تنزيه الله عن المكان والجهة والحيز

[هل تنزيه الله تعالى عن الجهة ونحوها شرطٌ لصحة الإيمان؟]/ والخلاف في تكفير المجسم (منقول)

[هل تنزيه الله تعالى عن الجهة ونحوها شرطٌ لصحة الإيمان؟]

تفريغ جواب للشيخ عثمان النابلسي

نُشر على قناته بتاريخ: 28/07/2021

قام بتفريغه: إسلام سهاونة

بسم الله الرحمن الرحيم

هل التنزيه شرط لصحة الإيمان؟

هذه المسألة: هل التنزيه شرط لصحة الإيمان، يعني الذي لا ينزه، يصف الله تعالى مثلاً بالجهة أو النزول الحقيقي، هل هو مؤمن أم كافر؟ يعني هل المجسم مؤمن أم كافر؟

حقيقةً، هذه المسألة فقهية وليست مسألة اعتقادية، وهي راجعة إلى بعض المسائل الأصولية، هناك كتاب للشيخ عبد الفتاح اليافعي اسمه «حكم التجسيم والمجسمة في المذاهب الأربعة»، لكن هذه المسألة ترجع إلى بعض المسائل الأصولية:

المسألة الأولى: هل لازم المذهب مذهبٌ لصاحبه أم ليس بمذهب؟

إذا قلتُ شيئاً أو اعتقدت شيئاً ليس قطعياً في الكفر، لكنه يستلزم الكفر استلزاماً، فهل أكفر أم لا؟

1-بعض العلماء قالوا: بما أن هذا القول لا يدل صراحةً على مخالفة نص قطعي.. لا يدل على الكفر بالمطابقة بل باللازم، فهذا ليس كافراً .

2-القول الآخر: بعضهم قال: كل من قال قولاً يستلزم الكفر فهو كافر، حتى وإن تبرأ صاحب القول من لازم قوله.

3-وقول المحققين من علماء الأصول:

قالوا: نفرق بَيْن اللازم البَيِّن الواضح واللازم غير البَيِّن.

مثلاً: التلازم بَيْن طلوع الشمس وبَيْن وجود النهار.. هذا تلازمٌ بَيِّن، فمن قال إن الشمس طالعةٌ، يلزمه أن يقول: النهار موجود.

لكن هناك لازم غير بَيِّن، بل يحتاج إلى استدلال وتوضيح، أو رد شبهات، فهذا اللازم لا يُحكم على صاحبه بناءً عليه.

مثلاً، اختلف الفقهاء في حكم التسمية عند شرب الخمر:

1-أصحاب المذهب الأول قالوا: هذا الفعل وإن كان يستلزم الاستخفاف بالشريعة والتنقيص من الشريعة، لكن صاحبه يتبرأ من هذا اللازم. وإن سَمّى على شرب الخمر لكنه يقول: أنا لا أستخف ولا أستنقص من الشريعة.. معاذ الله!

فهؤلاء قالوا: هذا اللازم -الاستخفاف بالشريعة- ليس مذهباً لصاحبه، فلا يكفر .

2-أصحاب المذهب الثاني قالوا: بما أن هذا الفعل يستلزم الاستخفاف بالشريعة، فهذا الاستخفاف لازمٌ لصاحبه، فهو كافر، [وإن لم يلتزم به].

3-وقول المحققين، قالوا: نحن نفرق بين اللازم البَيِّن واللازم غير البَيِّن، التسميةُ عند شرب الخمر لا تستلزم الاستخفاف بالشريعة أو التنقيص من الشريعة لزوماً بيّناً، بل التلازم بينهما تلازمٌ غير بَيّن، وبالتالي.. فالذي يسمي عند شرب الخمر آثمٌ واقعٌ في المحرّم، لكنه ليس كافراً .

الآن نأتي إلى مسألة المجسمة:

هناك فرق بين المجسم بالتصريح.. المجسم الصريح، والمجسم باللازم:

فمن قال: «الله تعالى جسمٌ»، فهذا مجسم صريح، وهذا كافر عند جمهور العلماء؛ لأن التجسيم يستلزم أن يكون الله تعالى حادثاً، له مخصص خصصه بمقداره وحجمه، وهذا ما ذكره الإمام ابن الهمام في المسايرة، لكن الإمام ابن امير حاج الحنفي ذكر أن من أهل السنة من لم يكفرهم بناءً على أن لازم المذهب ليس مذهباً لصاحبه، يعني من قال إن الله تعالى جسم، هل حدوث الله تعالى لازم للمجسم؟

-الذين قالوا هو لازم، قالوا هو كافر.

-الذين قالوا ليس بلازم، وهذا بعض أهل السنة قالوا به، قالوا ليس كافراً.

الجمهور على التفريق بين من قال إن الله تعالى جسم كالأجسام، فهذا كافر، ومن قال بأن الله جسم لا كالأجسام، فهذا ليس كافراً عند الجمهور، هذا طبعاً في حكم من قال وصرح بأن الله تعالى جسم.

أما من أثبت لله تعالى مثلاً الجهة، مع قولهم: الله تعالى ليس جسماً، فهم لم يقولوا: «الله جسم كالأجسام»، ولا قالوا: «الله جسم لا كالأجسام»، بل بعضهم توقف، وبعضهم يصرح بتنزيه الله عن الجسمية مع إثباتهم الجهة والفوقية الحسية، والنزول الحقيقي وسائر الأمور المعروفة، فهؤلاء يجري فيهم الخلاف السابق، بناءً على أن لازم المذهب.. هل هو لازم لصاحبه أم ليس بلازم؟

-فمن قال: هذا القول يستلزم حدوث الله تعالى، ولازم المذهب مذهبٌ لصاحبه، حكم بكفرهم.

-ومن قال: بل لازم المذهب ليس مذهباً لصاحبه، لم يحكم بكفرهم، بل حكم بإيمانهم.

-ومن فَرّق بين اللازم البَيّن واللازم الخفي غير البَيّن، قال:

إثبات الجهة ونحوها في حق الله تعالى لا يستلزم الحدوث لزوماً بيناً، بل التلازم ليس بيناً، وبالتالي لا يكفر مثبتو الجهة.. مثبتو الفوقية الحقيقية ونحوها، وهذا ما فصله الإمام العز بن عبد السلام في القواعد الكبرى، طبعاً أخذه بعده كثير من الأئمة من علماء الأصول، كالقرافي، وحتى الشاطبي أخذ نفس كلام الإمام العز بن عبد السلام بنصه وفصّه، وهذا هو المعتمد عند الشافعية، حتى ذكره الإمام الغزالي في «فيصل التفرقة»، والإمام بن حجر الهيتمي يتكلم عن هذه المسألة بتفصيل في «الإعلام بقواطع الإسلام»، ونقل عن ابن الرفعة والإسنوي والنووي أن القائل بالجهة ليس كافراً.

أيضاً، الإمام العز بن عبد السلام فرّق بين المجسم العامي والمجسم العالم، وقال إن العامي لا يكفر [ومعذور]؛ لأنه لا يفهم لوازم قوله أصلاً، فهذه المسألة الأصولية الأولى التي يتعلق بها حكم المجسم .

