي قاري في شرح الفقه الأكبر” (2)، حيث قال فيه: “فابتداء كلامه سبحانه وتعالى في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين، يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية” إلى أن قال: “والحاصل أنه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية دون العكس في القضية” (3).
قال وليد – تغمده الله برحمته وإياكم -: الجواب من وجوه: أولا: إن ملا علي القاري توفي سنة 1014 هـ أي أنه جاء بعد ابن تيمية بحوالي ثلاثة قرون فكيف تقولون ” لا يوجد دليل أن ابن تيمية رحمه الله هو أول من أحدثها .. “؟!!
__________
*هذا سؤال سُئلته للتو على قناتي على التلغرام، ونصه “هل وافق ملا على القارئ رحمه الله ابن تيمية في تقسيم التوحيد يظهر في بعض العبارة للملا علي القارئ موافقته ابن تيمية في تقسيم التوحيد”.اهـ فأنشر جوابه من كتابي الكبير الذي سيطبع بإذن الله حول نقد نظرية تقسيم التوحيد، وذلك ليعم النفع، والله الموفق.
وهذا رابط قناتي:
https://t.me/DrWaleedBinALSalah
(1) انظر: ملا علي القاري وآراؤه الاعتقادية في الإلهيات 1/ 87.
(2) تقسيم التوحيد في الميزان لعبد الله بن عبد الرحمن المكي ص 42
(3) منح الروض الأزهر في شرح الفقه الاكبر لملا علي القاري ص 47، ت وهبي غاوجي، دار البشائر، وص 8 من طبعة مصطفى البابي الحلبي المطبوع باسم كتاب الفقه الأكبر وشرحه لملا علي القاري، وانظر أيضا: القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد (ص: 49)، وعقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي (1/ 306)، وعداء الماتريدية للعقيدة السلفية 3/ 246، مناهل العرفان للزرقاني دراسة وتقويم ص 280 لخالد بن عثمان السبت. ونسب عبدُ الرحمن دمشقية كلامَ القاري هذا للبيجوري في حاشيته على الجوهرة، وتبعه على ذلك آخرون، ولكنه وهم محض سهوا أو عمدا.
=========================
ثانيا: إن ملا علي القاري قد ذكر عدة تقسيمات وتعريفات للتوحيد مختلفة عن هذا التقسيم، نذكر منها ما يلي: قال القاري: أما التوحيد، فهو ظهور فناء الخلق بتشعشع أنوار الحق، وله مراتب كما ذكره ذوو المناقب:
الأولى: التوحيد النظري .. هو أن يعتقد أن الله متفرد بوصف الألوهية، متوحد باستحقاق العبودية يحقن الدماء، والأموال، ويتخلص من الشرك الجلي في الأحوال.
الثانية: التوحيد العلمي، وهو أن يصير العبد بخروجه من غشاوة صفاته، وخلاصه من سجن ظلمات ذاته .. فيعرف أن الموجد المحقق، والمؤثر المطلق هو الله تعالى.
الثالثة: التوحيد الحالي، وهو أن يحمل التوحيد وصفا لازما لذات الموحد بتلاشي ظلمات رسوم وجود الغير إلا قليلا في غلبة إشراق نور التوحيد .. قال الجنيد: التوحيد معنى يضمحل فيه الرسوم، ويندرج فيه العلوم، ويكون الله كما لم يزل.
الرابعة: التوحيد الإلهي، وهو أن الله تعالى كان في الأزل موصوفا بالوحدانية في الذات، والأحدية في الصفات، كان ولم يكن معه شيء، والآن كما كان .. وفي هذا المعنى أنشد العارف الأنصاري لنفسه شعرا:
ما وحّد الواحدَ من واحد .. إذ كل من وحّده جاحدُ (1).
وقال ملا علي القاري في شرح الشفا بأن التوحيد هو: اعتقاد أن لا شريك له في الإلهية والصفات الذاتية والفعلية واستحقاق العبودية بمقتضى النعوت الربوبية (2).
وهكذا نرى أن القاري يذكر عدة تعاريف وتقسيمات للتوحيد تخالف تقسيمَ ابن تيمية للتوحيد الذي ذكره القاري في شرح الفقه الأكبر، وهذا قد يدل على أن ما ذكر في شرح الفقه الأكبر هو من باب الاستطراد ليس إلا. والله أعلم
__________
(1) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لملا علي القاري (1/ 55)
(2) شرح الشفا لملا علي القاري (1/ 524)
=========================
ثالثا: نعم يبدو التقسيم الذي في شرح الفقه الأكبر كتقسيم ابن تيمية أو قريب منه، إلا أن الأمر ليس كذلك لأن ملا القاري يعتبر أن كلمة لا إله إلا الله شاملة لتوحيد الربوبية ولتوحيد الألوهية حيث قال: (لا إله إلا أنت) إقرار بالألوهية واعتراف بالربوبية وهو كمال العبودية (1). وقال: (لا إله إلا الله): هو المنفرد بالألوهية، المتوحد بالربوبية (2).اهـ
فهو جعل توحيدي الربوبية والألوهية مندرجين في لا إله إلا الله، بخلاف تقسيم ابن تيمية حيث جعل توحيد الألوهية المعبر عنه بلا إله إلا الله قسيما لتوحيد الربوبية. وقال القاري في حديث «لا إله إلا الله والله أكبر تملآن ما بين السماء والأرض»: أن الإيمان على حقيقته المنبئة عن نفي الألوهية لغيره تعالى، وإثبات الربوبية والتوحيد الذاتي له سبحانه، وهذا المركب هو معنى الكلمة الطيبة التي عليها مبنى الإيمان.
رابعا: أن القاري لا يوافق ابنَ تيمية في كثير من الأمور التي جعلها من توحيد الألوهية وجعل ارتكابها شركا أو ذريعة إليه كمسائل القبور، فمثلا القاري “يرى جواز الذهاب إلى قبر النبي والتوسل به ” و”يرى التبرك بالأنبياء والأولياء والصالحين .. ” و “يرى أن شد الرحال لزيارة قبر النبي مجمع على استحبابه” (3)، وكذلك لا يوافق القاريُّ على بعض أصول نظرية تقسيم التوحيد كالزعم بأنه تعالى “لم ينكره أحد من بني آدم” (4) بل يرى القاري أنه قد “أنكر وجوده سبحانه وتعالى طائفة من الدهرية والمعطلة” (5).
__________
(1) مرقاة المفاتيح (4/ 1674)
(2) مرقاة المفاتيح (3/ 1111)
(3) ملا علي القاري وآراؤه الاعتقادية في الإلهيات 2/ 638.
(4) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (3/ 949)
(5) شرح الشفا لملا علي القاري (2/ 524)
https://www.facebook.com/groups/385445711569457/posts/3057744724339529















Great work! This is the type of information that should be shared across the web. Disgrace on the search engines for not positioning this post higher! Come on over and discuss with my site . Thank you =)