مهم جدا في بيان معنى العبادة شرعا وفساد هذا المعنى عند أدعياء السلفية المستبيحين لدماء وأموال الأبرياء من المسلمين.
فاعلم أن الإيمان هو التصديق بما علم مجيء النبي ﷺ به واشتهر بين الخاصة والعامة اشتهارا يلحقه بالضروريات. وأن الكفر -نعوذ بالله منه- هو إنكار شيء من ذلك بعد أن يعلم المنكر أن النبي ﷺ جاء به.
وأن معنى العبادة شرعا هو: الإتيان بأقصى الخضوع: قلبا وقالبا، فهي إذا نوعان: قلبية وقالبية:
(1) فالقلبية: هي اعتقاد الربوبية أو خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع أو الضر ونفوذ المشيئة لا محالة لمن اعتقد فيه ذلك.
(2) والقالبية: هي الإتيان بأنواع الخضوع الظاهرية من قيام وركوع وسجود وغيرها، مع ذلك الاعتقاد القلبي، فإن أتى بواحد منها بدون ذلك الاعتقاد لم يكن ذلك الخضوع: عبادة شرعا ولو كان: سجودا؟!
وإنما قال العلماء بكفر من سجد للصنم: لأنه أمارة على ذلك الاعتقاد لا لأنه كفر من حيث: ذاته، إذ لو كان لذاته كفرا لما حل في شريعة قط، فإنه حينئذ يكون من الفحشاء والله لا يأمر بالفحشاء، وقد كان السجود لغير الله عز وجل على وجه التحية والتكريم: مشروعا في الشرائع السابقة، وإنما حرم في هذه الشريعة.
فمن فعله لأحد:
(1) تحية وإعظاما
(2) من غير أن يعتقد فيه ربوبية
كان: آثما بذلك السجود.
ولا يكون به: (كافرا!) إلا إذا قارنه:
(3) اعتقاد الربوبية للمسجود له.
ويرشدك إلى ذلك قوله عز وجل في يعقوب نبي الله وامرأته وبنيه حين دخلوا على يوسف: ﴿وخروا له سجدا﴾[يوسف:100]، قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: “أي: سجد له أبواه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلا، وقد كان هذا سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة”.اه المقصود منه.
ويوضح لك ذلك أيضا أمره عز وجل الملائكة بالسجود لآدم فكان سجودهم له عليه الصلاة والتسليم عبادة للآمر عز وجل وإكراما لآدم عليه الصلاة والسلام.
البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة (ص:377-376) للعلامة المحدث الفقيه الصوفي الأستاذ الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (ت:1376ه)، مطبعة السعادة للطباعة
===
وإنما جر هذا المبتدع (التيمي؛ الوهابي) ومن انخدع بأباطيله هذه، أنه لم يحقق معنى العبادة شرعا كما يدل عليه استقراء موارد هذه اللفظة في كلام الله ورسوله ﷺ! فظن أن التوسل برسول الله ﷺ وسائر الصالحين والاستغاثة بهم، مع:
(1) استقرار القلب على أنهم أسباب لا استقلال لهم بنفع ولا ضر
(2) وليس لهم من الربوبية شيء!
(3) ولكن الله جعلهم مفاتيح لخيره ومنابع لبره وسحبا يمطر منها على عباده أنواع خيره
ظن أن ذلك وما إليه من ((الشرك!)) المخرج عن الملة؟!
ومن رافقه التوفيق وفارقه الخذلان ونظر في المسألة نظر الباحث المنصف، علم يقينا لا تخالطه ريبة أن مسمى: العبادة شرعا لا يدخل فيه شيء مما عده من: توسل واستغاثة وغيرهما، بل لا يشتبه بالعبادة أصلا؟!، فإن كل ما يدل على التعظيم لا يكون من العبادة إلا إذا اقترن به:
(1) اعتقاد الربوبية لذلك المعظم
(2) أو: صفة من صفاتها الخاصة بها
ألا ترى الجندي يقوم بين يدي رئيسه ساعة وساعات احتراما له وتأدبا معه، فلا يكون هذا القيام عبادة للرئيس شرعا ولا لغة، ويقوم المصلي بين يدي ربه في صلاته بضع دقائق أو بعضها قدر ما يقرأ الفاتحة فيكون هذا القيام: عبادة شرعا؟!