المسألة الثانية التي يتعلق بها الحكم على المجسمة هي:

هل الجهل بالصفات جهلٌ بالموصوفات؟

الإمام العز بن عبد السلام له كلام مشهور في هذه المسألة، وهي أنك قد تجهل بعض صفات الموصوف مع علمك بالموصوف، وذكر أن هذا مذهب الإمام الأشعري عندما قال: اشهدوا عليّ أنّي لا أكفر أحداً من أهل القبلة. وذكر أن الإمام الأشعري مثّل لهذا بأمير أو سيد، كتب إلى عبيده يأمرهم بأشياء وينهاهم عن أشياء، فاختلفوا في بعض صفاته، مع اتفاقهم على أنه سيدهم، وأنه أكمل منهم، وأنه مالكٌ لهم ومدبرٌ لشؤونهم، فقال بعضهم: هو أكحل العينين، وقال آخرون: بل هو أرزق العينين. وقال بعضهم: هو قصير، وقال آخرون: هو طويل، وقال بعضهم: هو أسود، وقال بعضهم: هو أبيض..

اختلفوا في صفاته مع اتقاهم أنه سيد لهم، يعني يستحق أن يطيعوه ويذلوا له، وهو مدبر لهم، كل هذا اتفقوا عليه، واختلفوا في بعض صفاته..

الإمام العز بن عبد السلام يقول [ما معناه]: لا يجوز أن يقال إن اختلافهم في صفته اختلاف في كونه سيداً لهم، وأنه يستحق طاعتهم وذلهم.

ثم يقول [ما معناه]: كذلك لا يكون اختلاف المسلمين في صفات الإله اختلافاً في كونه خالقاً لهم وسيداً لهم مستحقاً لطاعتهم وعبادتهم، فمن أخطاً في وصف الإله في بعض الصفات، كالمجسمة، لا يكون جاهلاً بكون الله تعالى موصوفاً بكل كمال، منزهًا عن كل نقص، مستحقاً للعبادة والطاعة.

بعض العلماء رأى أن الجهل بالصفات جهلٌ بالموصوفات، فمن جهل بعض صفات الله تعالى فهو جاهل بالله تعالى، فهو كافر.

وهناك مسألة قريبة من هذه المسألة، مشهورة عن الإمام أبي عمران الفاسي نزيل القيروان، وهي أن العلماء والعوام اختلفوا في أن الكافر [كالنصراني] هل هو عارف بالله أم لا؟

فقال لهم الإمام أبو عمران: لو قلت لكم إن أبا عمران يسكن في موضع كذا وكذا، ويبيع الشعير ويبيع الدقيق ويبيع البقل، وكذا وكذا، وهذه صنعته، هل هذا معرفة بي أم جهل بي؟ قالوا: هذا جهل.. من وصف أبا عمران بهذا الوصف فهذا جاهل به.

لكن مَن وصف أبا عمران وقال: إن أبا عمران يسكن بالقرب من مسجد كذا، ويدرّس الحديث ويدرّس القراءات ويدرّس الفقه، فالذي وصف أبا عمران بهذا الوصف، هل هو عارف به أم ليس بعارف؟

قالوا: بل هو عارف.

قال: كذلك مَن وصف الله تعالى بالنقائص فهو جاهل بالله تعالى، ومَن وصف الله تعالى بالكمالات فهو عارف بالله تعالى، وبالتالي مَن وصف الله تعالى بالنقائص فهو كافر؛ لأنه جاهل بالله تعالى.

هذه المسألة قريبة من مسألتنا، يعني هل الجهل بالصفات جهلٌ بالموصوفات أم لا؟

كما قلت: الجمهور على أنك قد تجهل بعض صفات الموصوف مع علمك بالموصوف، وبالتالي مَن يصف الله تعالى بالجهة هو جاهل بالله تعالى من هذه الجهة، لكنه عالم بالله تعالى من حيث كونه مستحقًا للعبادة وموصوفًا بكل كمال، منزهًا عن كل نقص، وهكذا .

هناك مسألة ثالثة تتعلق بتكفير الشخص المعين، وهي أن اعتقاد الشيء قد يكون كفراً، لكن الشخص المعين إذا قال به لا يكفر؛ لأن معه شبهة دليل، ليس دليلًا.. شبهة دليل، يعني يظن أن الأدلة المحكمة القاطعة تدل على قوله.

مثلاً.. الإمام تقي الدين السبكي قال بأن القول بفناء النار.. هذا كفر، أما تكفير المعين فلا أقول به.. لم يكفر ابن تيمية، مع تصريحه بأن هذا القول كفر لكنه لم يكفر المعين القائل به؛ لأن معه شبهة دليل.

الخلاصة : أن تنزيه الله تعالى عن كل نقص، هذا التنزيه الإجمالي شرطٌ لصحة الإيمان، يعني من قال: الله تعالى يجوز أن يتصف بالنقائص، هذا كافر .

لكن النقائص قسمان:

هناك نقائص ورد النص الشرعي [القطعي] بتنزيه الله سبحانه وتعالى عنها، كالنسيان والنعاس والنوم والتعب والولد والزوجة، فمن نسب لله تعالى شيئاً منها كفر .

وهناك نقائص باللازم، يعني أمور تستلزم نقصاً في حق الله تعالى استلزاماً، ونفيها بخصوصها لم يأت بنص قطعي، بل نفيها يكون بآيات التنزيه العامة.

فهي:

أولاً: نقائص باللازم.. بما تستلزمه .

ثانياً: قد يكون استلزامها للنقص ليس بيناً.

ثالثاً: قد يكون عند من يثبتها شبهة دليل .

مثل القول بالجهة في حق الله تعالى، فلا يكون تنزيه الله تعالى فيها شرطاً في صحة أصل الإيمان، بل في كمال الإيمان.

لذلك فجمهور العلماء على عدم تكفير القائلين بالجهة، مع الحكم عليهم بالبدعة .

وبالتالي جواب هذا السؤال: هل التنزيه شرطٌ لصحة الإيمان ؟

التنزيه الإجمالي نعم، شرط لصحة الإيمان، لكن التنزيه المختلف فيه بين الفرق الإسلامية ليس شرطاً لصحة الإيمان، [كما ذهب إليه الإمام الغزالي والإمام العز بن عبد السلام والإمام العضد الإيجي]، والله تعالى أعلم.

[وقد طلبتُ من الشيخ عثمان النابلسي أن يكتب لي بعض النصوص في حكم المجسم، لأرفقها مع التفريغ الكتابي لجوابه السابق، لأني رأيت بعض الناس يٌلزمون غيرهم بالتكفير، وينفون وجود أي خلاف في حكم المجسم، ويستهزؤون بالأئمة الذين لم يكفروا المجسمة، وينسبونهم إلى مخالفة الإجماع، فكتب الآتي مشكورا]:

أخي الكريم إسلام ..

رأينا بعض المتشدّقين ينكر على الفقهاء القائلين بتكفير المجسمة، ويتهم الآخذين بأقوالهم بالتعصب المقيت وتفريق الأمة، ويُلقون باللائمة على هؤلاء الفقهاء باعتبارهم سببًا رئيسًا لما وصلت إليه الأمة من تناحر وفرقة!

