صفة اليدين

(28)هل صحيح أن لله يدين؟[1]/ “وأما أن تتهمونا أمام الناس بإنكار الصفات وتقصدون بها الأجزاء والأعضاء والجوارح …. فهذا استسفاه لعقول أتباعكم وللبسطاء فضلا عن أنه افتراء علينا”

“وأما أن تتهمونا أمام الناس بإنكار الصفات وتقصدون بها الأجزاء والأعضاء والجوارح …. فهذا استسفاه لعقول أتباعكم وللبسطاء فضلا عن أنه افتراء علينا”

(28)هل صحيح أن لله يدين؟[1]

هذا ما قرره النحاة في أنواع الإضافة، فأين في كل هذا التفرقة السابقة التي أوردها ابن تيمية في الإضافة وأنه إذا أضيف ما ليس قائما بنفسه ولا حالّا بقائم بنفسه فهو صفة للمضاف إليه ؟!!!
أصلا لا يُعرف في كتبِ النحو إضافةُ الصفةِ إلى الموصوف على الشكل الذي يقصده ابن تيمية …. فابن تيمية مثلا يدّعي أن إضافة اليد في قوله تعالى {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [الفتح: 10]، وأن إضافة الوجه في قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] ونحوهما هو من باب إضاف الصفة للموصوف؛ أي أن اليد صفة أضيف إلى موصوفها وهو الله، كما في آية الفتح، والوجه صفة أضيف إلى موصوفها، كما في آية الروم…!!!
كذا زعم ابن تيمية؛ ولكن هذا الكلام ساقط لغويا، وذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن اليد والوجه ونحوهما لا تسمى في اللغةِ صفات لا سيما إن حُملتْ على المعنى الحقيقي الحسي في لغة العرب ـ كما هو مذهب ابن تيمية ـ وإنما تسمى أعضاء أو أبعاضا أو أجزاء، وأما الصفات فهي أمور معنوية مثل العلم والقدرة والإرادة، ومثل الألوان كالسواد والبياض، والطول والعرض ونحو ذلك.
وإليك طائفة من أقوال أهل اللغة في تعريف الصفة:
قال في القاموس المحيط (ص: 860): والصِّفةُ: كالعِلْمِ والسَّوادِ.اهـ
وقال الزبيدي في تاج العروس من جواهر القاموس (24/ 460): قالَ : (والصِّفَةُ): ( كالعِلْمِ ) والجَهْل، (والسَّوادِ) والبيَاضِ .اهـ
وقـال ابن فارس في مقاييس اللغة (6/ 87): (وصف) الواو والصاد والفاء: أصلٌ واحد، هو تحْليَةُ الشَّيء. ووصَفْتُه أصِفُه وَصْفاً. والصِّفَة: الأمَارة اللاَّزِمةُ للشّيء، كما يقال وَزَنتُه وَزْناً.اهـ
وقال ابن فارس في المقاييس أيضا (6/115): ((النعت : وصفك الشيء بما فيه من حُسْن))[2].اهـ
وقال الجرجاني في التعريفات (ص: 133): الصفة: هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، وذلك نحو طويل وقصير وعاقل وأحمق، وغيرها. وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها.اهـ
وقال أبو البقاء الكفوي في الكليات (ص: 546): فالصفة هي ما وقع الوصف مشتقا منها وهو دال عليها، وذلك مثل العلم والقدرة ونحوه.اهـ
فكل هذه النصوص دالة على أن الصفة لغة أمر معنوي أو حالة أو أمارة للشيء وليست الصفة جزءا منه أو عضو أو بعضا.
ومما يدل أيضا على أن الجوارح والأعضاء ليست صفات هو أن المفسرين والبلاغيين وغيرهم من العلماء جعلوا قوله تعالى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] مجازا من قبيل إطلاق الجزء أو البعض وهو الرقبة وإرادة الكل وهو العبد، ولم يجعلوه من قبيل إطلاق الصفة وإرادة الموصوف.
وجعلوا أيضا قوله تعالى { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ } [البقرة: 19] مجاز من قبيل إطلاق الكل وهو الأصابع وإرادة أولها وهو الأنامل[3]….
فإذن الرقبة والأنامل هي أجزاء لا صفات، وكذا اليد والوجه والعين والرجل كلها أجزاء وأبعاض للإنسان ونحوه، وليست صفات عند علماء العربية، ولما أدرك ابن تيمية هذا ابتدع تقسيما جديدا للصفات وهو أن صفات الباري عز وجل قسمان[4]: صفات أعيان، ويَقصد بها أن لها أعيانا جسمية ذات أبعاد مادية كاليد والوجه والعين وقَدم ونحو ذلك مما جاءت إضافته إلى الله، وصفات معاني كالعلم والإرادة ونحو ذلك….!!!!!
وبعض الوهابية أقرّ وصرّح علنا بأن الوجه المضاف إلى الله هو جزء منه[5]…. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا…. فلماذا إذن تخدعون الناسَ وتتهمون خصومكم ـ ولاسيما الأشاعرة ـ بإنكار صفات الله …؟! إنْ كنتم جريئين وعلى حق فقولوا للناس: إن الأشاعرة ينكرون الجوارحَ والأجزاء والأبعاض لله ….؟!!!!
فلو قلتم ذلك لصَدَقتم ….. وأما الصفات فالأشاعرة لم ينكروها قط بل كتبهم طافحة بإثباتها والرد على من أنكرها كالمعتزلة ومن معهم ….!!!!
وأما أن تتهمونا أمام الناس بإنكار الصفات وتقصدون بها الأجزاء والأعضاء والجوارح …. فهذا استسفاه لعقول أتباعكم وللبسطاء فضلا عن أنه افتراء علينا.
الأمر الثاني: أن إضافة الصفة للموصوف عند النحاة أمر آخر مغاير تماما لهذا الذي ذكره ابن تيمية، ومغاير حتى لما يذكره المتكلمون من نسبتهم الصفات المعنوية لله.

