حكم الاستغاثة ودعاء غير الله

الرد على فيديو عبدالله رشدي.(٢) في مسألة الاستغاثة/ الشيخ عبد الناصر حدارة

الرد على فيديو عبدالله رشدي.(٢)
بعد أن عزمت على تأجيل الرد على فيديو عبدالله رشدي بسبب نقله وزوجته مشاكلهما العائلية على مواقع التواصل، رأيت مقالا جديدا له يتحدث به عن رؤية والده ويسخر من الاستغاثة…فعزمت على إكمال الرد عليه..وهذا هو ردي الثاني:

قال عبدالله رشدي في الفيديو الخاص به:
(هل الضُلّال الأوائل كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها تضر وتنفع من دون الله أي لها استقلال بإيجاد النفع والضر يعني بعبارة أخرى على اصطلاح المتكلمين: هل كانوا يعتقدون بها التأثير بدورها في الكون فهي موجدة مع الله وتخلق وتحي وتميت وترزق ولها قدرة خاصة لها استقلال عن قدرة الله؟)

ثم ذكر بعد سؤاله هذا بأن: (الاستفادة من جواب هذا هذا السؤال يبين الضابط الذي الضلالية اليوم يقولون: إنك مهما طلبت من غير الله فلا إشكال أبدا ما دمت تعتقد أن الله المؤثر وحده في الكون أي هو القادر أو الموجد أو المخترع فلا فاعل إلا الله، فأنت اعتقادك صحيح، فأي واحد ستطلب منه أي حاجة ميت حي حجر صنم جن أزرق، أنت على التوحيد المستقيم وعلى الدين الصحيح….لأن ما يطلب من الحي يطلب من الميت على زعم هؤلاء ولأن اعتقادك سليم….)

وأتبع ذلك بقوله: (ومن أجل إبطال هذا الكلام لا بد أن نأتي بدليل من القرآن يبطل اعتقاد هؤلاء بأن الضلال الأوائل ما كانوا يعتقدون التأثير في معبوداتهم وفي أصنامهم ومع ذلك حكم القرآن على أفعالهم بالكفر والشرك …وهذا يلزم من أن الشرك يتصور وقوعه من الإنسان ولو لم يعتقد التأثير في هذا المطلوب منه…..)

ثم استدل بقوله تعالى في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}…وقال: (لو كان شركهم مجرد اعتقادهم التأثير لقال لهم يا أيها الناس لا تعتقدون التأثير في هذه الأوثان ولما أمرهم أن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئا)…انتهى كلامه بتصرف..

أقول(عبدالناصر): لو يعلم عبدالله رشدي حجم المغالطات في كلامه هذا الذي يدل على عظم جهله لبكى على نفسه كثيرا….سأبدأ بتفنيد أهم هذه المغالطات:

أولا: أما عن سؤالك: هل كان المشركون يعتقدون التأثير في أصنامهم؟….
فجوابه: نعم…ولكن اعتقاد التأثير في أصنامهم ليس هو الذي تروج له الذي هو الخلق والإيجاء والإحياء والإماتة….بل المشركون كانوا يرون أن لله الخلق والتدبير، ولكنهم كانوا يعتقدون أن الله أعطى أصنامهم جزء تدبير وهو حق الشفاعة لمن عبدهم من غير إذن الله، فهم عبدوهم لاعتقادهم الشفاعة بهم من غير إذن ولأن الله أجلّ من أن يعبده البشر، لذلك لا يمكن التقرب إليه إلا من خلال أوثانهم….فاعتقاد المشركين التأثير في أوثانه هو باعتقاد أنها تشفع من غير إذن الله وأنها واسطة لا يمكن التقرب إلى الله إلا من خلالها لذلك عبدوهم…

وقد بيّن هذا المعنى بوضوح الفخر الرازي الذي تمدحه وتحيل إليه فاسمع لكلامه: “قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾…….واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ.”
ثم قال: “إنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ تَوَهَّمُوا أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ أشَدُّ في تَعْظِيمِ اللَّهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. فَقالُوا: لَيْسَتْ لَنا أهْلِيَّةٌ أنْ نَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ نَحْنُ نَشْتَغِلُ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وأنَّها تَكُونُ شُفَعاءَ لَنا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.”