ورأينا في المقابل مَن ضاقت حوصلته عن فهم الخلاف بين العلماء في حكم المجسّم، فأخذ يوزّع صكوك الكفر على مَن لا يكفّر الوهابية، وفي أحسن أحواله يتهمهم بالمداهنة على حساب الدين، وينسبهم إلى الشذوذ عن إجماع المسلمين.

فميل أولئك إلى التفريط، وميل هؤلاء إلى الافراط، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط.

بل الواجب تقريرالمسائل كما هي عند سادتنا الفقهاء.

ومع ضيق وقتي وشدّة انشغالي، لكنني سأنقل «بعض» نصوص الشافعية الدالة على ثبوت الخلاف في حكم المجسّم، وليس قصدي استقصاء أقوال الفقهاء ومذاهبهم في حكم المجسم، ولا تحقيق المسألة والتوفيق بين الأقوال المختلفة، ولست معنيًا أيضًا بتوضيح النصوص التي يحتج بها منكر الخلاف في المسألة، فلعل أحد الإخوة المشتغلين بالفقه يقوم بذلك، لكن يكفيني الآن أن أورد بعض النصوص التي يثبت بها تحقق الخلاف في المسألة، لكن ههنا مقدمة سريعة بين يدي نصوص الأئمة، تتضمن ثلاث مسائل مهمة، نبّه عليها الإمام الغزالي في «فيصل التفرقة» و«الاقتصاد في الاعتقاد»:

المسألة الأولى: أنّ التكفير حكم شرعي، يرجع إلى إباحة المال وسفك الدم، والحكم بالخلود في النار.

ولا شكّ أن معرفة القول الحق من الباطل، والتمييز بين الاعتقاد الكذب والاعتقاد الصدق، قد يُدرَك بأدلة العقل، ولكنّ كون هذا الباطل والجهل موجباً للتكفير، ومسلطاً على سفك دمه وأخذ أمواله، ومبيحاً لإطلاق القول بأنه مخلد في النار، لا يُدرَك إلا بالشرع.

المسألة الثانية: إذا تقرّر أنّ التكفير حكمٌ شرعي، فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية:

فتارة يدرَك بيقين، وتارة بظن غالب، وتارة يتردد فيه.

ومهما حصل تردد، فالوقف فيه عن التكفير أولى.

ويجوز الفتوى في ذلك بالقطع مرة، وبالظن والاجتهاد أخرى، لمن كان أهلًا للاجتهاد.

المسألة الثالثة: الذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة، المصرحين بقول «لا إله إلا الله محمد رسول الله» خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم.

فعليك أن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، غير مناقضين لها. والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول الله ﷺ، فإن التكفير فيه خطر، والسكوت لا خطر فيه، والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل.

وإليك بعض نصوص الشافعية في تقرير حكم المجسم:

********************

قرّر محققو الشافعية وجود خلاف في حكم المجسّمة داخل المذهب، وأنّ فقهاء المذهب اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:

▪القول الأول: تكفير المجسمة مطلقًا، سواء التزموا بلازم قولهم أم لا، وسواء كان تجسيمهم صريحًا أم لا.

فمن أثبت حقيقة الجهة لله تعالى فهو كافر، وإن لم يقل بما يستلزمه التحيزُ في الجهة من الحدوث والحاجة.

▪القول الثاني: عدم تكفيرهم مطلقًا، سواء كان تجسيمهم صريحًا أو غير صريح، وعليه فمن أثبت الجهة أو الانفصال أو التحيز فلا يكفر، مع الجزم بتبديعه وتضليله.

▪القول الثالث: التفصيل بين المجسم الصريح وبين المجسم باللازم، فمن جسّم تجسيمًا صريحًا فهو كافر، أمّا مَن أثبت ما يستلزم الجسمية -كالجهة- فلا يكفر، إلا إن التزم بالحدوث والافتقار إلى الصانع ونحو ذلك فيكفر.

قال العلامة المحقق البجيرمي في «تحفة الحبيب» مقررًا هذا الخلاف (2/138):

«فتلخص في المجسمة ثلاثة أقوال: التكفير مطلقًا، وعدمه مطلقًا، والتفصيل. والله الهادي إلى سواء السبيل».اهـ

وإليك بعض نصوص الشافعية الدالة على ثبوت الخلاف في حكم المجسمة وأضرابهم، والتي تفيد الأقوال الثلاثة السابقة في كلام البجيرمي:

1-قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في فيصل التفرقة (ص56):

«اعلم أن الذي ذكرناه، مع ظهوره، تحته غور، بل تحته كل الغور، لأن كل فرقة تكفر مخالفها، وتنسبه إلى تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام.

فالحنبلي يكفر الأشعري، زاعماً أنه كذب الرسول في إثبات الفوق لله تعالى، وفي الاستواء على العرش.

والأشعري يكفره زاعماً أنه مشبه وكذب الرسول في أنه (ليس كمثله شيء) […]

… إذ يقول الحنبلي: لا برهان على استحالة اختصاص الباري بجهة فوق.

ويقول الأشعري: لا برهان على استحالة الرؤية.

وكأن كل واحد لا يرضى بما ذكره الخصم، ولا يراه دليلاً قاطعاً.

وكيفما كان، فلا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه، بأن يراه غالطاً في البرهان، نعم يجوز أن يسميه ضالاً أو مبتدعاً:

أما ضالاً، فمن حيث إنه ضل عن الطريق عنده.

وأما مبتدعاً، فمن حيث إنه ابتدع قولاً لم يعهد من السلف الصالح التصريح به، إذ المشهور فيما بين السلف أن الله تعالى يُرى، فقول القائل لا يرى بدعة، وتصريحه بتأويل الرؤية بدعة، بل إن ظهر عنده أن تلك الرؤية معناها مشاهدة القلب، فينبغي أن لا يظهره ولا يذكره، لأن السلف لم يذكروه.

لكن عند هذا يقول الحنبلي: إثبات الفوق لله تعالى مشهور عند السلف، ولم يذكر أحد منهم أن خالق العالم ليس متصلاً بالعالم ولا منفصلاً، ولا داخلاً ولا خارجاً، وأن الجهات الست خالية عنه، وأن نسبة جهة فوق إليه كنسبة جهة تحت، فهذا قول بدع، إذ البدعة عبارة عن أحداث مقالة غير مأثورة عن السلف». اهـ

إن الناظر في هذا الكلام يجد الإمام الغزالي يصرّح بعدم تكفير الجهوية، وكذلك المعتزلة، مع تصحيح تسميتهم مبتدعة.

فقوله: «فلا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه، بأن يراه غالطاً في البرهان، نعم يجوز أن يسميه ضالاً أو مبتدعاً»؛ جليٌ في عدم تكفير القائلين بالجهة الحسية، وهذا يعني أنّه يميل إلى القول الثاني من الأقوال الثلاثة السابقة.

