قلت (وليد ابن الصلاح) في كتابي الصواعق الصلاحية في الإجهاز على النظرية التيمية (ص: 414):
رابعا: دعوى أن الأشاعرة لم يبحثوا مسائل شرك العبادة في كتب العقيدة
حيث “لم يروا في صرف الدعاء والاستغاثة والذبح والنذر، ونحو ذلك، لغير الله تعالى مخالفة للتوحيد ما دام الاعتقاد قائما على تفرد الله تعالى بالربوبية” (3)، وهذا “هو السبب الوحيد لوقوعهم في أنواع من الشرك الأكبر من عبادة القبور وأهلها” (4)، “فجوّزوا البناء على القبور والصلاة إليها وشدّ الرحل إليها، بل الاستغاثة بالأموات والاستغاثة منهم” (5)، ولذلك وقعوا “في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإسلام لا يحسبونها شركا” (6).
ولذا قال بعض الأشاعرة ” (اجتمعت الأمة على أن الذبح والنذر لغير الله حرام، ومن فعلها فهو عاص لله ورسوله، والذي منع العلماء من تكفيرهم أنهم لم يفعلوا ذلك باعتقاد أنها أنداد لله). ويقول الآخر: (من أين لكم: أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إذا دعا غائبًا أو ميتًا أو نذر له، أو ذبح لغير الله أن هذا هو الشرك الأكبر
(3) شبهات المبتدعة في توحيد العبادة ص 203
(4) جهود علماء الحنفية (1/ 178)
(5) عداء الماتريدية للعقيدة السلفية ط (3/ 305)
(6) الفتاوى الكبرى (6/ 566).
===========
الذي من فعله حبط عمله، وحلّ ماله ودمه؟ ولم يقل أهل العلم: من طلب من غير الله فهو مرتد، ولم يقولوا: من ذبح لغير الله فهو مرتد) ” (1).
ولذا “فاتخاذ الوسائط بالسؤال والطلب عندهم ليس شركًا بمجرد طلب غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله ـ مثلاً ـ بل لابد أن يتضمن ذلك اعتقاد استقلالية المطلوب وقدرته على الاختراع الذي هو حقيقة الألوهية عندهم، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ليس شركًا لذاته عندهم إلا إذا تضمن اعتقاد استحقاق العبادة لمن صرفت له” (2).
وهكذا “فالمتأمل في مناهج المتكلمين عمومًا يجد: أن التوحيد عندهم اعتقادي فقط، وأن الشرك في الإرادة إذا لم يتضمن الشرك في الاعتقاد لا يكون شركًا عندهم .. ” (3). وهذا كله بسبب أن المتكلمين لا سيما الأشاعرة لَمّا كان “جُلّ اهتمامهم العناية بتقرير توحيد الربوبية غفلوا عن تقرير توحيد الألوهية، وبيان ما يضادّه من الشرك، وكان من آثار ذلك أن وقع بعضهم في ضلال مبين .. في أنواع من الشرك، ظنّا منه أن ذلك لا يناقض التوحيد” (4).
بل “إن الأشاعرة والماتريدية يرون أن توحيد الألوهية لا يدخل في الإيمان، ولا يترتب على تركه كفر، وهذا من أعظم الأسباب التي دعتهم لإهماله حيث يرون أن مكان شرح حقيقة هذا التوحيد في كتب الرقاق والآداب والفضائل، أما كتب العقائد فلا مجال لبحث هذا النوع من التوحيد فيها لأنه لا يدخل في الإيمان” (5).
(1) الشرك في القديم والحديث (1/ 37)
(2) الشرك في القديم والحديث (1/ 37)
(3) الشرك في القديم والحديث (1/ 37)
(4) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (3/ 977)
(5) حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين (ص: 463)
=======
“وهذا المنهج الخطير الذي سلكه الأشاعرة أثّر في كتاباتهم العقدية، فقلّما تجد لعالم من علمائهم كتابا أو رسالة في بيان توحيد العبادة، وأنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله، أو في بيان الشرك وأنواعه، أو حكم السفر لزيارة القبور والدعاء والنذر لها، بل على العكس من ذلك تجد الكثير منهم يميل إلى مثل هذه الشركيات أو ما هو من وسائله” (1).
قال وليد ـ وفقه الله ـ: كذا زعموا، والجواب بشكل مجمل هو ما سبقت الإشارة إليه، وهو أن العبادة لها مفهوم عند الأشاعرة وجمهور العلماء غير مفهومها عند ابن تيمية وأتباعه، وأما الجواب بشكل مفصل هو أن الأشاعرة قد أصابوا حين لم يطرحوا هذه المسائل في كتب العقيدة، ولا جعلوها شركا؛ لأنها مسائل فرعية، وإدراج ابن تيمية وأتباعه لهذه المسائل في كتب العقيدة وجعلها شركا كان من آثار نظرية تقسيم التوحيد التي هي أصلا محل النزاع، وقد بيّنا أنها قائمة على أصول ودعاوى باطلة كما سبق بسط ذلك.
