قال الزركشي في «تشنيف المسامع بجمع الجوامع» (4/ 691): «وقد كثر التشنيع على الأشعري رحمه الله في قوله: إن الألفاظ التي في المصحف دالة على كلام الله تعالى لا غير كلام الله تعالى ورد بإجماع السلف على ما بين دفتي المصحف كلام الله تعالى، والأصحاب المحققون يقولون: للقرآن حقيقتان: حقيقة عقلية وحقيقة شرعية فحقيقته الشرعية كلام الله غير مخلوق وهذا هو موضع إجماع السلف ولم يتكلم فيه الأشعري وحقيقته العقلية أن هذه الألفاظ دالة على كلام الله تعالى وليست عين لقيام الدليل العقلي على قدم الكلام ولئلا يلزم كون القرآن مخلوقا وهذا موضع كلام الأشعري مع أنه لا يسوغ إطلاق هذا اللفظ لمنافاته الحقيقة الشرعية، وإنما هو بحث عن الحقيقة العقلية ليعلم كيف هو، وقصد بذلك الجمع بين الأدلة وهي الطريقة المثلى فإنه إن لم يجمع بين العقل والشرع على القطع وقع في مخالفة العقل
بالجملة أو الشرع بالجملة، ونظيره تقسيم الإرادة إلى كونية وشرعية فتمسك بهذا التقرير فإنه من أعظم ما يستفاد في هذا المضيق، وحاصله أن القرآن يطلق على القائم بالنفس وهو كلام الله حقيقة لغوية وعقلية، وعلى هذا المكتوب في المصحف والمحفوظ والمقروء كما سبقت أدلته، وهذه إنما أجمعت عليه الأمة ولم يريدوا أن عين الكلام القديم حال في الورق والصدور لاستحالته بل إن في مصاحفنا كتابة دالة عليه وفي صدورنا حفظا له وفي ألسنتنا قراءة له كما قال تعالى: {النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} فالنبي صلى الله عليه وسلم على الحقيقة مكتوب في التوراة ومعناه أن في التوراة كتابة دالة عليه لا أن نفسه مدرجا في التوراة، وكما يقال: الدار مكتوبة في الصك، وكما أن الله تعالى معلوم بعلومنا مذكور بألسنتنا معبود في مساجدنا غير حال فيها، ولهذا منع بعضهم إطلاق كونه في المصحف حتى يقول: إنه مكتوب فيه دفعا لوهم الحلول ولم يتحاشاه الجمهور تمسكا بقوله تعالى: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} وعلم من ذلك أن القرآن غير المقروء والتلاوة غير المتلو، وخالفت الحشوية فزعموا أن القراءة هي المقروء وهذا من غباوتهم فإن القراءة كسب العبد يثاب عليها إذا كانت مندوبة ويعاقب عليها، إذا كانت حراما والثواب والعقاب إنما يتعلق بفعل المكلف، ولا يعلق كذلك بالكلام الأزلي، قال الآمدي: ولم يخالف في أن القراءة غير المقروء والكتابة غير المكتوبة إلا النجار من المعتزلة ….