2-وقال الإمام فخر الدين الرازي، في آخر كتابه «تأسيس التقديس» الذي هدم فيه أصول التجسيم، (ص244):

«الفصل الثالث: في أن من يثبت كونه تعالى جسمًا متحيزًا مختصًا بجهة معينة، هل يحكم بكفره أم لا؟

للعلماء فيه قولان:

أحدهما: أنه كافر، وهو الأظهر، وهذا لأن مذهبنا أن كل شيء يكون مختصًا بجهة وحيز، فإنه مخلوق محدَث، وله إله أحدثه وخلقه، وأما القائلون بالجسمية والجهة الذين أنكروا وجود موجود آخر سوى هذه الأشياء التي يمكن الإشارة إليها، فهم منكرون لذات الموجود الذي يُعتقد أنه هو إله العالَم، وإذا كانوا منكرين لذاته كانوا كفارًا لا محالة.

وهذا بخلاف المعتزلي؛ فإنه يثبت موجودًا وراء هذه الأشياء التي يشار إليها بالحس، إلا انه خالفنا في صفات ذلك الموجود، فالمجسمة يخالفوننا في إثبات ذات المعبود ووجوده، فكان هذا الخلاف أعظم، فيلزمهم الكفر لكونهم منكرين لذات المعبود الحق ولوجوده، والمعتزلة يخالفوننا في صفاته لا في ذاته.

والقول الثاني: أنّا لا نكفرهم؛ لأن معرفة التنزيه لو كانت شرطًا لصحة الإيمان لوجب على الرسول ﷺ أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يتفحص أنّ ذلك الإنسان هل عرف الله بصفات التنزيه أو لا، وحيث حكم بإيمان الخلق من غير هذا التفحص، علمنا أن ذلك ليس شرطًا للإيمان».اهـ

أقول: وهذا نصٌ من الإمام الرازي في وقوع الخلاف في حكم المجسم، ومقصوده بالمجسم هنا مَن يعتقد حقيقة الجسمية في الله تعالى، حيث وصفه الإمام الرازي بقوله: «من يثبت كونه تعالى جسمًا متحيزًا مختصًا بجهة معينة».

وقوله: «للعلماء فيه قولان» نصٌ صريح في وقوع الخلاف في المجسم الحقيقي.

ثم اختار الإمام الرازي أنّ هذا المجسم كافر؛ لأنه لم يعبد الله تعالى حقيقة، بل عبدًا جسمًا، والباري تعالى ليس بجسم.

وذكر الإمام الرازي أنّ للعلماء قولًا آخر، وهو عدم تكفير المجسم، ودليلهم في ذلك هو أنّ النبي ﷺ حكم بإيمان الخلق من غير أن يتفحص أنّ ذلك الإنسان هل عرف الله بصفات التنزيه أو لا، فدلّ ذلك على أنّ تنزيه الله تعالى عن الجسمية ليس من شروط الإيمان.

وهذا الدليل أحدُ الأدلة التي احتج بها الإمامان الكبيران العز بن عبد السلام وعضد الدين الإيجي على نفي تكفير المجسم.

3-قال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام في «قواعد الأحكام» (1/201-203):

«وكذلك اختلف الناس: أَلَه جهةٌ أم لا جهة له، مما يطول النزاع فيه ويعسر الوقوف على أدلته.

وقد تردد أصحاب الأشعري -رحمهم الله- في القِدَم والبقاء، أهما من صفات السلب أم من صفات الذات؟

وقد كثرت مقالات الأشعري، حتى جمعها ابن فورك في مجلدين، وكل ذلك مما لا يمكن تصويب للمجتهدين فيه، بل الحق مع واحد منهم، والباقون مخطئون خطأ معفوًا عنه؛ لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه، ولا سيما قول معتقد الجهة؛ فإن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به، ولا داخل فيه ولا خارج عنه، لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة، ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك، عسرة الفهم، فلأجل هذه المشقة عفا الله عنها في حق العادي.

ولذلك كان ﷺ لا يلزم أحدًا ممن أسلم على البحث عن ذلك، بل كان يقرهم على ما يعلم أنه لا انفكاك لهم عنه، وما زال الخلفاء الراشدون والعلماء المهتدون يقرون على ذلك مع علمهم بأن العامة لم يقفوا على الحق فيه، ولم يهتدوا إليه، وأجروا عليهم أحكام الإسلام من جواز المناكحات والتوارث والصلاة عليهم إذا ماتوا، وتغسيلهم وتكفينهم وحملهم ودفنهم في مقابر المسلمين، ولولا أن الله قد سامحهم بذلك وعفا عنه لعسر الانفصال منه، ولما أجريت عليهم أحكام المسلمين بإجماع المسلمين، ومن زعم أن الإله يحل في شيء من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر؛ لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة التجسم على الناس، فإنهم لا يفهمون موجودًا في غير جهة، بخلاف الحلول فإنه لا يعم الابتلاء به، ولا يخطر على قلب عاقل، ولا يعفى عنه […]

… وقد رجع الأشعري -رحمه الله- عند موته عن تكفير أهل القبلة؛ لأن الجهل بالصفات ليس جهلًا بالموصوفات، وقد اختلف في عبارات والمشار إليه واحد، وقد مثل ما ذكره -رحمه الله- بمن كتب إلى عبيده يأمرهم بأشياء، وينهاهم عن أشياء، فاختلفوا في صفاته مع اتفاقهم على أنه سيدهم فقال بعضهم: هو أكحل العينين، وقال آخرون أزرق العينين، وقال: بعضهم هو أدعج العينين، وقال بعضهم هو ربعة، وقال آخرون بل هو طوال.

وكذلك اختلفوا في لونه: أبيض أو أسود أو أسمر أو أحمر.

فلا يجوز أن يقال: إن اختلافهم في صفته اختلاف في كونه سيدهم المستحق لطاعتهم وعبادتهم، فكذلك لا يكون اختلاف المسلمين في صفات الإله اختلافًا في كونه خالقهم وسيدهم المستحق لطاعتهم وعبادتهم.

وكذلك اختلف قوم في صفات أبيهم مع اتفاقهم على أنه أصلهم الذي خلقوا من مائه، ولا يكون اختلافهم في أوصافه اختلافًا في كونهم نشئوا عنه وخلقوا منه.

فإن قيل: يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه في جهة أن يكون حادثًا؟

قلنا: لازم المذهب ليس بمذهب، لأن المجسمة جازمون بأنه في جهة، وجازمون بأنه قديم أزلي، ليس بمحدث، فلا يجوز أن ينسب إلى مذهب من يصرح بخلافه، وإن كان لازمًا من قوله.

والعجب أن الأشعرية اختلفوا في كثير من الصفات، كالقدم والبقاء والوجه واليدين والعينين.

وفي الأحوال، كالعالمية والقادرية، وفي تعدد الكلام واتحاده، ومع ذلك لم يكفر بعضهم بعضًا، واختلفوا في تكفير نفاة الصفات مع اتفاقهم على كونه حيًا قادرًا سميعًا بصيرًا متكلمًا، فاتفقوا على كماله بذلك، واختلفوا في تعليله بالصفات المذكورة […]

… فائدة: اتفق المسلمون على أن الله موصوف بكل كمال، بريء من كل نقصان، لكنهم اختلفوا في بعض الأوصاف، فاعتقد بعضهم أنها كمال فأثبتها له، واعتقد آخرون أنها نقصان فنفوها عنه، ولذلك أمثلة […]

… المثال الثاني: اختلاف المجسمة مع المنزهة: لو كان جسمًا لكان حادثًا ولفاته كمال الأزلية».اهـ كلام الإمام العز

لا يخفى أنّ الإمام العز بن عبد السلام يفصّل هنا الأدلة على نفي تكفير المجسمة والجهوية.

