حكم الاستغاثة ودعاء غير الله

شيخ القراء ابن الجَزَري، وشيخ المحدثين ابن حجر؛ يستغيثان برسول الله، فهل هما مشركان؟! (منقول)

لا لتكفير المسلمين!

شيخ القراء ابن الجَزَري، وشيخ المحدثين ابن حجر؛ يستغيثان برسول الله، فهل هما مشركان؟!

بقلم: خادم الجناب النبوي الشريف
محمد إبراهيم العشماوي
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف

قال إمام القراء، شمس الدين بن الجَزَري في [رائيته المشهورة]:

رسولَ الله جئتُك مستقيلًا
من الزَّلاَّت فَاكْنُفْها بسِتْرِ!

رسولَ الله حيث ظلمتُ نفسي
وجئتُك تائبًا فَامْنُنْ بغَفْرِ!

رسولَ الله كن لي شافعًا من
تغابُن عند صفٍّ يومَ حَشْرِ!

رسولَ الله يا حَسَنَ الْمُحَيَّا
فَدَتْكَ النّفسُ يا سَمْعِي وبَصْرِي!

رسولَ الله كم لي من ذنوبٍ
وعنها في حِماك هَوايَ عُذْرِي!

رسولَ الله ضيفُك نازلٌ في
جوارِك عَلَّهُ يُقْرَى وتَقْرِي!

رسولَ الله ضعفي وانكساري
لديك فَجُدْ على ضعفي وكسري!

رسولَ الله أنت لنا ملاذٌ
ليوم كريهةٍ وسَدادِ ثَغْرِ!

رسولَ الله ليت العُمْرَ يَفْنَى
وفيك مَدائِحِي نَظْمِي ونثري!

وليت الشعرَ في عَلْياك يُرْضِي
وهل يُرْضِيك مِنِّي ليت شِعْرِي!

رسولَ الله فيك شَدَدْتُ رَحْلي
ولا أخشى – وَحَقِّك – قولَ نُكْرِ!

وها أنا قائمٌ وجَّهْتُ وجهي
وما باليتُ حيث جعلتُ ظَهري!

جعلتُك قِبْلِتي لدعاء ربي
وأنت وسيلتي في كل عُسْرِ!

فانظر إلى كل هذه النداءات، وما بعدها من استغاثات!

بل انظر إلى طلبه من النبي صلى الله عليه وسلم الستر والمغفرة والشفاعة والقِرى وجبر الكسر!

وانظر إلى قوله: (رسولَ الله فيك شَدَدْتُ رَحْلي .. ولا أخشى – وَحَقِّك – قولَ نُكْرِ!)، كأنه يلمِّح إلى من أنكروا شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يبالي بقولهم المنكَر!

وكم في هذه الأبيات الرقيقات المفصحات، عن قلب ذاب عشقا في سيد البريات، وفخر الكائنات، عليه أفضل الصلوات، وأكمل التحيات!

وقال الحافظ أحمد بن علي، المشهور بابن حجر العسقلاني، أمير المؤمنين في الحديث؛ يمدح سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في شعره، ويتوسل بجاهه، ويستغيث بجوده – كما في [ديوانه] -:

نَبِيَّ اللهِ يا خَيرَ البَرايا
بِجاهِكَ أَتَّقِي فَصْلَ القَضاءِ!

وَأَرجو يا كَريمُ العَفوَ عمَّا
جَنَتْهُ يَدايَ يا رَبَّ الحَبَاءٍ!

فَكَعْبُ الجُودِ لا يُرْضَى فِداءً
لِنَعْلِكَ وَهْوَ رأسٌ في السَّخاءِ!

وسَنَّ بِمَدْحِكَ [ابنُ زُهَيْرِ كَعْبٌ]
لِمثْلِي مِنكَ جائِزَةَ الثَّناءِ!

فَقُل: يا [أَحمدُ بنَ عليٍٍّ] اذهَبْ
إِلى دارِ النَّعيمِ بِلا شَقاءِ!

فَإِنْ أَحزَنْ فَمَدْحُك لي سروري
وَإِن أَقنَطْ فحَمْدُك لي رَجائي!

عَلَيكَ سَلامُ رَبِّ الناس يَتْلُو
صَلاةً في الصَّباحِ وَفي المَساءِ!

فانظر إلى ندائه إياه صلى الله عليه وسلم، ورجائه العفو منه عما جنته يداه!

بل انظر إلى تمثله معنى حياته الشريفة بحيث يقول له:

فَقُل: يا [أَحمدُ بنَ عليٍٍّ] اذهَبْ
إِلى دارِ النَّعيمِ بِلا شَقاءِ!

وقال أيضا يمدحه، ويرجوه شفاعته:

مُبِيدُ العِدَا، مُوْلِيْ النَّدَا، قامعُ الرَّدَى
مُبِينُ الهُدَى، مُرْوِيْ الصَّدَى، واسعُ الجَدا!

وكم مُذْنِبٍ وافاهُ يَطْلُبُ نَجْدَةً
تُنَجِّيهِ في الأخرى، فأَنْجَى وأنْجَدَا!

أيا خيرَ خَلْقِ اللهِ دعوةُ مُذْنِبٍ
تَخَوَّفَ مِن نارِ الجحيمِ تَوَقُّدا!

له سَنَدٌ عالٍ بمَدْحِك نَيِّرٌ
وبابُك أَمْسَى فيه أسْنَى وأَسْنَدا!

وأنت الذي جنَّبْتَنَا طارقَ الرَّدَى
وأنت الذي عرَّفْتَنا طُرُقَ الهُدَى!

فانظر إلى وصفه إياه صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف الملازمة له في حياته، وبعد انتقاله، وأنه يُنجي ويُنجد من أتاه مذنبا!

هؤلاء أعيان الأمة وعلماؤها، يستغيثون برسول الله صلى الله عليه وسلم، على معنى التوسل بحضرته إلى الله تعالى، فلو كان مجرد لفظ النداء والاستغاثة بالنبي أو بالولي، من غير نظر إلى المعنى والقصد؛ موجبا للحكم بالشرك؛ لكان هؤلاء الأئمة أول المشركين، ولو كانوا مشركين ما نفع الله بهم الأمة، وما كتب لهم القبول!

فعليك بالعلم، ولا تكن من الجاهلين، وأحسن الظن بإخوانك من المسلمين؛ تكن من المهتدين الفائزين!

وبالله التوفيق.

الخواطرالعشماوية

السابق
(2) كتاب الإبانة للأشعري وتحقيق ما قيل عن مخالفة الأشاعرة له [1]
التالي
إذا قال لك الوهابي يا مبتدع ! فاسرد له عشرات بل مئات البدع التي صدرت من السلف والسلفية والوهابية (نسخة أولى بدون حواش، غير نهائية قابلة للتعديل)