ثم إنه ليس الأشاعرة والصوفية وحدهم لم يدرجوا تلك المسائل في مسائل الشرك، بل معهم المحدثون والحنابلة الذين يرتضيهم ابن تيمية، ويعوّل على كتبهم في العقيدة، أمثال الإمام أحمد وعثمان الدارمي وابن خزيمة وابن بطة وابن مندة وغيرهم، فلا تجد في كتبهم ما تجده في كتب ابن تيمية وأتباعه أن هذه المسائل شرك! أي لن تجد عندهم أن التبرك بالقبور أو السفر إليها أو الاستغاثة بها أو نحو ذلك: شرك! كما لن تجد عندهم تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام؛ ربوبية وألوهية وأسماء وصفات!
إن أول من حظر مسائل القبور وغلا فيها فجعلها من مسائل العقيدة، وعدّها شركا أو ذريعة إليه، هو: ابن تيمية! فالأشاعرة والماتريدية والصوفية ليسوا وحدهم الذين لم يدرجوا تلك المسائل في الشرك، بل معهم السلف والمحدثون والحنابلة الذين يرتضيهم ابن تيمية، ويُعوّل على كتبهم في العقيدة أمثال الإمام أحمد ومن معهم ممّن سبق ذكرهم، وكذا السجزي والطلمنكي وابن عبد البر والطحاوي وابن جرير الطبري وابن قدامة وابن خويزمنداد والآجري وابن أبي عاصم وغيرهم، فلا تجد في كتبهم ما تجده في كتب ابن تيمية وأتباعه من تقسيم التوحيد، ولن تجد عندهم أن التبرك بالقبور أو السفر إليها أو الاستغاثة بها أو نحو ذلك: شرك، بل لن تجد ذكرًا لمسائل القبور قط، لا من قريب ولا من بعيد.
(إحصاء حول ورود كلمة القبور ومشتقاتها في كتب السلف والسلفية)
ولئلا يكون كلامنا السابق نظريا فقط، فقد قمت بإحصاء كلمة “قبر”ومشتقاتها التي وردت في كتب العقائد التي يرتضيها ابن تيمية ويحض عليها، ويرى أنها احتوت على عقائد السلف، وقارنتها مع وردوها في كتب ابن تيمية وأتباعه، وقارنت بين العددين، فتبين الفرق الشاسع كما وكيفا! بما يثبت أن كلام ابن تيمية وأتباعه حول مسائل القبور لا يمت إلى كتب عقائد السلف لا من قريب ولا من بعيد!
وإليك تفصيل ذلك: إنه لدى الاستعانة بالحاسوب وبعد البحث عن كلمة “قبور”ولواصقها في الكتب التالية: الإبانة ومقالات الإسلاميين للأشعري، والإبانة لابن بطة، وشرح اعتقاد أهل السنة لللالكائي، وكتاب السنة لكل من ابن أبي عاصم والخلال وعبد الله بن الإمام أحمد والمروزي، والتوحيد لابن خزيمة، والإيمان لابن منده، خرجت (47) سبع وأربعون نتيجة، وهذه النتائج كلها ليس فيها أي مسألة من مسائل القبور التي تكلم عنها ابن تيمية وابن عبد الوهاب وأتباعهما وجعلوها من قوادح الإيمان وأنها شرك أكبر، بل هذه النتائج إنما فيها كلمة “قبور”ولواصقها في سياق الكلام عن عذاب القبر، أو في سياق السلام على أهل القبور حين زيارتهم، أو لورودها في قوله تعالى {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7]، أو قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22]، وهذه الآية الأخيرة وردت عند اللالكائي لا لنفي سماع أهل القبور، وإنما وردت عنده تحت باب”سياق ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في أن الموتى في قبورهم لا يعلمون مما عليه الأحياء إلا إذا رد الله عليهم الارواح” (1)، ثم ساق حديث “ابن عمر يقول وقف رسول الله على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا .. “، فاللالكائي أثبت سماع الأموات من حيث الجملة، وإليه ذهب ابن تيمية وابن القيم خلافا للألباني (2)، فإذن حتى هذا الموضع هو ضد الألباني ومن وافقه.
هذا مع العلم أن كلمة قبور لم ترد في بعض هذه الكتب أصلا ولا مرة واحدة، مثل كتاب السنة للمروزي، وبعضها ذكرت فيه مرة واحدة مثل كتاب أصول السنة للإمام أحمد حيث وردت فيه هذه العبارة “وأن هذه الأمة تفتن في قبورها”، وكتاب السنة للخلال حيث وردت فيه هذه العبارة “التسليم على أهل القبور”، وهذا خارج عن مسائل القبور محل النزاع.
ولدى البحث في الكتب السابقة نفسها عن كلمة “قبر”ولواصقها ورد 99 (تسع وتسعون) نتيجة، جاءت كلها في سياق الحديث عن عذاب القبر ونحو ذلك، وليس فيها حديث قط عن أن شد الرحال لزيارة القبور أو الطواف بها أو البناء عليها أو النذر لها أو الاستغاثة بها أو الدعاء والصلاة عندها أو التبرك بها: شرك أو ذريعة إليه، وليس فيها ذِكر لهذه المسائل قط لا من قريب ولا من بعيد.
(1) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (6/ 1229)
(2) «الفتاوى الكبرى لابن تيمية» (3/ 60)، «الروح – ابن القيم» (1/ 8 ط عطاءات العلم) مقدمة الألباني لكتاب “الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات” (ص 98)