ذكر الدكتور جوناثان براون (في الدقيقة14بعد الساعة الأولى) أن الإمام البيضاوي كان ذا ولاء شديد للمغول وأن هولاكو خان وابنه الذي أشرف على تدمير بغداد وقتل مئات الآلاف من الناس قد مدحهم البيضاوي بأنهم يسعون في مصلحة الإسلام ومنفعة المسلمين وزعم براون ان البيضاوي كان يذهب إلى قصرهم ويدخل بلاطهم ويستفيد من دنياهم..
أقول: هذا الكلام غير صحيح قد ظلم به الدكتور براون الإمام الجليل العلامة التقي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي صاحب التفسير المبارك (ت: 685 هج) ظلما كبيرا، وهذه التهمة لا دليل عليها ولم نقف على ما يثبتها.
وقد استغربتها حين سمعتها قبل يومين، وتأنيت في التنبيه على خطئها حتى أنظر في التواريخ والمراجع التي ترجمت للبيضاوي واستوفت أخباره، فلما نظرت وبحثت وتفضل بالتعليق المبطل لهذه التهمة على منشوري السابق العالم المحقق الدكتور حسن الحسين اطمأن قلبي لبطلان هذا الاتهام.
والدكتور حسن محقق كتاب مرصاد الأفهام إلى مبادئ الأحكام أحد كتب الأصول الجليلة التي ألفها الإمام البيضاوي، وقد ترجم للبيضاوي ترجمة حافلة جاء فيها بالجديد المفيد، استقصى لأجلها النظر في الكتب السنية والشيعية والعربية والفارسية التي ترجمت للإمام، أجزل الله مثوبته ونفع بعلمه، قال:(
تقبل الله أعمالكم.
فتحت المقطع من وسطه لدقائق وهو يتكلم عن القاضي البيضاوي رحمه الله مدعيا أنه مدح هولاكو ودخل بلاطه وأثنى عليه، وهذا شيء لم أره، بل وقفت على خلافه -مع حرصي على ترجمة البيضاوي في المصادر العربية وما تيسر ترجمته من المصادر الفارسية-.
والذي وقفت عليه أنه مدح أحمد تكودار ابن هولاكو الذي أسلم وحسن إسلامه وأظهر الشعائر حتى قتله المغول). انتهى
ومن نظر في ترجمة الإمام البيضاوي تبين له دقة هذا الكلام، فإن البيضاوي ولد بالبيضاء ثم انتقل مع والده قاضي القضاة إلى شيراز هربا من المغول وفرارا بالدين، وشيراز كانت تحت حكم الأتابك أبي بكر بن سعد بن زنكي بن مودود الذي حكم شيراز وكثيرا من بلاد فارس من سنة 623 إلى سنة 658 وقد هادن المغول فسلمت شيراز من تخريبهم وفسادهم، وصارت شيراز ملاذ العلماء ومأوى الصلحاء وفيها ظهر فضل البيضاوي وعرف قدره حتى ولي القضاء فباشره بالهمة والاحتراز كما قيل في ترجمته أي كان قاضيا نزيها شديدا في الحق ثم صرف عن القضاء سنة 680 فرحل إلى تبريز التي كان يحكمها السلطان أحمد تكودار بن هولاكو وكان رجلا قد أسلم وحسن إسلامه وبنى المساجد والمدارس العلمية وصالح المنصور بن قلاوون وكان يزور الشيخ الصوفي الزاهد الرباني محمد الكيخاني( أو: الكتحتائي)يحضر عنده مجالس الذكر والوعظ في ليالي الجمعات في مسجده ويستفيد من حاله وكان البيضاوي قد حضر عند الكيخاني فطلب منه أن يشفع له عند السلطان ليوليه منصب قاضي القضاة ولعل سبب ذلك ان البيضاوي يرى نفسه أهلا لذلك ويريد نشر العدل ورد اعتباره فقال الشيخ الزاهد للسلطان أحمد تكودار: (إن هذا الرجل عالم فاضل يريد الاشتراك مع الأمير في السعير، يعني يطلب منكم مقدار سجادة من النار وهو مجلس الحكم)، فأثر كلام الشيخ في البيضاوي وأعرض عن ذلك ولازم الشيخ وزاد من إقباله على العبادة وتفرغ للتأليف والتصنيف وأخرج للأمة تفسيره العظيم النفّاع بإشارة وبركة هذا الولي الرباني الصوفي.
هذا ما ذكره المؤرخون في ترجمة الإمام البيضاوي وقد أثنوا عليه ثناء كبيرا في علمه ودينه ومدحوا مؤلفاته ولم يغمز أحد منه بما قاله الدكتور براون وفقه الله وسدد خطاه.
وكتبه الفقير إلى ربه
أحمدزاهر سالم
ليلة السادس عشر من رمضان 1447