بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الحق المبين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وعلى من اقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن من الشبهات المتكررة التي يُروّج لها أهل التجسيم – قديمًا وحديثًا – للطعن في مذهب أهل السنة والجماعة من الأشاعرة، قصةٌ شهيرة تُنسب إلى الإمام الجليل، ناصر السنة، أبي المعالي الجويني – رحمه الله – عُرفت بعبارة: “حيّرني الهمداني”، زاعمين أنه بها قد تراجع عن مذهبه الأشعري، أو أُفحم مناظرًا في مسألة العلو والجهة.
وقد شاع تردادها في كتب ابن القيم والذهبي، وركب الموجة من بعدهم أتباعهم من الوهابية وغيرهم، فجعلوها شاهدًا على زعزعة أساس المدرسة الأشعرية، وتهدم أصولها من داخلها – زعموا.
لكن الحق لا يُدفع بالعاطفة، ولا تقوم العقيدة على الأوهام والحكايات، بل على الدليل الموثق، والبرهان المستقيم. وفيما يلي تفنيد علمي منهجي لهذه القصة من ثلاثة أوجه: السند، التاريخ، والدلالة:
أولًا: سقوط الرواية من جهة السند
هذه القصة لم تُروَ بسندٍ صحيح ولا حتى ضعيف، بل رُويت مرسلة دون إسناد، نقلها ابن القيم في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية، ثم تبعه الذهبي في بعض مواضع السير، ولم يذكرا لها سندًا إلى راوٍ معتمد، فضلًا عن اتصالٍ أو ثقةٍ أو تحرير.
وقد كان من تلامذة الإمام الجويني أئمة أعلام، أمثال الغزالي، والكرماني، وابن برجان، وغيرهم، ولم يُرو عن أحدٍ منهم إشارة أو تلميح إلى هذه القصة!
فلو صحت لكانت من أشهر ما يُتناقل، بل لبادر إلى نقلها خصومه المعاصرون في سياق الرد والتشنيع، لكن السجلات التاريخية خلت منها تمامًا، مما يُسقطها سندًا وعقلًا.
ثانيًا: الاستحالة التاريخية
من أعجب ما في القصة – وأكثره سقوطًا – أن الرجل الذي نُسبت إليه المناظرة، وهو أبو جعفر الهمداني، وُلد بعد وفاة الإمام الجويني!
فالإمام الجويني توفي سنة ٤٧٨ هـ، بينما توفي أبو جعفر الهمداني سنة ٥٣١ هـ، وبين وفاتيهما ٣٥ سنة كاملة.
بل لو افترضنا ولادة أبي جعفر الهمداني في سنة ٤٩٠ هـ – كما هو أقرب تقدير معتمد – فهذا يعني أن الجويني توفي قبل أن يولد الهمداني باثنتي عشرة سنة على الأقل، فأين المجلس؟ وأين المناظرة؟ بل أين الزمان الذي جمع بين رجلين لم يتلاقيا أصلًا في الحياة؟!
وهذا كافٍ وحده في إسقاط القصة تاريخيًا دون حاجة إلى إعمال مزيد من النقد.
ثالثًا: ضعف الدلالة وبطلان الاستنتاج
ولو فرضنا – جدلًا – أن القصة وقعت، فإنها لا تتضمن تراجعًا عن المذهب، ولا عدولًا عن القول الحق.
العبارة المنسوبة: “ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة إلى العلو” هي عبارة وجدانية عاطفية، لا تؤسس برهانًا، ولا تقيم حجة.
فمن الناس من إذا دعا الله رفع يديه إلى السماء، ومنهم من يبكي، ومنهم من يسجد، ولا يلزم من كل ذلك إثبات الجهة أو المكان لله تعالى – حاشاه سبحانه – فهذه أحوال القلوب لا أدلة العقول.
وما ذهب إليه المجسمة من أن الشعور بالعلو عند الدعاء يدل على أن الله في جهة فوق هو استدلال فاسد باطل، لأن الله تعالى منزّه عن الجهة والمكان، كما نص على ذلك الإمام الجويني نفسه في كتبه، ومن ذلك قوله في الرسالة النظامية:
“ونحن نثبت أن الله سبحانه وتعالى على العرش استوى، استواءً يليق به، لا بالمماسة، ولا بالاستقرار، ولا بالتحيز، ولا بالانتقال…“
وهذا تصريح بنفي كل لوازم الجهة التي تعلق بها المجسّمة، وهو إثبات استواء يليق بالله تعالى منزّه عن صفات الأجسام.
بل حتى عبارة “حيّرني الهمداني” – إن صحت – لا تدل على تراجع، بل قد تعني لحظة تأمل أو توقف، لا ترقى إلى تغيير عقيدة.
وليس في ذلك ما يعيب الإمام، فالمناظرة قد تثير شبهة تحتاج لتأمل، وليس كل تأمل تراجعًا، بل قد تكون بداية قوة برهانٍ أشد.
خاتمة واستدلال جامع
إن الإمام الجويني – رحمه الله – ثبت على المذهب الأشعري إلى وفاته، وألّف الإرشاد، والشامل، والرسالة النظامية، وكلها تُمثّل أركان المدرسة الأشعرية في أبهى صورها.
ولو رجع عن مذهبه، لنُقل ذلك عنه بنقل موثق، أو لصرّح به في كتبه، بل كان خصومه يفرحون بنقل ذلك لو صح، ولكنهم لم يجدوا غير قصة مرسلة بلا زمام ولا خطام.
والعجب أن تُترك هذه الكنوز العلمية العقدية، ويُستدل على تغيير مذهب رجلٍ من أعلام الأمة بـحكاية عاطفية، منقولة عن خصومه، لا يُعرف من رواها، ولا متى وقعت، ولا على أي وجه!
فالحاصل أن القصة:
باطلة سندًا: لأنها مرسلة لا يُعرف لها إسناد.
مستحيلة تاريخيًا: لأن الهمداني لم يعاصر الجويني أصلًا.
ضعيفة دلالةً: لأنها لا تقتضي تراجعًا، ولا تُبنى بها العقائد.
والمذهب لا يُنقض إلا بما يُنقض به أساسه من عقل أو نقل، لا من باب الحكايات والوجدانيات، وحسب الإمام الجويني أن يكون أحد أعمدة الأشاعرة، وقامة علمية شامخة في صرح أهل السنة والجماعة، فجزاه الله عن الإسلام خيرًا، وجعلنا على طريقه في الذبّ عن التوحيد الحق، تنزيهًا لله عز وجل عمّا لا يليق بجلاله.