هل نحن نعبد عدما؟
(حوار افتراضي رائع مستمد من حوارات مع الوهابية )
قال: أنتم تعبدون عدما.
قلت: كيف نعبد عدما ونحن الذين سطرنا الأدلة العقلية في إثبات وجود الله؟
قال: لأنكم تقولون بأن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، ومن كان كذلك فهو معدوم.
قلت: هذا دليل عقلي وأنتم لا تأخذون بالأدلة العقلية. وهو شرط لوجود الله لم يرد في كتاب ولا سنة، بل يخالف الشرط الذي وضعه الرب ليمتاز به عن العدم.
قال: ما هو هذا الشرط الرباني الذي ميّز الله به نفسه عن العدم؟
قلت: قال تعالى{ليس كمثله شيء}، والعدم ليس كمثله شيء، ثم قال{وهو السميع البصير}، ليميز نفسه عن العدم بصفاته، وليس بعلاقة بين العالم دخولا أو خروجا. فأنتم اخترعتم شرطا لوجود الرب من كيسكم مرتبطا بالعالم دخولا وخروجا، ثم تدّعون أنكم أتباع الدليل النقلي!!
قال: وهل تعرف موجودا ليس داخل العالم ولا خارجه؟
قلت: لا يشترط وجود النظير ليوجد نظيره، وإلا لزم الدور، فالنظير الأول ليوجد ينبغي أن يكون له نظير، والنظير الثاني ليوجد ينبغي أن يكون النظير الأول موجودا، فالأول يحتاج لثاني في وجوده والثاني يحتاج للأول في وجوده، وهذا دور، والدور باطل عقلا. فثبت قطعا بأنه لا يشترط وجود أحد ليس داخل العالم ولا خارجه ليكون الرب كذلك.
قال: هرطقات يونانية وفلسفات فارغة.
قلت: الذي يوافق هواكم من الأدلة العقلية ولو خالف نصا تحتجون به، والذي لا يوافق هواكم أو لا تفهمونه فهو فلسفات فارغة.
قال: لم نخالف نصا بل الحيز ضرورة عقلية لكل موجود، فمن ليس متحيزا فليس موجودا، فمن كان خارج العالم لا بد أن يكون متحيزا ضرورة.
قلت: إدعاء الضرورة العقلية بأن الحيز شرط وجود الموجود مردود من ثلاثة وجوه:
الأول: أن كل عقلاء المسلمين من الأشاعرة والماتريدية والحنابلة والمعتزلة أثبتوا وجود ربهم بلا حيز، فلو كان الحيز ضرورة لما خالفها عقلاء المسلمين.
الثاني: وجود موجودات غير الله ليست متحيزة قال بها الفلاسفة، وهي عندهم العقول والنفوس، وقال بعض المسلمين بأن الروح ليس بمتحيز، فلو كان الحيز شرط الوجود لم يخالف هؤلاء العقلاء.
الثالث: العرض موجود ولا حيز له، وهو لا يوصف بداخل الجسم ولا بخارجه لعدم تحيزه، وقد يوصف بداخل الجسم بمعنى أنه قائم به لا بمعنى أنه متحيز.
فثبت بذلك كله أن الحيز ليس شرط وجود الموجود، فلا يمنع وجد موجود خارج العالم بلا حيز.
قال: طيب..أريد دليلا يقنعني فإني لم أفهم كثيرا ما تقوله.
قلت: استمع إليّ بعين الباحث عن الحق، فستجده إن شاء الله:
عبارة (الله داخل العالم وخارجه أو ليس) مجملة، فيها حق وفيها باطل، وهي على ستة وجوه:
الأول: إن أراد القائل بأن الله داخل العالم بعلمه وخارجه ببينوته عن العالم بحقيقته التي لا تقبل الحلول في العالم، فتكون عبارة (الله داخل العالم وخارجه) قولا حقا، وهو قول أهل الحق.
الثاني: وإن أراد القائل بأن الله داخل العالم بحلوله فيه كليا وليس خارج العالم لعدم انفصاله عن العالم، فتكون عبارة(الله داخل العالم وليس خارجه) كفرا وزندقة.
الثالث: وإن أراد القائل بأن الله داخل العالم بعلمه وليس خارجه بحيزه فتكون عبارة(الله داخل العالم وليس خارجه) قولا حقا، وهو قول أهل الحق.
الرابع: وإن أراد القائل بأن الله ليس داخل العالم بعدم حلوله فيه حلولا كليا وهو خارج العالم منفصل عنه بحيزه وحده ويحل بالعالم حلولا جزئيا بالنزول حقيقة لداخل العالم مع بقاء بعضه خارجه، فتكون عبارة(الله ليس داخل العالم ولكن خارجه) قولا باطلا وهو قول المجسمة.
الخامس: وإن أراد القائل بأن الله ليس داخل العالم بعدم حلوله كليا وجزئيا فيه وهو خارج العالم بحقيقته وقيومتيه فتكون عبارة(الله ليس داخل العالم ولكن خارجه) قولا حقا، وهو قول أهل الحق.
السادس: وإن أراد القائل بأن الله ليس داخل العالم بعدم الحلول فيه حلولا كليا ولا جزئيا، وليس خارج العالم بحيزه لتنزهه عن الحيز والحد لأنهما لوازم الجسمية، فتكون عبارة(الله ليس داخل العالم ولا خارجه) قولا حقا، وهو قول أهل الحق.
افهم هذه الستة واحفظها تسهل عليك المسألة إن شاء الله، فتح الله عليك فتوح العارفين.
وليس بعد الحق إلا الضلال.