حديث الجارية (أين الله)

فحص الروايات والآثار في تفكيك حديث أين الله بحث علمي يُسقط استدلال المجسمة (منقول)

منارة الأشاعرة – فحص الروايات والآثار في تفكيك حديث #أيـــن… | Facebook

فحص الروايات والآثار في تفكيك حديث #أيـــن اللــــه بحث علمي يُسقط استدلال #المجسمة

​يعتمد غلاة المجسمة في إثبات الجهة والمكان والمقدار للخالق سبحانه وتعالى على التمسك بظاهر لفظ واحد ورد في رواية للإمام مسلم، وهو سؤال النبي ﷺ للجارية أين الله؟ وجعلوا من هذا اللفظ دليلاً على إثبات علو المسافة والمكان، متناسين بقصد أو بجهل مركب القواعد العلمية في نقد الروايات وجمع طرق الحديث، والتي تثبت أن اللفظ مضطرب، وأن الرواية بالمعنى غيّرت حقيقة الحادثة.

​إليك التفكيك العلمي البحت والروايات الكاملة لهذه الحادثة المشهورة

✅️​أولاً…اضطراب اللفظ ورواية الحديث بالمعنى (القصة واحدة والألفاظ مختلفة)

​إن الناظر في مدونات السنة يجد أن حادثة الجارية هي واقعة عين واحدة (للرجل نفسه وهو معاوية بن الحكم السلمي)، ومع ذلك اختلفت ألفاظ السؤال النبوي وجواب الجارية اختلافاً جذرياً يمنع بناء أصل عقدي عليه، وإليك الأوجه والروايات:

​ ❶رواية الإمام مالك في الموطأ (وهي أصح من رواية مسلم سنداً روى الإمام مالك في الموطأ، والإمام الشافعي في مسنده، والإمام أحمد في المسند، والدارمي، والبيهقي، بسند من أصح الأسانيد أن النبي ﷺ قال للجارية: «أتَشْهَدِينَ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟» قالتْ نَعَمْ، قالَ【أتَشْهَدِينَ أنِّي رَسولُ اللَّهِ؟】 قالتْ نَعَمْ، قالَ ⫸عْتِقْها فإنَّها مُؤْمِنَةٌ⫸

✿وهنا يظهر بوضوح تام أن السؤال كان عن الشهادتين وليس عن المكان والجهة، وهو اللفظ الموافق لصحيح الدين.

​❷ رواية الإمام أحمد بن حنبل في المسند (الرواية الثانية): روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح، أن النبي ﷺ سأل الجارية فقال لها: «مَن ربُّكِ؟» قالت الله قال 【مَن أنا؟】 قالت: أنت رسول الله، قال⫷أعتقها فإنها مؤمنة⫸

وفي هذا الوجه سألها عن الربوبية والرسالة، ولم يسألها بأداة الاستفهام أيـــــــــن مطلقاً.

​❸ رواية الإمام البزار في مسنده، وأبي يعلى الموصلي: ورد في مسند البزار ومعجم الطبراني أن النبي ﷺ أشار إليها مستفهماً، فنظرت إلى السماء، فقال لها: «من أنا؟» فأشارت بأصبعها إلى النبي ﷺ وإلى السماء، أي أنت رسول الله المستخلف من السماء، فقال: ⫷أعتقها⫸

​❹رواية الإمام مسلم في صحيحه: وهي الرواية الوحيدة التي انفردت بلفظ: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله.

​❍ التفكيك العلمي والقواعد الحديثية (كيف سقط استدلال الوهابية؟)

​① قاعدة الاضطراب والترجيح: عندما تضطرب الروايات في واقعة عين واحدة بين لفظ يوافق أصول العقيدة المحكمة (السؤال عن الشهادتين) وبين لفظ يوهم ظاهره التشبيه (السؤال بأين)، فإن القواعد الحديثية توجب ترجيح اللفظ المحكم وتأويل اللفظ المشتبه، أو الحكم باضطراب اللفظ واعتماد الرواية بالمعنى، وحينها يسقط الاستدلال باللفظ المضطرب تماماً.

