قضايا التكفير والردة

ترجمة الشطي لابن عبد الوهاب وذمه له ولأتباعه الخوارج/ فقد تأملت هذه الرسالة المشتملة على تضليل وتكفير المسلمين وتحليل دمائهم وأموالهم/ولولا خوف الفتن الدينية والسياسية لما انتسبوا إلى ابن حنبل ولا ابن تيمية فهم وصمة في مذهبنا النقي/وأنهم توصلوا بالدين إلى الدنيا وقد أخمد الله فتنتهم وشتت شملهم/ وما أشبه هؤلاء بالخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه

«مختصر طبقات الحنابلة» (ص137 ط الترقي):

«‌‌الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام الطائفة الوهابية وأمير البلاد النجدية

لم يذكره المؤلف الغزي في طبقاته هذه وإنما ذكره العم الفاضل مراد أفندى الشطي في رسالة انتقاها من كتاب أبجد العلوم للعلامة الشهير صديق حسن خان ملك بهوبال فقال ما خلاصته: هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن أحمد بن راشد بن يزيد بن محمد بن يزيد بن مشرف صاحب نجد وإليه تنتسب الطائفة الوهابية وهذا هو المعروف من نسبه ويُذكر أنه من مضر ثم بني تميم ولد سنة خمس عشرة ومائة وألف بالعينية من بلاد نجد ونشأ بها وقرأ القرآن وسمع الحديث وأخذ عن أبيه وهم بيت فقه حنابلة ثم حج وقصد المدينة المنورة ثم تنقل مع أبيه إلى جريمل قرية من نجد أيضًا ولما مات أبوه رجع إلى العينية وأراد نشر الدعوة فرضي أهلها بذلك ثم خرج عنها بسبب إلى الدرعية وأطاعه أميرها محمد بن سعود من آل مقرن ويذكر أنه من بني حنيفة ثم من ربيعة وذلك في حدود سنة 1159 فانتشرت دعوته في نجد وشرقي بلاد العرب إلى عمان ولم يخرج عنها إلى الحجاز واليمن إلا في حدود المائتين والألف وكانت وفاته سنة ست ومائتين وألف

ومن مؤلفات صاحب الترجمة كتاب فيه نبذة في معرفة الدين الذى معرفته والعمل به سبب لدخول الجنة والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار. وكتاب التوحيد المشتمل على مسائل من هذا الباب. وكتاب في مسائل خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عليه أهل الجاهلية من أهل الكتاب وغيرهم وهو مختصر في نحو كراسة. وكتاب كشف الشبهات في بيان التوحيد وما يخالفه والرد على المشركين. ورسالة في أربع قواعد من قواعد الدين في نحو ورقة، وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكتاب في تفسير شهادة لا إله إلا الله وكتاب في تفسير الفاتحة، ورسالة في معرفة العبد ربه ودينه ونبيه. ورسالة في بيان التوجه في الصلاة ورسالة في معني الكلمة الطيبة. ورسالة في تحريم التقليد

وهذا جل ما وقفت عليه من تآليفه وفيها ما يقبل ويرد وعلى كتابه التوحيد شرح مبسوط مفيد لحفيده مفتي الديار النجدية الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن صاحب الترجمة سماه فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد ولأتباعه أيضا رسائل منها الرسالة الدينية في معني الألوهية للشيخ عبد العزيز بن محمد بن سعود.

وبالجملة فالشيخ محمد بن عبد الوهاب ممن اختلف فيه اعتقاد الناس فمنهم من أثنى عليه في كل ما وضعه ونشره ودعا إليه وقاتل عليه فانتصر له وافتخر بالانتساب إليه وإلي طريقته، ومنهم من أساء الظن به كل الظن فرد عليه كل نقير وقطمير اختاره وذهب إليه وكفره وبدعه، ومنهم من سلك سبيل الإنصاف فقبل من أقواله ما كان صوابًا ورد ما خالف منها سنةً وكتابًا، ولعمري هذا هو الطريق السوي والصراط المستوي انتهى

