مقالات في صفة الكلام لله

صفة الكلام لله، تعالى، والاختلاف فيها (الشيخ حسن حرب)

صفة الكلام لله، تعالى، والاختلاف فيها..

تعتبر صفة الكلام لله، تعالى، من الصِّفات المحوريَّة في الاختلاف بين الفِرق الإسلاميَّة، ويعتبر الخلاف فيها لبنة الأساس الَّتي أسَّست الفِرق الإسلاميَّة مذاهبهم عليها. ولِمَا دار حول هذه الصِّفة العليَّة من خلاف شديد بين أهل الصِّنعة سُمِّي عِلمهم المعنيُّ بتحرير عقائد الإسلام بـ: “عِلم الكلام”، قال العلَّامة سعد الدِّين التَّفتازانيُّ في شرحه على العقائد النَّسفيَّة: “وسمُّوا…. معرفة العقائد عن أدلَّتها بالكلام؛…. لأنَّ مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه، وأكثرها نزاعا وجدلا، حتَّى إنَّ بعض المتغلِّبة قتل كثيرا من أهل الحقِّ لعدم قولهم بخلق القرآن” انتهى.

ولذلك، فإنَّ السَّعي لن ينتهي في تحرير ومن ثمَّ إثبات قول أهل الحقِّ في المسألة على طول الزَّمان واختلاف الدُّهور. ونحن، بإذن الله، تعالى، سنشير في هذه الكلمات إلى إشارات دقيقة، لو أحسن المستمعون في الإنصات إليها والقرَّاء في تدبُّرها، فستكون كفيلة بالاطمئنان إلى قول أهل الحقِّ في المسألة.

أوَّلا، يعتقد أهل الحقِّ من أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الله، تعالى، موصوف بصفة ذاتيَّة وجوديَّة حقيقيَّة قائمة بذاته، تعالى، يكون بها متكلِّما، وأنَّ هذه الصِّفة منزهة عن كونها حروفا أو أصواتا أو عَرَضا أو عن أيِّ شيء يلزم عليه أنَّها حادثة.

ويعتقدون أيضا أنَّ هذه الصِّفة تباين غيرها من الصِّفات، فلا يمكن “حملها” مثلا على صفة العِلم أو الإرادة، وذلك لأنَّ الواحد منَّا قد يتكلَّم بخلاف ما يعلم وقد يتكلَّم أيضا بخلاف ما يريد.

ثمَّ، وكما لا يخفى، فإنَّ من شروط الحمل عدم المغايرة المطلقة بين المحمول والموضوع، وإن تمَّ ذلك لفظا ولكنَّه لا يصحُّ معناً مع الإمعان والنَّظر. والمباينة بين العِلم والإرادة والكلام مباينة مطلقة؛ لأنَّ حقيقة الأوَّل الانكشاف والثَّاني التَّأثير والثَّالث الدِّلالة، وتحقُّق كلُّ واحد منها متوقِّف على تحقُّق حقيقته الَّتي يكون بها هو هو وليس غيرَه. وبما أنَّ لكلِّ واحد منها حقيقة مباينة للأخرى تعذَّر حمل أحدها على الآخر. وهذا الأمر لا يحتاج، لولا التَّنطُّع، لكلِّ هذا الكلام؛ لأنَّه أمر ثابت بالبديهة، إذ لا يشكُّ عاقل من عوامِّ أهل اللُّغة بفساد قول من أطلق العِلم على الكلام أو الكلام على الإرادة.

وهذا لا يعني فساد إطلاق الكلام على الإرادة مجازا وليس حقيقة؛ كأن يُتجوَّز بكلمة “كن”، كما جرى بها القرآن الكريم، على سرعة الإيجاد بغير تعذُّر، وما كان كذلك فإنَّ العامِّيَّ من أهل اللُّغة يعلم أنَّ ذلك مجاز وليس حقيقة، وإن وقع نصٌّ من هذا القبيل بين يديه، فإنَّه لا يشكُّ بأن المعنى المقصود من استخدام مثل هذه الكلمة هو بيان سرعة الله، تعالى، في الإيجاد لا أنَّ الله، تعالى، يوجد بكلمة “كن” فعلا، وأنَّ هذه الكلمة دالَّة فقط على ما جرت به الإرادة والمشيئة الإلهيَّة.

ثانيا، القرآن الكريم كلام الله، تعالى، حقيقة، وهو حقيقة من حيث المعنى، وحقيقة من حيث اللَّفظ، أمَّا من حيث المعنى فظاهر، وأمَّا من حيث اللَّفظ؛ فلأنَّه يدلُّ على ذات المعنى النَّفسيِّ القائم بذاته، تعالى، فيكون كلاما لله، تعالى، حقيقة من هذه النَّاحية. ومثله الكلام المترجم من لغة لأخرى، فإنَّه وإن كان بلفظ مختلف عن لفظ المتكلِّم، ولكنَّه مع ذلك يظلُّ كلام المترجَم له، ويُنسب إليه حقيقة بعد ثبوت صدق التَّرجمة فيما ترجمته عنه وما دلَّت عليه من معان مطابقة لِمَا في نفس المتكلِّم المُترجَم له. وكذلك القرآن الكريم، فلَمَّا ثبت أنَّه يدلُّ على معنى الكلام النَّفسيِّ لله، تعالى، بوجه قطعيٍّ كان كلام الله، تعالى، حقيقة وليس مجازا.