ومع قطعه ببطلان القول بالجهة في حق الله تعالى، واختياره عدم تكفير القائل بالجهة، نجده أيضًا يعذر العادي القائل بالجهة، فيقول:

«..بل الحق مع واحد منهم، والباقون مخطئون خطأ معفوًا عنه؛ لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه، ولا سيما قول معتقد الجهة».

واستدل الإمام العز بن عبد السلام على نفي الكفر عن القائل بالجهة بخمسة أدلة كالآتي:

الدليل الأول: أن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به..إلخ، لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة، بل بأدلة صعبة المدرك عسرة الفهم، فلأجل مشقة الخروج منه والانفكاك عنه، كان القول بالجهة معفوًا عنه.

الدليل الثاني: أن النبي ﷺ كان لا يُلزم أحدًا ممن أسلم على البحث عن ذلك، بل كان يقرهم على ما يعلم أنه لا انفكاك لهم عنه.

الدليل الثالث: أن الخلفاء الراشدين والعلماء المهتدين ما زالوا يقرون على ذلك مع علمهم بأن العامة لم يقفوا على الحق فيه، ولم يهتدوا إليه، وأجروا عليهم أحكام الإسلام من جواز المناكحات والتوارث ودفنهم في مقابر المسلمين..إلخ، ولولا أن الله قد سامحهم بذلك وعفا عنه، لعسر الانفصال منه، ولما أجريت عليهم أحكام المسلمين بإجماع المسلمين.

الدليل الرابع: أن الجهل بالصفات ليس جهلًا بالموصوفات.

الدليل الخامس: أن لازم المذهب ليس بمذهب، لأن المجسمة جازمون بأنه متحيز في جهة، وجازمون بأنه قديم أزلي ليس بمحدث.

ثم بين أنّ المجسمة من أهل الإسلام ليسوا كفارًا، حيث أدرج خلافهم ضمن الخلاف الواقع بين «المسلمين»، فقال:

«اتفق المسلمون على أن الله موصوف بكل كمال، بريء من كل نقصان، لكنهم اختلفوا في بعض الأوصاف […]

..المثال الثاني: اختلاف المجسمة مع المنزهة، لو كان جسمًا لكان حادثًا ولفاته كمال الأزلية».اهـ

ولا أرى كلامًا أصرح وأوضح من كلام الإمام العز بن عبد السلام في نفي التكفير عن المجسمة، ومعلوم أنّ الإمام العز قد بلغت إليه رئاسة المذهب في وقته، وبلغ رتبة الاجتهاد التي لا ينالها إلا مَن عرف مواقع الإجماع والخلاف، فإذا لم يكن خلافه معتبرًا فاقرأ على العلم السلام!

ولذلك قال العلامة النفراوي المالكي في «الفواكه الدواني» (1/94):

«وقع نزاع في تكفير المجسم، قال ابن عرفة: الأقرب كفره، واختيار العز عدم كفره؛ لعسر فهم العوام برهان نفي الجسمية».اهـ

ومن خلال النص السابق يُعلَم أن الإمام العز ذهب إلى القول الثاني في حكم المجسم.

4-قال الإمام الأذرعي:

«المشهور عدم تكفير المجسمة وإن قالوا جسم كالأجسام».اهـ

نقله ابن حجر الهيتمي في «الفتاوى الحديثية»، والخطيب الشربيني في «مغني المحتاج».

وهذا الذي ذهب إليه الإمام الأذرعي، هو القول الثاني من أقوال الشافعية السابقة في حكم المجسمة، كما سبق في كلام البجيرمي.

والإمام الأذرعي من أئمة الشافعية الكبار، ويعدّ من أهم مصادر شيخ الإسلام زكريا الأنصاري.

5-قال الإمام القاضي عضد الدين الإيجي الشافعي في «المواقف» في علم الكلام (ص392):

«المقصد الخامس: في أن المخالف للحق من أهل القبلة هل يكفر أم لا؟

جمهور المتكلمين والفقهاء على أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة.

والمعتزلة الذين قبل أبي الحسين تحامقوا فكفروا الأصحاب، فعارضهم بعضنا بالمثل.

وقد كفر المجسمة مخالفوهم.

وقال الأستاذ: كل مخالف يكفرنا فنحن نكفره، وإلا فلا.

لنا: أن المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة، من كون الله تعالى عالمًا بعلم، أو موجِدًا لفعل العبد، أو غير متحيز ولا في جهة، ونحوها، لم يبحث النبي ﷺ عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها، ولا الصحابة ولا التابعون، فعُلِم أن الخطأ فيها ليس قادحًا في حقيقة الإسلام.

فإن قيل: لعله ﷺ عرف منهم ذلك فلم يبحث عنها، كما لم يبحث عن علمهم بعلمه وقدرته مع وجوب اعتقادهما.

قلنا: مكابرة، والعلم والقدرة مما يتوقف عليه ثبوت نبوته ﷺ، فكان الاعتراف بها دليلًا للعلم بهما».اهـ

يتبين من كلام القاضي العضد عدم تكفير المجسمة القائلين بتحيز الله تعالى في جهة، واستدل على ذلك بما سبق في كلام الإمام العز بن عبد السلام، من أنّ النبي ﷺ حكم بإسلام كثير من الأعراب وغيرهم، ولم يبحث عن اعتقادهم في مثل هذه المسائل، ككون الله تعالى غير متحيز ولا في جهة، ولا الصحابة ولا التابعون بحثوا عن ذلك عند من حكموا بإسلامه، فعُلِم أن الخطأ فيها ليس قادحًا في حقيقة الإسلام، وأن القائلين بهذه المعتقدات لا يخرجون من دائرة الإسلام.

ثم شرع في إبطال ما يخالف الحكم بإسلام أهل القبلة الذين خالفوا الحق في هذه المسائل، فقال:

«ولنذكر الآن ما كفر به بعض أهل القبلة، ونفصل القول عنها، وفيه أبحاث..».اهـ

ثم شرع في إبطال ما يستدلّ به مكفرو المجسمة، وسأسوق كلامه ممزوجًا بشرح السيد الشريف الجرجاني (8/343):

«(قد كُفّر المجسمة بوجوه:

الأول: أن تجسمه جهل به.

وقد مر جوابه)، وهو أن الجهل باللّه من بعض الوجوه لا يضر.

(الثاني: أنه عابد لغير اللّه) فيكون كافرًا (كعابد الصنم.

قلنا: ) ليس المجسم عابدًا لغير اللّه (بل هو معتقدٌ في اللّه الخالق الرازق العالم القادر ما لا يجوز عليه، مما قد جاء به الشرع على تأويل، ولم يؤوله) فلا يلزم كفره (بخلاف عابد الصنم، فإنه عابد لغير اللّه حقيقة.

(الثالث: لقد كفر الذين قالوا إن اللّه هو المسيح ابن مريم، وما ذلك) الكفر (إلا لأنهم جعلوا غير اللّه إلهًا، فلزم الشرك، وهؤلاء) المجسمة (كذلك) لأنهم جعلوا الجسم الذي هو غير اللّه إلهًا.