​ ② مخالفة المتن للأحاديث المتواترة: إن لفظ “أين الله” يخالف الحديث المتواتر القطعي الذي أجمع عليه المسلمون وهو قوله ﷺ: {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ} ولم يقل ﷺ حتى يشهدوا أن الله في السماء” أو حتى يعرفوا أيـــن اللــــه فكيف يحكم النبي ﷺ بإسلام جارية بلفظ يخالف شرط الإسلام المتواتر لجميع البشر؟

③ علة رواية مسلم وحقيقة معتقد الجارية: الجارية كانت خرساء أعجمية لا تفصح (كما نصت على ذلك رواية أبي داود والنسائي وكانت جارية سوداء أعجمية)، والخرساء الأعجمية لا تنطق بـ في الســــمـــاء، بل كانت تشير برأسها أو أصبعها، والراوي نقل الإشارة بعبارته ورواها بالمعنى الذي فهمه، فجاء اللفظ فـــي الـــســمـــاء حكاية عن إشارتها نحو السماء لأنها قبلة الدعاء ومحط تعظيم الخالق عند الفطرة الإنسانية، وليس لإثبات مكان حسي يحل فيه الخالق.

​④ معنى أيــــــــن عند العرب وفي لغة الوحي يجهل المجسمة أن أداة الاستفهام أيـــــــــــن تأتي في لغة العرب لاستفهام المكان وتأتي كذلك لاستفهام “لمكانة والمنزلة والعظمة كقولك: أيــــــــــن فلان من فلان أي أين مكانته من مكانته، فالسؤال النبوي للجارية الأعجمية كان لاختبار علو مكانة الله في قلبها وتنزهه عن الأصنام الأرضية التي كانت تعبدها قريش، فلما أشارت للسماء عرف أنها برئت من الأوثان الأرضية فاستحقّت صك الإعتاق.

​⑤ شهادة كبار شراح الحديث والعلماء

❉ ✿​قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: «هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان: أحدهما الإيمان به من غير خوض في معناه، مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنزهه عن سمات المخلوقين. والثاني تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها، هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء… وليست العبادة للأصنام التي بين أيديهم».

❉ ✿​قال الإمام القاضي عياض: «لا خلاف بين المسلمين قاطبة فَقِيهِهم ومُحَدِّثِهم ومُتَكَلِّمِهِم ونُظَّارِهم ومُقَلِّدِهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى: {أأمنتم من في السماء} ونحوه ليست على ظاهرها، وأنها متأولة عند جميعهم».

​ــــــــــــــــــــــــ

​إن تمسك الوهابية بلفظة أيـــــــن اللـــــــــه وبترهم لبقية روايات الحادثة الصحيحة في مسند أحمد وموطأ مالك، هو محض جهل بقواعد المحدثين الذين قرروا أن رواية القصة الواحدة بالمعنى يوجب ردها إلى اللفظ الأصح والأشمل. والأشاعرة حين ينزهون الله عن المكان لا ينكرون الحديث، بل يقرؤونه بعين المحدث الفقيه الذي يجمع طرق الحديث ليفهم المراد، لا بعين المجسم الذي يبحث عن أي لفظ يوهم الحركة والتحيز ليثبته للخالق سبحانه وتعالى.

❉ ✿قال الإمام القاضي عياض(ت 544 هـ): «لا خلاف بين المسلمين قاطبة فَقِيهِهم ومُحَدِّثِهم ومُتَكَلِّمِهِم ونُظَّارِهم ومُقَلِّدِهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى: {أأمنتم من في السماء} ونحوه ليست على ظاهرها، وأنها متأولة عند جميعهم»

المصدر إكمال المعلم بفوائد مسلم

ونقله عنه الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم

واللــــه ســـبــحانــــــه وتــعالـــی أعــــــــــلـــــم

#منارةالأشاعرة

السابق
هل خالف الأشاعرة عقيدة الإمام مالك؟! (منقول)
التالي
السؤال: إذا كان أهل السنة والجماعة من الأشعرية والماتريدية: فما هي عقيدة من قبلهما؟ (منقول)

اترك تعليقاً