تصوف ابن تيمية .. وكراماته /
وله مقام في الوصول لربه ** ومقامه نطقت بها الأقتام
وله فتوح من غيوب إلهه ** وتحزن وتمسكنوكلام
وتصوف وتقشف وتعفف ** وقراءة وعبادة وصيام
وعناية وحماية ووقاية * * وصيانة وأمانة ومقام
وله كرامات سمت وتعددت * * ولها على مر الدهور دوام
منرد عن أرض الشآم بعزم ** من صد وجه الكفر وهو حسام
من رد غازان الهمام بحسرة * * من خلص الأسرى وهم أيتام
من قام بالفتح المبين مؤيدا ** في كسروان وهم طغاةعظام
المرجع : العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي 1/ 500
“قطب الزمان والكون .. وحبر الوجود/
قطب الزمان وتاج الناس كلهمو ** روح المعاني حوى كل العبادات
حبر الوجود فريد في معارفه ** أفنى بسيف الهدى أهل الضلالات
المرجع : العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي 1/491
فمن كان قطب الكون في حال عصره * * سواه ومن قد فاز بالبدلية
المرجع : العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، لمحمد بن أحمد بن عبد الهاديبن قدامة المقدسي 1/ 486
“تخشع الأبصار لهيبة نعشه ، وتطوف به الملائكة /
خشعت لهيبة نعشك الأبصار ** لما عليه تبدت الأنوار
وبه الملائكة الكرام تطوفت ** زمرا وحفت حوله الأبرار
المرجع : العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ،لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي 1/ 434
” يشكو إليه .. ويفديه الأنام وهو في جنات عدن/
أشكو إليك وأنتأصل شكايتي * * من فرط ضر في افتقادك مسنا
قد عبرت عبراتنا من حزننا * * وبمايجن من الجوى نطق الضنى
سقيا لتلك الروح من سحب الرضا ** وتبوأت جنات عدن مسكنا
لو كان فيها الموت يقبل فدية * * كان الأنام فدى وأولهم أنا
المرجع : العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، لمحمد بن أحمد بن عبد الهاديبن قدامة المقدسي 1/480
” شرب بكأس العارفين مدامة .. ونال قربا لا ينال بحيلة/
شربت بكأس العارفين مدامة * * حقيقتها من سر عين الحقيقة
وجدتبكأس الفضل منك تكرما * * على تابعين السنة الأحمدية
فسبحان من أعطاك من فضلجوده * * لقد نلت قربا لا ينال بحيلة
المرجع : العقود الدرية من مناقب شيخالإسلام أحمد بن تيمية ، لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي 1/488
” منحه لفتوح الغيب/
يا غنية المبتغين الرشدمانحهم * * فتوح غيب أتى من عند باريه
المرجع : العقود الدرية من مناقبشيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي1/459
“مجده قد أعيا الواصفين وصير آذانهم حائرة .. ويحلف به /
ومجدك قدأعيا الواصفيـ * * ن وصير آذانهم حائره
ولكن ذلك جهد المقل * * فكن بالقبول لهجابره
أيا من دعائي ويا من ولائي * * وفائح أثنيتي العاطره
لعلياء حضرتهدائما ** تردد واردة صادره
لعمرك إن كان حظي غد ا * * من الله في داره الآخره
كما هو عندك في هذه ** فتلك إذا كرة خاسره
المرجع : العقود الدريةمن مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامةالمقدسي 1/462
” الشمس في مأتم عليه … وهو جل وعلا عن الشبيه /
أو ما ترى شمس الضحى في مأتم ** والجو قد لبس الحداد لبعده
فليدخلن لأرض مصر إمامنا * * بسكينة حفت به من عنده
وليرجعن إلى دمشق مؤيدا * * حقا كما عاد الحسام لغمده
وترى بعينك ما يسوؤك من علا ** يفنى الزمان ولا نفاد لمجده
المرجع : العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي 1/ 440
” مشيعوه ” والله ” لا تحصيهم الأقلام /
أن الأولى شهدوا الصلاة وشيعوا * * والله لا تحصيهم الأقلام
مرجع : العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي 1/ 502
تبرئة ابن تيمية للصوفية:
1- جاء في كتابه ابن تيمية ” بيان تلبيس الجهمية ص 238 ” ما نصهُ
” فأما شيوخ الصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم في الأمة لسان صدق مثل أبي القاسم الجنيد وسهل بن عبدالله التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبي العباس ابن عطاء بل مثل أبي طالب المكي وأبي عبدالرحمن السلمي وأمثال هؤلاء فحاشا لله أن يكونوا من أهل هذا المذهب بل هم من أبعد الطوائف عن مذهب الجهمية في سلب الصفات فكيف يكونون في مذهب الدهرية المنكرين لانفطار السموات والأرض وانشقاقهما نعم يوجد مثل ذلك في المتكلمين بكلام الفقهاء من أهل الفلسفة والكلام وغيرهم وهذا الرجل قد ذكر أصناف الأمة في الأمور الهية الذين سماهم حشوية والأشعرية والمعتزلة والباطنية وذكر الصنف الرابع الباطنية ولم يتعقبهم بكلام