وسر ذلك أن هذا القيام وإن قلت مسافته مقترن باعتقاد القائم ربوبية من قام له، ولا يقارن ذاك القيام هذا الاعتقاد.
ولو كان ذلك القائم من الكافرين الذين يعتقدون ربوبية الملوك والأمراء، كان قيامه بين يديه وإن قلت مسافته: عبادة لذلك الأمير، خرج بها عن الملة بل خرج بمقتضيها من نفسه وهو اعتقاده ربوبية غير الله عز وجل.
البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة (ص:381-380) للعلامة المحدث الفقيه الصوفي الأستاذ الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (ت:1376ه)، مطبعة السعادة للطباعة
=====
قال مؤسس الحركة الوهابية محمد بن عبد الوهاب: ((وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل: الإسلام، والإيمان، والإحسان ومنه الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى.
والدليل قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾[الجن:18]. فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو: مشرك كافر))(1).انتهى بشينه ومينه؟!
وهذا الكلام على إطلاقه استقاه هذا الرجل من سلفه الخوارج والحرورية؟! وإلا فكيف يصح في ذهن عاقل أن يكون صرف أي ذرة من الخوف مثلا ((فمن صرف منها شيئا لغير الله)) إلى غير الله: من الشرك الأكبر والكفر الناقل من الملة؟!…
فعلى هذا الفقه الأرعن يكون سيدنا موسى كليم الله ممن يطالهم هذا الحكم الوهابي؟!…ألم يقل ربنا: ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى (*) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى﴾[طه:67-68]؟! وكذلك خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط﴾[هود:70]؟! وسيدنا لوط عليه السلام: ﴿ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين﴾[العنكبوت:33]؟!، وسيدنا داوود عليه السلام: ﴿إذ دخلوا على داوود ففزع منهمقالوالاتخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط﴾[ص:22]؟!، وسيدنا زكرياء عليه السلام: ﴿وإني خفت الموالي من ورائي﴾[مريم:5]؟! والصحابة رضوان الله عليهم: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾[التوبة:28]؟! وكذلك يلحق بهم عموم الأمة الإسلامية المرحومة فهي أيضا غارقة في الشرك الطامس والكفر الدامس؟!: ﴿إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة﴾[هود:103] ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما﴾[البقرة:182] ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾[البقرة:239]؟!…الخ؟! وكذلك قل فيما ذكره الوهابي في الخشية وغيرها…ألم يقل ربنا في كتابه: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾[الإسراء:31] ﴿ذلك لمن خشيالعنت منكم﴾[النساء:25]…الخ؟!…
فمؤسس الوهابية لا يولي للنية ولا بالا؟! لأجل هذا فهو ههنا يخبط خبط عشواء ولا يعرف الصبح من العشاء؟! وهو يعي جيدا بأن إقحام النية في الأمر سيخر السقف على بدعته من فوق ويبقيها شذر مذر؟!…فالرجل إذا، لا يفرق بين الخوف على سبيل العبادة وبين غيره، فالكل عنده في كيس واحد “كور للأعور”؟!…
قال ربنا في كتابه: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾[آل عمران:175] وقال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾[الرحمن:46]؟!…الخ؟!
فأين الفارق بين هذه الآيات والآيات أعلاه؟!
والجواب: صرف الخوف إلى غير الله يعد من عبادة غير الله إذا كان على سبيل اعتقاد الألوهية أو الربوبية أو الشركة في الفعل مع الله أو من دونه أو اعتقاد فيه خاصية من خاصيات الربوبية كالاستقلالية في النفع أو الضر أو الإيجاد من العدم أو التصرف أو التدبير أو التأثير.
فتأمل يا رعاك الله؛ فبمثل هذا الفقه الأرعن استباح مؤسس الوهابية محمد بن عبد الوهاب دماء وأموال وأعراض وبيضة الأبرياء من المسلمين؟!
يتبع بإذن الله…
(1) “ثلاثة الأصول” لمحمد بن عبد الوهاب مطبوع ضمن: [مؤلفات محمد بن عبد الوهاب (1/187-188)، الناشر: جامعة محمد بن سعود: الرياض – السعودية]