الاجتهاد والتقليد واللامذهبية عند الوهابية

تلبيس الوهابية في ترك تقليد المذاهب: من دعوى “اللامذهبية” إلى مذهب خامس خفي / بقلم الباحث الإسلامي: د.عماد الدين دحدوح

تلبيس الوهابية في ترك تقليد المذاهب: من دعوى “اللامذهبية” إلى مذهب خامس خفي
بقلم الباحث الإسلامي: د.عماد الدين دحدوح
الوهابية يرفعون شعارًا كبيرًا هو “الرجوع إلى الكتاب والسنة بلا تقليد”، ويزعمون أن المسلم لا يحتاج إلى تقليد الأئمة الأربعة، بل عليه أن يأخذ من النصوص مباشرة. وهذا في ظاهره دعوة جميلة، لكن الواقع أن أكثر الناس لا يملكون أدوات الاجتهاد من أصول الفقه وعلوم الحديث واللغة والنسخ والجمع بين الأدلة، وبالتالي فإن هذه الدعوة أدت إلى هدم المرجعية الفقهية المستقرة عبر أربعة عشر قرنًا، وخلقت اضطرابًا في الفتوى.
وقد كان أول ما سلكوه هو الطعن في الأئمة الأربعة، فهاجموا الإمام أبا حنيفة بشدة، وادعوا أنه يقدم الرأي والقياس على الحديث، مع أن كبار الأئمة مثل الشافعي وأحمد ومالك مدحوا علمه وفقهه، وكلهم عرفوا أن منهجه اجتهادي معتبر. وابن تيمية نفسه – الذي جعلوه إمامهم – كان ينتقد أبا حنيفة أحيانًا في مسائل، وهذا ما استغلوه في تضخيم الهجوم عليه. وقد نقل المؤرخون أن بعض علماء الوهابية في نجد كانوا ينفرون العامة من تقليد أبي حنيفة أكثر من غيره، لأنه إمام أهل الرأي، فصوروه وكأنه في مقابل الحديث، مع أن كتبه وتلامذته مليئة بالاعتماد على النصوص. وهذا الانتقاد لم يكن في جوهره بحثًا علميًا، بل جزء من مشروعهم في إسقاط المذاهب ليظهروا وكأنهم هم أهل الحق الوحيدون الذين لا يقلدون أحدًا.
ومن التناقض الواضح أنهم أعلنوا أنهم لا يتعصبون لمذهب، لكن في التطبيق صار لهم فتاوى خاصة بهم مرتبطة بفكر ابن تيمية وابن القيم، ثم محمد بن عبد الوهاب وأحفاده، وصار الناس يعرفون ما يسمى بالمذهب الوهابي أو السلفي النجدي في الفقه، رغم أنهم ينكرون اسم المذهب. فالحقيقة أنهم أتباع مذهب خامس غير معلن قائم على ظاهرية نصوص معينة وعلى اجتهادات ابن تيمية، لا على فهم جماعة المسلمين عبر القرون. ومن أمثلة ذلك: تشددهم في باب التوسل وزيارة القبور حتى خالفوا جميع المذاهب الأربعة، وكذلك موقفهم من طلاق الثلاث وبدعوى أنه يقع واحدة فقط على خلاف ما عليه جمهور الفقهاء، واعتمادهم آراءً شاذة في باب الجهاد والتكفير لم يقل بها أحد من الأئمة الأربعة بهذا الإطلاق.
ومن أخطر ما وقعوا فيه أنهم أخذوا بظواهر النصوص وأهملوا مقاصد الشريعة وقواعد الجمع بين الأدلة واجتهادات الأئمة في الترجيح والقياس، وهذا أدى إلى أحكام شاذة وغريبة مثل تساهلهم في الدماء والقتال والتكفير، وتشددهم في أمور العبادات والبدع الظاهرة، ومخالفتهم لما عليه جمهور الأمة من قرون. ومما يوضح ذلك قولهم بأن من ذبح لغير الله أو نذر لولي فهو كافر مخلد في النار دون تفصيل بين الجهل والعمد، ودون النظر إلى مقاصد الشريعة في حفظ دماء المسلمين.
وقد لبسوا على الناس بقولهم إن المذاهب فرقت الأمة وإنهم يرجعون للكتاب والسنة مباشرة، لكن الحقيقة أن المذاهب لم تفرق الأمة بل نظمت الفقه وقربت العلم لعامة المسلمين، إذ كان العامي إذا سُئل عن مذهبه قال: حنفي أو شافعي أو مالكي أو حنبلي، فيعرف الناس طريقته في الفقه والفتوى. وهم الذين أحدثوا فرقة جديدة إذ صاروا يحرمون التقليد ويعتبرون المذاهب بدعة، مع أن الأمة كلها سارت عليها، بل إن من يراجع تاريخ الفقه الإسلامي يجد أن الأئمة الأربعة هم الذين صانوا الشريعة من التحريف وحفظوا للأمة تراثها العملي عبر المدارس الفقهية.
والخلاصة أن الوهابية في مسألة المذاهب وقعوا في تلبيس كبير، فقد أعلنوا أنهم لا مذهبية لكنهم في الحقيقة صاروا أصحاب مذهب خاص متأثر باجتهادات ابن تيمية وابن عبد الوهاب، وانتقدوا الأئمة الأربعة وخاصة أبا حنيفة لإسقاط المرجعية القديمة وتقديم أنفسهم كبديل، واعتمدوا على ظاهر النصوص بلا مراعاة للمقاصد والقواعد، فوقعوا في الغلو والتشدد، وأدخلوا الأمة في اضطراب فقهي كبير لم تعرفه من قبل.

السابق
نصوص العلماء على أن الترك ليس حجة / ولذا مجرد عدم نقل عمل المولد عن السلف والأئمة الأربعة لا يستلزم أنه كان ممنوعا عندهم (الشيخ ياسين بن ربيع)
التالي
كيف أخزى الطوفيُّ الحنبلي الحمايدةَ الذي أثنى عليه / الشيخ نزار حمادي