(قلنا: ما ذكرتموه ممنوع، والمستند ما تقدم) من أنه اعتقد في اللّه ما لا يجوز عليه، فلم يجعل غير اللّه إلهًا حتى يكون مشركًا».اهـ

ولا شبهة في أنّ هذا الكلام من الإمام العضد في المجسم الحقيقي، ومع ذلك نراه لا يكفّر هؤلاء المجسمة، بل يردّ على أدلة مَن كفّرهم، فهو أيضًا ممن ذهب إلى القول الثاني في حكم المجسم.

6-قال الإمام الإسنوي في «نهاية السول» (ص268):

«فإن كان الكافر يصلي لقبلتنا، فكالمجسم وغيره إن قلنا بتكفيره؛ ففيه خلاف..». اهـ

وهذا تصريح بوقوع الخلاف في حكم المجسم.

7- وقال الإمام بدر الدين الزركشي «في البحر المحيط» (8/280):

«وأما المخطئ في الأصول، والمجسمة، فلا شك في تأثيمه وتفسيقه وتضليله، واختلف في تكفيره:

وللأشعري قولان.

قال إمام الحرمين وابن القشيري وغيرهما: وأظهر مذهبيه ترك التكفير».اهـ

أقول: يقرر الإمام الزركشي وقوع الخلاف في تكفير المجسمة، بعد الجزم بتضليلهم، وينقل عن الإمام الأشعري قولين في ذلك، ويذكر أنّ إمام الحرمين والإمام القشيري قرّرا أنّ عدم تكفير المجسم هو أظهر قولي الأشعري.

وقد مال الإمام الزركشي في «المنثور في القواعد» إلى عدم التكفير أيضًا، وهذا كاف في إثبات الخلاف في حكم المجسم.

8-قال الإمام كمال الدين الدميري الشافعي، الفقيه المحدث اللغوي، في «النجم الوهاج» (10/322):

«قال [النووي]: (وَتُقبَلُ شَهَادَةُ مُبتَدِعٍ لاَ نُكَفِّرُهُ).

المبتدع: من أحدث في الشريعة ما لم يكن في عهد النبي ﷺ، كمذاهب القدرية، والجبرية، والمرجئة، والمجسمة، والرافضة، فهؤلاء قبول شهادتهم مبني على تكفيرهم، فمن كفرهم لم يقبل شهادتهم، ومن لم يكفرهم -وهم الأكثرون- اختلفوا فيهم:

قال زاهر السرخسي: لما قرب أجل أبي الحسن الأشعري دعاني وقال: «اشهد علي أني لا أكفر أحدًا من أهل القبلة؛ لأن الجميع يشيرون إلى معبود واحد».

والذي نص عليه الشافعي والجمهور: أن شهادة جميعهم مقبولة إلا الخطابية، وهم أصحاب أبي الخطاب الأسدي الكوفي، كان يقول بإلهية جعفر الصادق..إلخ».اهـ

وهذا نصٌّ على تحقق الخلاف في تكفير القدرية والمجسمة ونحوهم من أهل البدع، وأن الأكثرين على عدم تكفيرهم.

ونلاحظ هنا أنّ النص الذي نقله الإمام الدميري عن الشافعي، اقتصر فيه على ردّ شهادة الخطابية دون المجسمة والقدرية، إلا أنّه نُقل في بعض الكتب بزيادة المجسمة إلى الخطابية، وهو غلط على الإمام الشافعي، فإن الاقتصار على الخطابية هو الذي حكاه واعتمده أهل العلم بالمذهب رواية ودراية، فقد حكاه الخطيب البغدادي عن الإمام الشافعي في «الكفاية في علم الرواية» (ص120)، ونقله أيضًا الإمام الروياني في «بحر المذهب».

وهو الذي اعتمده الإمام النووي في شرح مسلم (7/160)، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وقال في «انتقاض الاعتراض» (2/533):

«وقد قال الشافعيّ: (أقبل شهادة أهل الأهواء إِلَّا الخطابية من الرافضة).

لكن هذا المعترض بمعزل عن هذه الأمور..».اهـ

9-قال الإمام تقي الدين الحصني في «كفاية الأخيار» (ص495):

«لكن هنا تنبيه، هو أن المجسمة ملتزمون بالألوان والاتصال والانفصال، وكلام الرافعي في كتاب الشهادات يقتضي أن المشهور أنّا لا نكفرهم، وتبعه النووي على ذلك.

إلا أن النووي جزم في صفة الصلاة من «شرح المهذب» بتكفير المجسمة.

قلت: وهو الصواب الذي لا محيد عنه، إذ فيه مخالفة صريح القرآن، قاتل الله المجسمة والمعطلة ما أجرأهم على مخالفة من: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، وفي هذه الآية رد على الفرقتين، والله أعلم». انتهى

-وقال أيضًا (ص568):

«وقد ذكر النووي قبل هذا ما يقتضي قبول شهادة المجسمة، لكنه جزم في شرح المهذب بتكفيرهم، ذكره في صفة الأئمة، فلينتبه له».اهـ

يظهر أنّ الإمام تقي الدين الحصني ذهب إلى القول الأول من الأقوال الثلاثة في حكم المجسمة، وهو التكفير مطلقًا.

ونقل عن الإمام الرافعي أن المشهور في المذهب عدم تكفير المجسمة، مع التزامهم بالألوان والاتصال والانفصال، وأن الإمام النووي وافقه على ذلك في موضع.

ومصطلح «المشهور» عند الشافعية يدل على أن الخلاف في أقوال الشافعي، وأن هذا القول هو الراجح ومقابله مرجوح.

وذكر الإمام التقي الحصني أن للإمام النووي قولًا آخر خلاف المشهور، قررّه في المجموع شرح المهذب، يجزم فيه بتكفير هؤلاء المجسمة القائلين بالألوان والاتصال والانفصال.

أقول: وعبارة الإمام النووي جلية في تكفير المجسم الصريح، قال في المجموع (4/150):

«قد ذكرنا أن من يكفر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه، ومن لا يكفر تصح، فممن يكفر من يجسم تجسيمًا صريحًا، ومن ينكر العلم بالجزئيات».اهـ

وما ذكره التقي الحصني من كلام الإمام الرافعي في القائلين بالألوان والاتصال والانفصال، وموافقة النووي على ذلك تارة، وتكفيره لهم تارة أخرى، يدل على ثبوت الخلاف في حكم المجسم عند السادة الشافعية.

11-قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في «الغرر البهية» (1/450):

«وخرج بــ«ما كفرت» المزيد هنا على الحاوي، مَن كفّرتْه بدعتُه، كالمجسمة، ومنكري البعث والحشر للأجسام، وعلم الله بالمعدوم وبالجزئيات، لإنكارهم ما علم مجيء الرسول به ضرورة، فلا يجوز الاقتداء به، وحكمه حكم غيره من الكفار». أهـ

أقول: يظهر أن الإمام زكريا الأنصاري ذهب في هذا الموضع إلى القول الأول من الأقوال الثلاثة في حكم المجسمة، وهو إطلاق القول بكفرهم، دون تفصيل بين المجسم الصريح وغير الصريح، ودون تفريق بين مَن التزم بلوازم الجسمية كالحدوث والافتقار إلى الصانع وبين مَن لم يلتزم.