(يقول الفقير محمد جميل الشطي) وقد اطلعت عندنا على أربع رسائل للمترجم وأتباعه كتب عليها سيدنا الجد شيخ الحنابلة في عصره الشيخ حسن الشطى -رحمه الله- عبارات الرد والصد وقد أُرسلت إليه وقتئذ ليقرظ عليها فيما سمعنا فمما كتبه عليها بخطه قوله في إحداها: أما بعد فقد تأملت هذه الرسالة المشتملة على تضليل وتكفير المسلمين وتحليل دمائهم وأموالهم ونقل كلام الأئمة وأنه موافق لما ادعاه صاحبها فهي في الافتراء والكذب بمكان عظيم قبح الله وجه جامعها وعامله بعمله السيء وردها واضح لمن كان من أهل الفضل فهي كغيرها من رسائلهم في ذلك فلا حاجة إلى الإطالة ومن طالع الكتاب المسمى بالصواعق والرعود في الرد على ابن سعود قضى بالعجب من أمرهم وأنهم توصلوا بالدين إلى الدنيا وقد أخمد الله فتنتهم وشتت شملهم وبقيت بقية من شيعتهم لأمر أراده الله تعالى وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم انتهى كلام الجد،

قلت: وحادثة الوهابية واستيلاؤهم على المدينة المنورة وما فعلوه بها مشهور كل ذلك وما زالوا مستمرين في سلطتهم وبغيهم يكفرون المسلمين ويدعون إلى ما عندهم من الدين، حتى أوفدت الدولة العثمانية محمد علي باشا بجيشه المصري فحاربهم وأجلاهم عن المدينة المنورة وأوقفهم عند حدهم وكان ذلك في حدود سنة 1250.

هذا وقد قلدوا الشيخ ابن تيمية في مسائل وفارقوه بمراحل ولولا خوف الفتن الدينية والسياسية لما انتسبوا إلى ابن حنبل ولا ابن تيمية فهم وصمة في مذهبنا النقي (وأين الشقي المستهام من التقي) ولم تزل نعرتهم فاشية ودعوتهم متمادية حتى سرت إلى كل فؤاد وذكرها الناس في كل ناد وخطب بها الغمر الجاهل ودعا إليها الغر الغافل وما أشبه هؤلاء بالخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه إذ فروا من الكفر فوقعوا فيه وتمسكوا بالدين فزادوا عليه ولا شك أن الزيادة في الدين نقصان والعطاء في غير محله حرمان ولا سيما أن تكفير المسلمين كفر، والخروج عما عليه سوادهم ضلال وخسر، اللهم إلا من اعتدل فبحث متنورا، وحقق متبصرا، ناهجا منهج السلف الصالحين والحنابلة الأثريين، فقد أفرطت الطائفة الأخرى في حشوها وجمودها ومكابرتها وتقليدها والحق لا يزال بين الإفراط والتفريط ومن نحو هذا الاعتدال كان مشرب أستاذنا العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي قدس الله روحه.

وبالجملة فالفرقة الوهابية كما قال العلامة صديق حسن خان أحسن الله إليه يؤخذ من كلامهم ويرد، كما أن فيهم من يعد ومن لا يعد، وقد جرى ذكر مسائلهم في دمشق سنة 1319 فرد عليهم كل من العالمين الأستاذين الشيخ عطا أفندي الكسم والعم الشيخ مصطفى أفندى الشطي. فألف الأول رسالته الأقوال المرضية في الرد على الوهابية، وألف الثاني رسالته النقول الشرعية في الرد على الوهابية. ثم إنه ألف العلامة الشيخ يوسف النبهاني كتابه شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق طعن فيه على الشيخ جمال الدين الأفغاني وتلميذه العلامة الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية وتلميذه صاحب مجلة المنار بمصر وعلى العلامة الكبير محمود أفندي الآلوسي مفتي بغداد وولده العلامة نعمان أفندي وابن أخيه السيد محمود شكرى أفندي وتكلم فيهم بكلمات جارحة. فانتدب هذا ورد على النبهاني المذكور بكتاب أطنب فيه وأسهب سماه غاية الأماني في الرد على النبهانى، ثم عمل الشيخ النبهاني أيضا قصيدته الرائية الصغري ورد فيها على من ذكر أيضاً فقابله بعض علماء نجد بثلاث قصائد من بحره وقافيته وكل ذلك مطبوع مشهور. ثم اطلعت على قصيدة أيضًا لبعض أصحابنا الفضلاء سماها الطامة الكبري على الرائية الصغرى كفانا الله الجدال ورزقنا الاعتدال في كل الأحوال »

الكتاب: مختصر طبقات الحنابلة

جمع وترتيب: جميل أفندي الشطي

الناشر: مطبعة الترقى – دمشق

عام النشر: ١٣٣٩ هـ – ١٩٢١ م

عدد الصفحات: ١٨٧

السابق
توفيق الإله في إثبات نفي المكان لله (عبدالله بن أبي بكر الشافعي)
التالي
بعض الوهابية يسردون لنا أسماء عشر منظومات في العقيدة الأشعرية وغيرها زاعمين أنها مخالفة لعقيدة السلف