ثالثا، كلام الله، تعالى، النَّفسيُّ واجب، والواجب لا يكون مُتعلَّقا للإرادة؛ لأنَّ الإرادة لا تتعلَّق بغير الممكنات بشرط حدوثها، وبهذا تعلم فساد قول من قال: “إنَّ الله، تعالى، يتكلَّم إذا شاء”؛ فلو كان الكلام من متعلَّقات الإرادة فعلا، فسيلزم عليه أنَّ صفة الكلام لله، تعالى، حادثة وهذا يقدح في كمالها، والعياذ بالله، ومن ثمَّ يقدح في الذَّات العليَّة؛ لأنَّ القائلين بهذا القول يدَّعون أنَّ الله، تعالى، عندما يتكلَّم، فإنَّه يريد التَّكلَّم أوَّلا، ثمَّ يُحدث الكلام في ذاته العليَّة من صوت وحرف ثانيا، ثمَّ يسمع من أراد تكليمه ثالثا، وهذا يعني جواز قيام الحوادث بذاته، تعالى. أمَّا قدح هذا الكلام بصفة الكلام؛ فلأنَّ الحدوث دليل على الافتقار، والافتقار على الله، تعالى، وعلى صفاته محال. وأمَّا قدحه في الذَّات العليَّة؛ فلأنَّ ما يقوم به الحادث فهو حادث. وأيضا لو صحَّ هذا القول، فسيلزمهم الإفحام من وجوه يدَّعون أنَّهم ينكرونها، وعلى رأس ذلك القول: “بالحلول والاتِّحاد”.

ولا يُقال: إنَّ أصل الصِّفة قديم، فهو واجب، ولكنَّ أفرادها؛ ككلامه، تعالى، مع سيدنا موسى، عليه السَّلام، حادثة؛ لأنَّ الكُلِّيَّ معقول بالنَّظر إلى أفراده؛ فإن كانت الأفراد حادثة كان الكُلُّ أو الأصل حادثا، وإن كانت قديمة كان قديما.

والتَّفريق بين “الكلِّ المجموعيِّ” و”الكلِّ الإفراديِّ” لا يفيد في هذه المسألة؛ لأنَّ جميع الأفراد الَّذين تمَّ الكلُّ بهم متَّفقون بالحكم، وهو الحدوث، وهو منشأ معقوليَّة الكلِّ؛ فلمَّا كانت جميع الأفراد حادثة استحال أن يكون الكلُّ قديما، ومثله “الزِّنج”؛ فإنَّهم لمَّا تساووا في السَّواد استحال أن يلزم من اجتماعهم انتفاء كون الزِّنج سودا.

ولذلك يُقال فقط: إمَّا بحدوث الكلِّ لحدوث الأفراد، أو بقِدم الكلِّ لقِدم الأفراد، وأمَّا الثَّالث فهو مرفوع.

رابعا، ورود بعض الآيات أو العبارات عن بعض الفضلاء الَّتي تفيد بأنَّ الله، تعالى، يتكلَّم إذا شاء فتُحمل على البيان من خلال الطُرُق العاديَّة؛ فإنَّه لله، تعالى، أن يبيَّن معنى كلامه النَّفسيِّ القديم من خلال الحروف والأصوات والمعجزات وله أن لا يبيِّنه بتاتا، والمرجع في ذلك إلى إرادته، تعالى، ولطفه.

وقد ذكرنا من قبلُ أنَّ القرآن الكريم كلام الله، تعالى، حقيقة من حيث هو دالٌّ بوجه قطعيٍّ على معنى كلامه، تعالى، النَّفسيِّ، ونزول القرآن الكريم وغيره من الكتب والصُّحف الإلهيَّة المقدَّسة ومعجزات الأنبياء النَّازلة منزلة قوله، تعالى: “صدق عبدي في كلِّ ما يُبلِّغ عنِّي” يكون بإرادته، تعالى، ومشيئته، فإن شاء أنزلها وبيَّنها وإن شاء لم ينزلها ولم يُبيِّنها. فالقرآن الكريم من حيث كونه لفظا دالَّا على معنى كلامه، تعالى، النَّفسيِّ كان بإرادته، تعالى، ومشيئته، وبإحداثه وإنزاله، ولكن من حيث هو معنى، فهو منزَّه عن كلِّ ذلك؛ لأنه صفته، جلَّ وعلا، وعليه يكون القرآن الكريم وغيره من الكتب الإلهيَّة والمعجزات الإلهيَّة قديمة من وجه وحادثة ومقدَّرة بالمشيئة الإلهيَّة من وجه، وهذا الكلام لا يُماري فيه مؤمن عاقل.

والله أعلم وأحكم..

السابق
هل صحيح أن الألباني جهمي جلد وعنده كل هذه الكفريات الجهمية كما يقول هذا الشيخ السلفي الوهابي؟
التالي
أسئلة علمية للسلفية فقط /السؤال الثالث