والدي الحبيب؛ يا طالب العلم:
ما زلت أذكر كيف كنت تتكلم بشغف عن جلوسك في دروس شيخك وشيخ الشاذليّة في بلاد الشام: الشيخ (محمد الهاشمي التلمساني) وما كان يتحفكم به من نصائح ودرر غاليات وما كان يلقمكم إياه من المودّة والحكمة والطعام المغربي أيضًا.
تتحدّث عن تتلمذك على الكبار مثل محمد المبارك ومصطفى السباعي ومحمد الحامد ومحمد المنتصر الكتاني ومصطفى الزرقا وأمثالهم بفخر المعتزّ بآبائه في العلم.
يا والدي، أيها المعلم المربّي:
كنتَ المربي والوالد لكثير من طلاب العلم في العالم الإسلاميّ
ربيت أجيالا من طلاب العلم على حبّ العلم ودروسه فكتب لك به عمل صالح وأجر مستمرّ
لم تنقطع عن تدريس العلوم ولو كلّفك ذلك سفرًا أسبوعيًّا من بلد إلى آخر!
درّست قبل هجرتك في حماة ثم لما اضطرك ظلم الظالمين إلى الهجرة تابعت تدريسك في الإمارات ثمّ في الأردن، ولم تنقطع عنه في مرض ولا صحة، وفي شباب ولا هرم، وفي مطاردة الظالمين لك.
يا والدي، أيها العالم المتواضع:
كنت حريصًا في سفرك على اللقاء بالعلماء، في كلّ محطّة تمرّ بها، فتوثقت صلتك بهم، كنت لا تبارح مجلس الشيخ عبد القادر عيسى، والشيخ محمد علي المراد والشيخ عبد الفتاح إلى غدة.
تصحبنا إلى مجالسهم للانتفاع والتبرك والتربية والتعلّم.
يا والدي: أيها العارف بالله!
حرصتَ على تنقية التصوّف من تشويشات المشوّشين؛ إعادة له إلى النقاء والكمال، وتأكيدًا على علميّة التصوّف والتزامه بالشريعة الظاهرة، وثبات أربابه على السنن الثابتة، حتّى كلّفك ذلك خسارة كثير من المتمسّكين بما وجدوا عليه شيوخهم! فما زادك ذلك إلا حرصًا على خطّك العلمي المتوازن في التعامل مع المتصوّفة.
حتى اجتمع فيك معرفة الله صوفيّة علميّة منضبطة بالكتاب والسنّة وظواهر الشريعة مع تحقّق يسلفيّة حقّة متوازنة متمسّكة بالمذهب الحنفيّ أصولا وفروعًا.
والدي الحبيب.
تمر بي اليوم ذكرى رحيلك السادسة عن هذه الدنيا فأرى أحبابك وطلابك صاروا قادة في العمل الإسلامي ورموزا للدعوة إلى الله تعالى في بلادهم
مرّت سنون بالوصال وبالهنا
فكأنها من قصرها أيام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها
فكأنها وكأنهم أحلامُ
اللهمّ تقبّله في الصالحين وارفع درجاته في العلماء العاملين بصحبة سيّد المرسلين.
الذكرى السادسة لوفاة الوالد الحبيب فضيلة الشيخ أحمد الجمّال الحمويّ الحنفيّ 2/ 10/ 2026م.