وقال في تفسير قوله تعالى: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}: “وحاصِلُ الكَلامِ لِعُبّادِ الأصْنامِ أنْ قالُوا: إنَّ الإلَهَ الأعْظَمَ أجَلُّ مِن أنْ يَعْبُدَهُ البَشَرُ، لَكِنَّ اللّائِقَ بِالبَشَرِ أنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبادَةِ الأكابِرِ مِن عِبادِ اللَّهِ، مِثْلَ الكَواكِبِ، ومِثْلَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّها تَشْتَغِلُ بِعِبادَةِ الإلَهِ الأكْبَرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ “.

هذه النقول عن الفخر الرازي تؤكد أن المشركين اعتقدوا التأثير في أوثانهم بأنها تشفع من غير إذن الله وأن الله أجلّ من أن يعبده البشر لذلك لا يمكن عبادته إلا من خلال عبادة الأوثان…لذلك عبدوها…فهم لم يعبدوها لمجرد عبادتها..كما يزعم رشدي.
هذه واحدة ردّها عليّ إن استطعت..

ثانيا: وأما عن قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم…..} ثم تعقيبك بأن المشركين لو كانوا يعتقدون التأثير لكان أمرهم الله بعدم اعتقاد التأثير وليس بعبادته….يدل على فهمك شديد الاعوجاج…ذلك أن الآية الأولى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} وإن أمرتهم بتوحيد العبودية، ولكن الآية الثانية:{ الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء…..} دلت على سبب دعوته لعبادتهم له وحده بأنه هو الرب الخالق الرازق…ومعنى الآيتين معا أن الله وحده مستحق العبادة لأنه وحده هو الرب….فلو لم يكونوا يعتقدون في آلهتهم ربوبية لكان بيانه تعالى بأنه الرب الخلق الرازق تحصيل حاصل وهو عبث….حاشاه…

واعلم يا عبدالله رشدي أنه يستفاد من هاتين الآيتين معا أن شرك العبودية لازم شرك الربوبية، لذلك أمرهم الله بتوحيد العبودية مبينا لهم استحقاقه لذلك لأنه الرب وحده…فلو كانوا يعتقدون الربوبية لله وحده ويعبدون غيره، أي يوحدون الربوبية ويشركون في العبودية، فلا حجة بتبيان الله لهم بأنه هو الخالق الرازق، بعد نهيهم عن عبادة غيره، لأنه تحصيل حاصل….فالآتيتان تفيدان معا: أن توحيد الربوبية يلزم منه توحيد الألوهية…فافهم.

ثالثا: قولك مستهزئا: (فأي واحد ستطلب منه أي حاجة ميت حي حجر صنم جن أزرق، أنت على التوحيد المستقيم وعلى الدين الصحيح)!!….

أقول: الجن الأزرق يركبك أكثر مما هو راكبك يا ضلالي… كيف تزعم أن المستغيثين يجيزون الطلب من الحجر والصنم وتعلل ذلك بقولك:(لأن ما يطلب من الحي يطلب من الميت على زعم هؤلاء ولأن اعتقادك سليم….)…وهل الصنم والحجر يجوز عليهما الحياة والموت يا فهيم!!!

اسمع يا مدلس: القاعدة عند المستغيثين أنه لا تجوز الاستغاثة إلا بما ورد النص بالاستغاثة به وبالقياس عليه، فهو الذي يستغاث به، وما لم يرد النص بالاستغاثة به فلا يجوز، لأن الاستغاثة السنية مسألة فقهية تحتاج لدليلها الشرعي وليست عقائدية كما عندك وعند من تتبعهم..فاتق الله ولا تشاغب…
وليس بعد الحق إلا الضلال.

أخوكم عبد الناصرحدارة.

السابق
إذا قال لك الوهابي يا مبتدع ! فاسرد له عشرات بل مئات البدع التي صدرت من السلف والسلفية والوهابية (نسخة أولى بدون حواش، غير نهائية قابلة للتعديل)
التالي
عن_السلف (4) نحتكم لعقل من؟