حولَ عباراتِ: “يا ساكنَ السَّماءِ !” أو “يا ساكنَ العرش !” في بعض نُسخِ “الإبانة” المطبوعة المنسوبة إلى الإمام أبي الحسن الأشعري.
قد سبق التَّنبيه غير مرَّة إلى أنَّ ما يقع في بعض نُسخ “الإبانة” المطبوعة من الألفاظ الحادثة، كقولهم: “يا ساكنَ السَّماءِ” أو “يا ساكنَ العرش”، ممَّا يُقوِّي الرِّيبةَ في سلامةِ هذه النُّسخ من عبث أيدي الحشويَّة والمجسِّمة؛ إذ لا يُعهد مثلُ هذا الإطلاق عن أئمَّة أهل السُّنَّة المتقدِّمين، ولا عن المحقِّقين من أصحاب الإمام الأشعري؛ بل هو من الألفاظ الَّتي أجمع أهلُ التَّنزيه على إنكارها والتَّشنيع على قائليها؛ لِما تتضمَّنه من إيهام الحُلول، وإثباتِ الجِهة والمكان، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ولهذا كان الإمامُ العلَّامةُ محمَّد زاهد الكَوثري يُصرِّح بأنَّ كتاب “الإبانة” يفتقر إلى أصلٍ صحيحٍ موثوقٍ يُعوَّل عليه، مع ما تضمَّنته بعض نُسخه من أمورٍ مُنكَرة، كالتَّشدُّد في تكفير المعتزلة، والتَّعرُّض للإمام أبي حنيفة النُّعمان بالتَّكفير والتَّشريك والتَّبديع والتَّضليل، وإيراد عباراتٍ لا تُشبه طريقةَ الإمام الأشعري الَّذي شهد له الموافقُ والمخالفُ بسعة العلم، ودِقَّة النَّظر، ومجانبةِ مسالك الحَشو والتَّجسيم.
ومَن تأمَّل كلام أئمَّة الإسلام في مثل هذه العبارات علم يقينًا أنَّ إطلاقها في حقِّه تعالى ممَّا ترفضه عقائد أهل السُّنَّة.
قال الإمام أبو عبد الله الحَليمي: ((وَإِذَا قَالَ الْكَافِرُ: لَا إِلَهَ إِلَّا سَاكِنُ السَّمَاءِ، لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا؛ لِأَنَّ سُكَّانَ السَّمَاءِ الْمَلَائِكَةُ. وَإِنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ، كَانَ هَذَا زِيَادَةَ كُفْرٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ السَّكَنَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاحْتِظَارُ الْأَمْكِنَةِ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِهِ)) [المنهاجُ في شُعَب الإيمان (1/139)، ط. دار الفكر].
فانظر كيف جعل الإمام الحليمي وصفَ الله تعالى بالسَّكن زيادةً في الكُفر؛ لأنَّ السَّكن لا يكون إلَّا لجسمٍ يشغل حيِّزًا، ويفتقر إلى مكان، وربُّ العالَمين مُنزَّهٌ عن الحُدود والجهات، لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان.
وقال الإمامُ النَّوويُّ: ((لَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، أَوْ: إِلَّا مَلِكُ السَّمَاءِ، كَانَ مُؤْمِنًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]. وَلَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا سَاكِنُ السَّمَاءِ، لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ السُّكُونَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى)) [رَوضة الطَّالبين (7/303)، ط. دار عالَم الكُتب].
ففرَّق الإمامُ النَّووي بين قول: “مَن في السَّماء” الوارد في التَّنزيل، وبَين قول: “ساكن السَّماء”؛ لأنَّ الأوَّل لفظٌ قُرآنيٌّ مُحتمِلٌ للتَّأويل الصَّحيح الَّذي عليه أهل السُّنَّة، بخلاف الثَّاني فإنَّه نصٌّ في إثبات المكان والاستقرار والسُّكون.
وبيَّن الإمامُ المحقِّقُ ابنُ حجر الهَيتمي هذا المعنى أتمَّ بيان، فقال في الفرق بَين “مَن في السَّماء” و”ساكن السَّماء”: ((أَنَّ الْأَوَّلَ [سَاكِنَ السَّمَاءِ]: نَصٌّ فِي الْجِهَةِ الْمُسْتَحِيلَةِ عَلَى اللَّهِ، تَعَالَى عَنْهَا وَعَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَالْقَوْلُ بِالْجِهَةِ كُفْرٌ عِنْدَ كَثِيرِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ الْإِسْلَامُ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَى الْكُفْرِ، بِخِلَافِ: “مَنْ فِي السَّمَاءِ”؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ؛ إذِ الْمُرَادُ “مَنْ فِي السَّمَاءِ” = أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ، وَلِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ الْقُرْآنِ الْمُؤَوَّلِ عِنْدَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ. فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا لِفِرْقَةٍ ضَالَّةٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ)) [الزَّواجر عنِ اقتِرافِ الكبائر (1/25)، ط. حجازي: القاهرة].
فإذا كان هذا تقريرَ أيمَّة الإسلام من الشَّافعيَّة، علم النَّاظر أنَّ ما يُروِّج له بعض التَّيميَّة من عبارات: “يا ساكن العرش” و”يا ساكن السَّماء” لا يمتُّ إلى عقيدة أهل السُّنَّة بصلة، وإنَّما هو من عبارات أسلافهم المجسِّمة الَّذين غلب عليهم ظاهرُ الحسِّ، وقاسوا الخالِق على المخلوق، وجعلوا له جهةً وحدًّا ومكانًا.
وكيف يُتوَهَّم في إمامٍ جليلٍ كأبي الحسن الأشعري – الَّذي أفنى عُمره في هدمِ أصول المجسِّمة والمشبِّهة، وتشييدِ قواعد التَّنزيه، وإبطالِ ما نَسبه أهلُ الحشو إلى الباري سبحانه من صفات الأجسام ولوازم الحدوث؛ كالحركة والسُّكون، والانتقال والاستقرار، والتَّحيُّز في الجهات – أن يتلفَّظ في حقِّ الله تعالى بما قد نصَّ هو نفسُه على بُطلانه، وشهِد أعرفُ النَّاس بمذهبه ومقالته بفساده وإنكاره؟!
هذا ممَّا يُصادم طريقتُه، وتدفعه أصولُه، ويُكذِّبه ما استقرَّ عليه مذهبُه في تنزيه الرَّبِّ سبحانه عن سمات الأجسام وعوارض الأكوان؛ بل الَّذي يترجَّح عند أهل التَّحقيق والنَّظر: أنَّ مثل هذه العبارات إنَّما هي دَسائسُ حادثة، أو زياداتٌ مدخولة، أُلصقت ببعض النُّسخ المتأخِّرة على يدِ مَن غلب عليهم مذهبُ الحشوِ والتَّجسيم؛ كما وقع التَّلاعب والدَّسُّ في غير واحدٍ من كُتب الأئمَّة، واللهُ المستعان، وعليه التُّكلان.