وبيان ذلك….. وانظر اللاحق:

https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/774214016025956/

———————————-

[1] انظر السابق:

https://www.facebook.com/groups/202140309853552/permalink/831951706872406/

[2] وتمام الكلام في مقاييس اللغة (5/ 359): (نعت) النون والعين والتاء: كلمةٌ واحدة، وهي النَّعْت، وهو وَصْفُك الشيءَ بما فيه من حُسْن. كذا قاله الخليل، إلاَّ أن يتكلَّفَ متكلِّف فيقول: ذا نَعْتُ سُوءٍ. قال: وكلُّ شيءٍ جيِّدٍ بالغٍ نعتٌ. اهـ
ونحوه قاله ابن فارس أيضا في كتابه مجمل اللغة (ص: 875).
[3] قال الشيخ عبد الرحمن حبنكة وهو يعدد علاقات المجاز المرسل في كتابه البلاغة العربية (2/ 275): (2) كون المعنى الأصلي للّفظ كُلاًّ للمعنى الذي يُرادُ منه على سبيل المجاز، أو بعضاً له، مثل:

  • قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت … } [الآية: 19] .
    أي: يجعلون بعض أصابعهم، وهي رؤوسُها، وهذا من إطلاق الكلّ وإرادة بعضه، وفائدة هذا المجاز الإِشعار بما في نفوسهم من الرغبة بإدخال كلّ أصابعهم في آذانهم حتى لا يصل إليها الصوت الشديد المميت الذي تحدثه الصواعق.
    قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول) :
    { … فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ … } [الآية: 92] .
    أي: فعتْقُ رقيق مؤمن أو رقيقة مؤمنة، وهذا من إطلاق بعض العتيق وهو رقبته، وإرادةِ كلّه.
    وفائدة هذا الإِطلاق المجازيّ الإِيجازُ في التعبير من جهة، لأنّ الرقبة تكون بعض كلٍّ من الذكر والأنثى، والإِشارةُ إلى أنّ الأرقاء كانوا يُغَلُّون من أعناقهم، فإذا أُعْتِقُوا حُرِّرُوا من هذه الأغلال.اهـ

وانظر أيضا: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع للهاشمي(ص: 253)، و المنهاج الواضح للبلاغة (1/ 135)، و {مفاتيح الغيب للرازي حـ 2 صـ 71 ـ 73}، و {روح المعانى للألوسي حـ 1 صـ 170 ـ 174}.

[4] انظر عن صفات الأعيان عند ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية 1/126 ط العثمانية.

وانظر الرد عليه في ذلك:

https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/764486680332023/

و

http://www.aslein.net/showthread.php?t=15092

https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/671695126277846/

http://cb.rayaheen.net/showthread.php?tid=36883

[5] فقد سئل مقبل الوادعي السؤال التالي:
“ما تفسير قوله تعالى : ” ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ” ؟
فأجاب بما يلي:
وجه ربك إذا بقي وجهه بقيت بقية الأشياء ، فقد يُعبر بالجزء ويراد به الكل ، يعبر بالجزء وهو الوجه ويراد به الكل ، فما فيه إشكال ، وفيه إثبات صفة الوجه لله سبحانه وتعالى ، كما أنه ينبغي أن نثبت جميع الصفات الواردة في كتاب الله وفي سنة رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .
وأهل السنة وقافون ، حتى إنهم لو سئلوا عن الكيفية يقولون : ما ندري ، نعم يحكمون على أنفسهم بأنهم يجهلون هذا الأمر لأنهم ما يتجاوزون الأدلة والله المستعان .” انتهى.

انظر:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/archive/index.php/t-329440.html

قال وليد : قوله ” وأهل السنة وقافون ” ما شاء الله على هذا التوقف والورع في أسماء الله وصفات ….!!!!! يُصرّح الوادعي بأن وجه الله هو جزء منه ثم يتوقف ….!!!! وما أدري لو لم يتوقف ماذا يقول أكثر من ذلك ….؟!!!!

ثم إن التعبير بالجزء عن الكل هو أحد أنواع المجاز كما سبق … والمجاز عندكم هو أحد الطواغيت كما عبر عن ذلك ابن القيم فقال كما في مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: 285): (((فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية، لتعطيل حقائق الأسماء والصفات، وهو طاغوت المجاز))) فما بالكم اعتصمتم بالمجاز الآن ؟!!!!!

وانظر منشوري: ” ابتغاء وجه الله في الكلام على وجه الله ” وما بعده على:

https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/410487412398620/

السابق
د.أحمد الطيب: إن عندنا القدرة على مجابهة هؤلاء – أي الوهابية – بمثل وسائلهم، مكتبة الأزهر بها أكثر من مائتى مخطوط لعلماء الأزهر فى القرن الماضى، يردون بها على محمد بن عبدالوهاب
التالي
[2] ابتغاء وجه الله في الكلام على وجه الله