من التعليقات التي ينبغي أن يَقِفَ عندها قُرّاءُ كتاب الإبانة هذان التعليقان المهمان المنقولان عن كتابين جليلين سرقهما أدعياء السلفية ولبّسوا بهما ولا يزالون على أهل السنة:
[1] ـ اعتقادُ أهل السنة للحافظ هبة الله اللالكائي.
[2] ـ الحجَّة في بيان المحجَّةِ للحافظ قوامُ السنة الأصبهاني.
وهما في هذين النقلين يقرران تبعا للبُوَيْطي تلميذ الشافعي استحالةَ تسلسل الحوادثِ بلا بداية بشكل عام، وخصوصًا استحالة قيامِ الحوادث بذات الله تعالى.
نعم هذا الكلام لا يفْهَمُه الغوغاء المقلّدة لأدعياء السلفية إذ لا يعرفون أهمية هذه المسألة، أما رؤوس الزيغ والضلال من أدعياء السلفية فيعرفون حقّ المعرفة أن إبطال حوادث لا أول لها سواءٌ في ذات الله أو منفصلة عن ذاته هادمٌ كليٌ لعقائدهم الفاسدة، ويعرفون حق المعرفة أن ما تكلم به اللالكائيّ وقوام السُّنة الأصبهاني بشكل صريح هنا هو عينُ ما يعتقدهُ جميع علماء أهل السنة الأشاعرة، وهو عينُ ما خالفهم فيه ابن تيمية، بل ابن تيمية خالفَ في ذلك جميع أئمة الحنابلة قبله وأولهم آباؤه وأجداده، وصار يقول بوقوع حوادث لا أول لها في ذات الله ويُسَمِّيها صفاتٍ اختيارية تلبيسا حتى تروج مقالتُه، ويقول بمخلوقات لا أول لأفرادها في جانب الأزل تبعا لتلك المقالة الفاسدة.
فهذان التعليقان يدّلان على أن الخلاف الحقيقي ليس بين أدعياء السلفية وأهل السنة الأشاعرة، بل هو بين أدعياء السلفية وبين أهل الحديث الذين لا علاقة لهم بعلم الكلام ومع ذلك يبطلون حوادثَ لا أوّل لها، ولا يجرؤ تلفي على أن يتهم البُوَيْطِي أو اللالكائي أو قوام السنة بالتأثر بالمتكلمين، ولكن أقصى ما عندهم هو تجاهل هذا الكلام كليا والعمايَة عنه كما هو شأن أهل الزيغ في الإعراض عن المُحْكَم من الكلام واتباع المتشابه.

ما زالت المعركة قائمة بل هي في أولها، أعني معركة استرحاع الاعتقادِ الإيماني السنيّ الصحيح، والذي يظن أن المعركة انتهت مع أدعياء السلفية فهو واهمٌ، بل الأثر الذي حصل بسببهم قد يمتدّ إلى عقود، لا سيما وأنهم بعد انتشار تلبيسهم لطيلة عقود صار منهم الكثير من الرؤوس وحتى ما يسمى بالذئاب المنفردة، كالذين يكفرون البخاري لأجل ما كتبه في كتاب خلق أفعال العباد، ويكفرون الطبري لما كتبه في التبصير في معالم الدين، بل منهم من صار يكفر ابن تيمية بعد أن تتلمذ طيلة حياته على كتبه لأنه اكتشف أن ابن تيمية لا يكفّر الأشْعَرِيَّةَ بالإطلاق والحال أنه تعلم على كتب ابن تيمية أن الأشعرية جهمية والسلف كفروا الجهمية فيجب تكفير الأشعرية ومن لم يكفر الكافر فهو كافر فانتهى به المطاف إلى تكفير ابن تيمية.
