مقالات في صفة الكلام لله

ما معنى {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا}؟/ فيكون كلام الله الحقيقي عند ابن تيمية وأتباعه هو نفسه في الخالق والمخلوق، ولكن له حالان حادث ومخلوق/ (الشيخ عبد الناصر حدارة وفقه الله)

ما معنى {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا}؟

بلا مقدمات: المراد من قوله تعالى: {وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا}، أن الله عز وجل خص موسى عليه السلام عن الرسل والأنبياء الذين قصصهم ولم يقصصهم على النبي صلى الله عليه وسلم أن تكلم معه من غير واسطة، وبينما كلم الآخرين بواسطة.

وقد اتفق السلف من أهل السنة بأن الله كلم موسى عليه السلام بحرف وصوت، وأجاز الإمام الأشعري أن يكون قد أسمعه كلامه القديم بخلق إدراك سمعي في دماغ موسى عليه السلام يفهم منه كلام الله.

واتفقوا أن الكلام الذي سمعه موسى هو كلام الله عز وجل، ولكن ليس هو الكلام القائم بذات الله وإلا لزم حلول صفة الرب بالعبد، لذلك لزم أن يكون الذي سمعه موسى عليه السلام من حروف وأصوات كلاما مخلوقا، له علاقة بكلام الله الحقيقي القائم بذاته. وقد اختلف الناس بنوع هذه العلاقة:

١- فذهب الأشاعرة إلى أن الألفاظ التي سمعها موسى عليه السلام هي كلام الله اللفظي المخلوق الذي يدل أو يعبر عن كلام الله القديم الذي هو صفة واحدة بمدلولات اعتبارية قديمة كثيرة، فعندهم كلام الله نوعان:

-كلام لفظي مخلوق، وهو كلام الله أي نظمه من غير كسب وقصد من أي مخلوق، وهو الذي سمعه موسى عليه السلام.

  • كلام الله القديم، الذي هو صفة واحدة قديمة قائمة بذات الله وتسمى الكلام النفسي، والذي له تعلقات كثيرة هي مدلولات اعتبارية قديمة، يكون الله بهذه المدلولات مخبرا ومستخبرا وآمرا وناهيا.
    والعلاقة بين الكلامين أن اللفظي المخلوق يعبر عن النفسي القديم.
  • وأما عند الحنابلة فكلام الله القديم هو حروف قديمة قائمة في ذات الله من غير تعاقب، فالألفاظ المخلوقة التي سمعها موسى عليه السلام هي حكاية لكلام الله القديم.
    ومعنى أن الحروف المخلوقة هي حكاية عن الحروف القديمة أي أن الله يخلق في دماغ موسى عليه السلام حروفا هي صور طبق الأصل عن الحروف القديمة فيدرك بها موسى عليه السلام كلام الله، وهذا هو سماع كلام الله عندهم. وهذا النوع من السماع هو ما يسميه الحنابلة الصوت.
  • وأما ابن تيمية الحنبلي ومن تبعه من الوهابية فقد خالفوا السلف والخلف في قدم عين كلام الله الحقيقي، فعندهم كلام الله الحقيقي حادث يحدثه الله في ذاته ككلام حقيقي متعاقب مترتب ككلام المخلوق في الشاهد تماما، لأن عنده لا يمتنع قيام الحوادث بالذات الإلهية خلافا لكل أهل السنة، وأما القديم من الكلام عنده فهو نوعه الذهني لتسلسله من لا بداية إلى ما لا نهاية، فكلام الله عنده قديم النوع حادث الأفراد، وأما ما يمتاز به كلام الله الحادث في ذات الله عن الكلام المخلوق الذي في الشاهد فهو أنه يسمع من بعيد كما يسمع من قريب بخلاف كلام المخلوق.

واعتقاد ابن تيمية هذا لكلام الله يقتضي أن يكون كلام الله الذي يحدثه في ذاته والكلام الذي سمعه موسى عليه السلام هو نفسه الكلام الحقيقي لله، ولكنه انفصل عن الله كصوت حقيقي ليخترق سمع موسى عليه، فيكون كلام الله الحقيقي عندهم هو نفسه في الخالق والمخلوق، ولكن له حالان حادث ومخلوق:

أما الأول الحادث فهو مبدأ الكلام أو ما بدأه الله من الكلام هو ما يحدثه الله بذاته من حروف وأصوات.
وأما الثاني المخلوق فهو المنتقل من ذات الله إلى سمع المخلوق.

وهذان الحالان يلزم منهما أن كلام الله الحادث في ذاته ينقلب إلى مخلوق في سمع السامع بالانتقال، ذلك أن ابن تيمية فرق بين الحادث والمخلوق، فجعل الأول ما يخلقه في ذاته، وجعل الثاني ما يخلقه في غيره.

فبذلك يكون كلام الله عند الوهابية هو نفسه في الخالق المتكلم والمخلوق السامع، ولكنه يختلف من حيث وصفه فهو في الله حادث فإن انتقل للمخلوق فهو مخلوق.

وهذا الاعتقاد الذي اعتقده ابن تيمية في كلام الله لم يأت به لا كتاب ولا سنة ولا قول للسلف ولا للحنابلة خلفه الذين ينتسب إليهم، وإنما مصدره عنده قياس كلام الله على كلام المخلوق بقياس الأولى، حيث إن الكلام بين الخلق عرض يخرج من فم المتكلم ليخترق سمع المخاطب، وهو هو بين الخالق والمخلوق، حيث إنه ينتقل من الخالق ليخترق سمع المخلوق. والطامة أن ابن تيمية ينسب اعتقاده هذا للسلف، ليلبس على أتباعه الجهال أن ما يقوله هو الحق، وما هو إلا عين الضلال.

وليس بعد الحق إلا الضلال.

أخوكم عبد الناصر حدارة.

السابق
هل الله داخل العالم أم خارجه؟ (منقول)
التالي
أربعين سؤالا في الرد على النابتة الحشوية الضلال (الشيخ محمود يزبك وفقه الله)