لكنّ أصحاب الحواشي عليه قيّدوا حكمه بمن التزم بلوازم الجسمية، فقال العبادي:

«(قوله كالمجسمة) كذا في شرح المهذب وغيره، ويتعين حمله على من يزعم أنه تعالى جسم كالأجسام، أو يعتقد لزوم شيء من لوازم الجسمية للذات المقدس، حجر». اهـ

وبهذا التقييد يندرج قول شيخ الإسلام ضمن القول الثالث من أقوال الشافعية في المجسمة، وهو التفصيل، أما إذا أخذنا قوله على ظاهره فهو جار على القول الأول.

12-وقال الإمام زكريا الأنصاري في «أسنى المطالب» (4/117 مع حاشية الرملي):

«وأورد [النووي] في المهمات على الأخير أن المجسمة ملتزمون بالألوان، مع أنّا لا نكفرهم على المشهور، كما سيأتي في الشهادات.

قال: لكن في شرح المهذب في صفة الأئمة الجزم بتكفيرهم».اهـ

أقول: ينقل شيخ الإسلام قولين عن الإمام النووي:

الأول: أن المجسمة مع التزامهم بالألوان في حق الله تعالى، إلا أنّ مشهور المذهب عدم تكفيرهم.

والثاني: الجزم بتكفيرهم.

فيتحصل من كلام الإمام النووي قولان في حكم المجسمة.

إلا أن شيخ الإسلام لم يبيّن في هذا الموضع أيهما أصح، لكن ههنا حاشية مهمة للإمام شهاب الدين الرملي، تلميذ شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وشيخ الإمام ابن حجر الهيتمي، حيث رجّح عدم تكفير أولئك المجسمة، ونقل عن شيخه الإمام زكريا الأنصاري أن الأصح عدم تكفيرهم، كما يتبين من النقل الآتي:

13-قال الإمام الرملي مُحشيًا على النص السابق لشيخ الإسلام:

«(قوله: مع أنّا لا نكفرهم على المشهور)، وهو الراجح.

(قوله: قال: لكن في شرح المهذب في صفة الأئمة إلخ).

قال شيخنا: الأصح الأول».اهـ

ولا يخفى أنّ الكلام عن المجسمة الملتزمين بالألوان!

ويؤكّد الإمام الرملي أنّ المشهور عدم تكفير المجسم القائل بالجلوس والقيام في حق الله تعالى، تعالى الله عن ذلك، فيقول في الصفحة التي تلي النص السابق (5/118):

«(أو لو شهد) عندي نبي (بكذا أو ملك، لم أقبله) أو قال: إن الله جلس للإنصاف، أو قام للإنصاف، كما ذكره الأصل، وكأن المصنف تركه لأن قائله مجسم والمشهور عدم تكفيره».اهـ

أقول: وهذا صريح في أنّ المجسم المختلف في كفره هو المجسم الحقيقي، الذي ينسب إلى الله تعالى الجلوس والقيام والألوان ونحو ذلك.

واعتماد الإمام الرملي الكبير أنّ المجسم لا يكفر بناء على مشهور المذهب، ونقله ذلك عن شيخ الإسلام أيضًا، يدل دلالة صريحة على وقوع الخلاف في المذهب في حكم المجسم، وأن الإمام الرملي اختار القول الثاني من الأقوال الثلاثة في حكم المجسمة.

والإمام الرملي هو الذي قال في حقه ابن حجر في «الفتاوى الكبرى» (2/79): «أجلُّ جماعته [أي جماعة الشيخ زكريا الأنصاري]، محقق أهل عصره باتفاق أهل مصره، شيخنا شهاب الدين الرملي الأنصاري».اهـ

14-وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية (ص108):

«..لأن المنقول المعتمد عندنا عدم كفر الجهوية والمجسمة، إلا إن اعتقدوا الحدوث أو ما يستلزمه. ولا نظر إلى لازم مذهبهم؛ لأن الأصح في الأصول أن لازم المذهب ليس بمذهب، لجواز أن يعتقد الملزوم دون اللازم، ومن ثم قلنا: لو صرح باعتقادِ لازمِ الجسمية كان كافرًا.

وقال الأذرعي وغيره: المشهور عدم تكفير المجسمة، وإن قالوا جسم كالأجسام، أي لأنهم مع ذلك قد لا يعتقدون لوازم الأجسام […]

… وحينئذ فينبغي كفر زاعم الرؤية بالعين في الدنيا مطلقًا، بخلاف المجسمة.

قلت: بعد أن قرر الأئمة وعلماء الأمة وحفاظ الملة تلك الآيات والأحاديث وصرفوها عن ظواهرها كما تقرر، لم يبق لأحد عذر في اعتقاد ظواهرها، فمن فعل ذلك:

1-فقيل: يكفر مطلقًا.

2-وقيل: إن قال جسم كالأجسام كفر، وإلا فلا، وعليه جرى النووي رحمه الله في موضع.

3-وقيل: لا يكفر مطلقًا، وهو المشهور من مذهبنا، ما لم يضم لذلك اعتقاد بعض تلك اللوازم كما مر».اهـ

فأنت ترى أن الإمام ابن حجر يقرّر وجود خلاف في حكم المجسم عند الشافعية، بل وينقل عن الإمام الأذرعي عدم تكفير المجسم الصريح القائل: «جسم كالأجسام»، إلا إذا اعتقد لوازم الأجسام من الحدوث والافتقار إلى الصانع ونحو ذلك.

وينقل الإمام ابن حجر ثلاثة أقوال في حكم معتقد المتشابهات على ظواهرها: أولها التكفير، وثانيها التفصيل، وثالثها عدم التكفير مطلقًا.

وقال عن عدم التكفير مطلقًا: (وهو المشهور من مذهبنا)، بشرط ألا يعتقد ما تقتضيه الجسمية من الحدوث، وما يستلزمه الحدوث من الحاجة إلى المخصّص ونحو ذلك، ولذلك صدّر كلامه بقوله:

«..المنقول المعتمد عندنا عدم كفر الجهوية والمجسمة، إلا إن اعتقدوا الحدوث أو ما يستلزمه».اهـ

15-وقد نصّ الإمام ابن حجر الهيتمي في شرح المقدمة الحضرمية على الخلاف في تكفير المجسم، قال (ص165):

«أما من يكفر ببدعته كمنكر علم الله بالجزئيات وبالمعدوم والبعث والحشر للأجساد، وكذا المجسم على تناقض فيه، والقائل بالجهة على قولٍ نُقِلَ عن الأئمة الأربعة، فلا يصح الاقتداء به كسائر الكفار».اهـ

أقول: ها هو الإمام ابن حجر الهيتمي ينقل الخلاف في حكم المجسم بقوله: «على تناقض فيه»، كما ينقل قولًا في تكفير الجهوية عن الأئمة الأربعة، لكن لا ينقله بصيغة الجزم.

