الرد على فيديو عبدالله رشدي.(٣).
بعد أن أورد عبدالله رشدي استدلاله الخاطئ بقوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذي من قبلكم لعلكم تتقون}
قال: (ارجع لتفسير الرازي وتفسير الطبري حتى لا تظن أني أجود من عند نفسي أو (بجيب) من عندي؛ ربنا يقول لهم كل هذه الأرباب وكل هذه الآلهة ليس بيدها شيء، فلو ربنا كان يرى أن شرك المشركين هو اعتقاد التأثير لم يقل لهم (اعبدوا ربكم) كان نهاهم عن هذا الاعتقاد وكان خلصت).
ثم استدل بآية: { قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون }. وقال: (المشركون في هذه الآية مقرون بكامل إقرارهم بأن أصنامهم لا تملك شيئا).. انتهى
أقول(عبدالناصر): عبدالله رشدي كعادته هنا يعمم في موضع التخصيص، ويستدل في غير موضع النزاع:
وأما تعميمه في موضع التخصيص: فبزعمه أن كل المشركين لا يعتقدون الضر والنفع من دون الله في أصنامهم، بقوله: (ربنا يقول لهم كل هذه الأرباب وكل هذه الآلهة ليس بيدها شيء). وتعميمه هذا غير صحيح، بل من المشركين من كانوا يعتقدون في أصنامهم الضر والنفع من دون الله، لذلك كانوا يدعونها لقضاء الحوائج من دون الله….وسأستدل لذلك بقول من أحلت إليهما الرازي والطبري.
في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.}[الأعراف، ١٩٤].
قال الطبري: فإن كنتم صادقين أنها تضر وتنفع، وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم, فليستجيبوا لدعائكم إذا دعوتموهم, فإن لم يستجيبوا لكم، لأنها لا تسمع دعاءكم, فأيقنوا بأنها لا تنفع ولا تضر.
وقال الرازي في تفسير هذه الآية: أن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع، وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة، فلا جرم وردت هذه الألفاظ على وفق معتقداتهم.
فهاهما الرازي والطبري يثبتان أن من المشركين من كانوا يعتقدون التأثير بالضر والنفع من دون الله في أوثانهم خلافا لتعميمك.
وأما استدلالك في غير موضع النزاع، فهو الاستدلال بآية: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون}..بأنها يثبت بأن المشركين لا يعتقدون الضر والنفع في أوثانهم..
أقول(عبدالناصر): وأنا أؤيدك بذلك وهو الحق بأن هذه الآية تدل أن هؤلاء المشركين لا يعتقدون الضر والنفع بأصنامهم، ولكن هذه الآية خاصة بمن كان يعتقد أن عبادة أصنامهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تشفع لهم من غير إذن الله وليست عامة لكل المشركين.
قال الرازي مؤكدا أن هذه الآية خاصة بأولئك بقوله: “وهذا يدل على أن المخاطبين بهذا الكلام كانوا يعرفون الله ويقرون به، وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام إنها تقربنا إلى الله زلفى، وإنهم شفعاؤنا عند الله وكانوا يعلمون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر”.
ولكن ما لا تعرفه أو لا تريد أن تعرفه أن هذا النوع من المشركين الذي يعبدون أوثانهم لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله بعبادتها وأنها تشفع لهم من غير إذن الله، لم يكونوا يطلبون منها قضاء الحوائج، وإنما كانوا يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى ليس إلا…
قال الفخر الرازي عن هؤلاء المشركين: “واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أمْرَيْنِ،
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ.”
فلا حجة لك بالاستدلال بهؤلاء على المسألة المتنازع فيها وهي دعوانا: [كون الشرك في طلب قضاء الحوائج لا يكون إلا فيمن يعتقد تأثير الضر والنفع من دون الله في المطلوب منه]، لأن هؤلاء المشركين المستدل بهم لم يكونوا يطلبون قضاء الحوائج من أصنامهم أصلا لاعتقادهم أنها لا تضر ولا تنفع، فلا يستدل بهم على ما لم يكونوا يفعلونه…وإنما عبدوها لاعتقادهم بها التأثير في التقريب لله والشفاعة من غير إذن الله، وليس التأثير في الضر والنفع من غير إذن الله. فبطل بذلك استدلالك بأصحاب هؤلاء الآية، لأنه في غير موضع النزاع.
وبهذا يظهر أن عبدالله رشدي يعمم في موضع التخصيص وهو تضليل، ويستدل في غير موضع النزاع وهو تدليس، فهو مضلل مدلس. يتبع….
وليس بعد الحق إلا الضلال.