السؤال: إذا كان أهل السنة والجماعة من الأشعرية والماتريدية: فما هي عقيدة من قبلهما؟
السؤال في أصله مغالطة؛ لأن عقيدة أهل السنة لم تبدأ مع الأشعري أو الماتُريدي حتى يُسأل: “من كان قبلهم؟”
بل العقيدة كانت موجودة قبل الجميع: عقيدة الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، ثم جاء أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتُريدي فدافعا عنها ونظّما مسائلها في مواجهة المعتزلة والجهمية وغيرهم، كما فعل الأئمة في الفقه والتفسير والحديث.
فكما أن الفقه كان موجودًا قبل الأئمة الأربعة، ولم يقل عاقل: “إذا كان الحق مع الشافعي فمن كان قبله؟”كذلك عقيدة أهل السنة كانت موجودة قبل الأشعري والماتريدي، وهما لم يُنشئا دينًا جديدًا، بل قرّرا مذهب السلف ودافعا عنه بأدوات علم الكلام والمناظرة.
ولهذا فالسؤال الصحيح ليس: “من كان قبلهم؟”بل: “هل ما قرّروه موافق لعقيدة السلف أم لا؟”
والجواب: نعم، في أصول العقيدة الكبرى هم موافقون للسلف وأهل الحديث، ومن أمثلة ذلك:
- إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه عن الشريك والولد، وهو أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين وسائر أئمة الإسلام.
- الإيمان بالقرآن وصدق النبوة والبعث والحساب والجنة والنار والشفاعة والقدر، وكلها أصول أجمع عليها السلف والأشاعرة والماتريدية.
- ردّ بدع المعتزلة والجهمية، كقولهم بخلق القرآن أو نفي الصفات مطلقًا أو إنكار رؤية الله في الآخرة؛ فقد أثبت الأشاعرة والماتريدية رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة كما هو مذهب السلف.
- تعظيم النصوص الشرعية وتقديم الوحي على العقل المجرد، ولذلك صرّح كبار أئمتهم بأن العقل تابع للنقل الصحيح لا حاكم عليه.
- إثبات الصفات الإلهية الواردة في الكتاب والسنة من حيث الأصل، كالسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام، مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، وهو أصل مقرّر عند السلف أيضًا.
وأما الخلاف المشهور في بعض الصفات الخبرية أو في طريقة التعبير عنها، فهو خلاف وقع بين مدارس من أهل السنة أنفسهم، ولم يكن خلافًا في أصل الإسلام ولا في أمهات العقيدة.
ولهذا نجد كثيرًا من كبار علماء الأمة عبر القرون — من المفسرين والمحدثين والفقهاء والأصوليين — ينتسبون إلى الأشعرية أو الماتريدية، كالإمام البيهقي، والنووي، وابن حجر، والقرطبي، والعز بن عبد السلام، وغيرهم.
فالإنصاف العلمي يقتضي التفريق بين الخلاف الاجتهادي داخل دائرة أهل السنة، وبين إخراج طوائف كاملة من الأمة بألفاظ التبديع والتضليل دون فهم للتاريخ العلمي وتطور المدارس الإسلامية.