أما فيما يتعلق بالإمام الشافعي على وجه الخصوص، فقد قرّر الإمام الرافعي والنووي وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري والرملي وغيرهم من محققي المذهب، أن «المشهور» هو عدم تكفير المجسمة، وهذا يعني أن للإمام الشافعي أكثر من قول في المسألة، وأنّ الراجح منها عدم التكفير؛ لأن مصطلح «المشهور» عند الشافعية يُعَبّر به عن القول الراجح من قولي أو أقوال الإمام الشافعي، إذا كان الخلاف بينها ضعيفًا.

ومثل هذا الخلاف منقول عن الإمام أبي الحسن الأشعري، حيث ذهب في كتاب «النوادر» إلى تكفيرالمجسمة، وله قول آخر في عدم التكفير، وسبق قول الإمام الزركشي في «البحر المحيط» (8/280):

«..وللأشعري قولان؛ قال إمام الحرمين وابن القشيري وغيرهما: وأظهر مذهبيه ترك التكفير».اهـ

وسبق أن الإمام عضد الدين الإيجي ذهب إلى ما ذهب إليه إمام الحرمين وابن القشيري.

16-قال العلامة الترمسي مُحشيًا على قول ابن حجر السابق: «وكذا المجسم على تناقض فيه» (3/137):

«قوله: (وكذا المجسم) أي القائل بأن الله جسم (على تناقض فيه) أي: والمعتمد عدم كفره، وكذا القائل بالجهة.

وما في المجموع والتحقيق وغيرهما من كفره، يحمل إن قيل باعتماده على من يزعم أنه جسمٌ كالأجسام، أو يعتقد لحوق بعض لواحق الجسم له، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا.

والحاصل أنّ مدّعي الجسمية والجهة إن زعم واحدًا من هذه كفر، وإلا فلا؛ لأنّ الأصح أنّ لازم المذهب ليس بمذهب، وظاهره وإن كان لازمًا بينًا، وهو كذلك؛ لجواز أن لا يعتقد اللازم وإن كان بينًا.

ومعنى قولهم: «ليس بمذهب» أنه لا يحكم به بمجرد لزومه، فإن اعتقده فهو مذهبه، ويترتب عليه حكمه اللائق..». اهـ

نرى العلامة الترمسي يقرّر أن المعتمد عدم كفر القائل بالجسمية أو بتحيز الله في جهة، إلا إن اعتقد بثبوت لواحق الإجسام لله تبارك وتعالى، كالحدوث والافتقار إلى الخالق ونحو ذلك، وقد سبق هذا في قول الإمام ابن حجر:

«..لأن المنقول المعتمد عندنا عدم كفر الجهوية والمجسمة، إلا إن اعتقدوا الحدوث أو ما يستلزمه. ولا نظر إلى لازم مذهبهم».اهـ

17-وقال الإمام ابن حجر في التحفة (9/102 مع الحواشي):

«..أو اعتقد حدوثه أو قدم العالم، أو نفى ما هو ثابت للقديم إجماعًا كأصل العلم مطلقًا، أو بالجزيئات، أو أثبت له ما هو منفي عنه إجماعًا، كاللون أو الاتصال بالعالم أو الانفصال عنه، فمدعي الجسمية أو الجهة إن زعم واحدًا من هذه كفر، وإلا فلا؛ لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بمذهب، ونوزع فيه بما لا يجدي.

وظاهر كلامهم هنا الاكتفاء بالإجماع وإن لم يعلم من الدين بالضرورة، ويمكن توجيهه بأن المجمع عليه هنا لا يكون إلا ضروريًا، وفيه نظر، والوجه أنه لا بد من التقييد به هنا أيضًا، ومن ثم قيل أخذًا من حديث الجارية: يغتفر نحو التجسيم والجهة في حق العوام؛ لأنهم مع ذلك على غاية من اعتقاد التنزيه والكمال المطلق».اهـ

أقول: ذكر الإمام ابن حجر أولًا أن المجسم والجهوي إذا أثبت لله تعالى لونًا أو اتصالًا أو انفصالًا بالحيز والجهة، فهو كافر، وذكر أنّ علّة هذا عند الأصحاب هي مخالفة الإجماع.

ومن المعلوم أنّ مخالفة الإجماع في غير الضروري من الدين لا تُخرج صاحبها من الملة، فاحتمل ابن حجر أن يكون مقصودهم أنّ إثبات تلك الأمور مخالف للإجماع في أمر من ضروريات الإسلام، لكنّه تعقّب ذلك بقوله: «وفيه نظر»، لأنّ هذه الأمور وإن كانت باطلة عقلًا ونقلًا، لكنها ليست من المعلوم من الدين بالضرورة، كما قال الإمام الغزالي والإمام العز بن عبد السلام والقاضي عضد الدين الإيجي، لذلك قرّر الإمام ابن حجر في نهاية كلامه أن اعتقاد التجسيم والجهة مغتفر في حق العوام، فقال: «ومن ثم قيل أخذًا من حديث الجارية: يغتفر نحو التجسيم والجهة في حق العوام».اهـ

وقد حشّى عليه العلامة الشرواني فقال:

«قوله: (يغتفر نحو التجسيم إلخ) ظاهره وإن زعموا شيئًا مما ذُكر، وإلا فلا وجه للاستثناء.اهـ سيد عمر».اهـ

وهذا ما سبق في كلام الإمام الأذرعي والرملي.

18-وقال الإمام الشربيني في «مغني المحتاج» (5/429):

«تنبيه: اختلف في كفر المجسمة:

قال في المهمات: المشهور عدم كفرهم.

وجزم في شرح المهذب في صفة الأئمة بكفرهم.

قال الزركشي في خادمه: وعبارة شرح المهذب: «من جسم تجسيمًا صريحًا». وكأنه احترز بقوله «صريحًا» عمن يثبت الجهة، فإنه لا يكفر كما قاله الغزالي.

وقال الشيخ عز الدين: إنه الأصح.

وقال في قواعده: إن الأشعري رجع عند موته عن تكفير أهل القبلة؛ لأن الجهل بالصفات ليس جهلًا بالموصوفات اهـ».انتهى

وهذا نصٌ صريح في الخلاف في كفر المجسم، ويبدو أنّ الإمام الخطيب يميل في هذا الموضع إلى عدم تكفير القائل بالجهة، حيث نقل عن الإمام الغزالي والعز بن عبدالسلام مقرًا.

19-وقال أيضًا (5/431):

«صرح بذلك كله في الروضة، وفيها أيضًا:

لو قال: فلان في عيني كاليهودي والنصراني في عين الله أو بين يدي الله:

-فمنهم من قال كفر.

-ومنهم من قال: إن أراد الجارحة كفر، وإلا فلا.

-قال الأذرعي: والظاهر أنه لا يكفر مطلقًا لأنه ظهر منه ما يدل على التجسم، والمشهور أنا لا نكفر المجسمة».اهـ

أقول: ?

https://www.facebook.com/groups/202140309853552/permalink/4640051986062340

السابق
[2] هل صحيح أن الأشاعرة لم يهتموا ببيان الشرك في كتبهم ولا حذّروا من عبادة غير الله، ولذلك وقعوا فيه؟
التالي
2-شرح نظم “نصيحة الأمة الإسلامية بالحذر من الفرقة الوهابية” للعلامة محمد الحسن ولد الخديم.