إلا ما ذكره من مذهب الصوفية أنهم يلتمسون العلم بطريقة إماتة الشهوات فإن كان قد جعل هؤلاء هم الباطنية فهذا خطأ عظيم وإن كان يوجد فيهم من يقول بقول الباطنية كما يوجد مثل ذلك في المتكلمين والفقهاء ولعل شبههم في ذلك مع ما حكاه عنهم في أمر المعاد أنهم يقولون علم الباطن وينتسبون إلى علم الباطن ولكن هذا اللفظ فيه إجمال وإيهام فالصوفية العارفون الذين لهم في الأمة لسان صدق إذا قالوا علم الباطن وعلوم الباطن ونحو ذلك فهم لا يريدون بذلك ما يناقض الظاهر بل هم متفقون على أن من ادعا باطنا من الحقيقة يناقض ظاهر الشريعة فهو زنديق وإنما يقصدون بذلك عمل باطن الإنسان الذي هو قلبه بالأعمال الباطنة كالمعرفة والمحبة والصبر والشكر والتوكل والرضا ونحو ذلك ما هو كله تحقيق كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . /
وجاء في نفس المرجع السابق ص 260 قولهُ
” وأما القسم الثاني فالذين يتكلمون في الأمور الباطنة من الأعمال والعلوم لكن مع قولهم إنها توافق الظاهر ومع اتفاقهم على أن من ادعى باطنا يخالف الظاهر فهو منافق زنديق فهؤلاء هم المشهورون بالتصوف عند الأمة وهم في ما يتكلمون فيه من الأعمال الباطنة وعلم الباطن يستدلون على ذلك بالأدلة /
وقبل الاسترسال في الكلام نود ان نُؤصل قاعدة
والقاعده هي مانقله ابن تيميه عن الصوفيه انفسهم حيث قال في بيان تلبيس الجهميه ص 261 :-
” فكذلك المشائخ الصوفية برآء من بدع أهل التصوف فضلا عن من دخل فيهم من المتفلسفة وغيرهم فهذا أصل عظيم ينبغي معرفته واعتبر ذلك بما ثبت مقبولا من أئمة المشائخ كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرحي والسري السقطي والجنيد بن محمد وسهل ابن عبدالله التستري وعمرة وبن عثمان المكي وخلائق قبل هؤلاء من الصحابة فالصوفية العارفون الذين لهم في الأمة لسان صدق إذا قالوا علم الباطن وعلوم الباطن ونحو ذلك فهم لا يريدون بذلك ما يناقض الظاهر بل هم متفقون على أن من ادعا باطنا من الحقيقة يناقض ظاهر الشريعة فهو زنديق وإنما يقصدون بذلك عمل باطن الإنسان الذي هو قلبه بالأعمال الباطنة كالمعرفة والمحبة والصبر والشكر والتوكل والرضا ونحو ذلك/
قال ابن تيمية في درء التعارض ص4الجزء الخامس مانصهُ
“هذا وشيوخ التصوف المشهورون من أبرأ الناس من هذا المذهب “اي مذهب نفات الصفات والملاحدة الدهرية والحلولية ” وأبعدهم عنه وأعظمهم نكيرا عليه وعلى أهله وللشيوخ المشهورين بالخير كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبي عثمان النيسابوري وأبي عبد الله بن خفيف الشيرازي ويحيى بن معاذ الرازي وأمثالهم من الكلام في إثبات الصفات والذم للجهمية والحلولية ما لا يتسع هذا الموضع لعشرة .
بل قد قيل للشيخ عبد القادر الجيلي قدس الله روحه هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل فقال لا كان ولا يكون والاعتقاد إنما أضيف إلى أحمد لأنه أظهره وبينه عند ظهور البدع وإلا فهو كتاب الله وسنة رسوله حظ أحمد منه كحظ غيره من السلف معرفته والإيمان به وتبليغه والذب عنه كما قال بعض أكابر الشيوخ الاعتقاد لمالك والشافعي ونحوهما من الأئمة والظهور لأحمد ابن حنبل / أهـ
ابن تيمية يبرء الصوفية من بدع اهل الكلام والفلسفة والباطنية فقد جاء في في كتابهِ ” بيان تلبيس الجهمية ” ص261 ما نصهُ:-
“وأما القسم الثاني فالذين يتكلمون في الأمور الباطنة من الأعمال والعلوم لكن مع قولهم إنها توافق الظاهر ومع اتفاقهم على أن من ادعى باطنا يخالف الظاهر فهو منافق زنديق فهؤلاء هم المشهورون بالتصوف عند الأمة وهم في ما يتكلمون فيه من الأعمال الباطنة وعلم الباطن يستدلون على ذلك بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة كما يستدل بذلك على الأعمال الظاهرة وذلك في علم الدين والإسلام كما للإنسان بدن وقلب وهؤلاء من أعظم الناس إنكارا على من يخالف الظاهر ممن فيه نوع تجهم مثل الباطنية الدهرية وهم أشد إيمانا بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا من غيرهم وأشد تعظيما للأعمال الظاهرة مع الباطنة من غيرهم ولكن يوجد فيهم من جنس ما يوجد في بقية الطوائف من البدعة والنفاق مثل من قد يرى الاستغناء بالعمل الباطن عن الظاهر ومن يدعي أن للقرآن باطنا يخالف ظاهره ونحو ذلك من صنوف المنافقين والزنادقة فهؤلاء بالنسبة إلى الصوفية الذين هم مشائخ الطريقة الذين لهم في الأمة لسان صدق بالنسبة إلى المنافقين الزنادقة ومن متكلمي الفلسفة ونحوهم موجودين في الفقهاء بالنسبة إلى الفقهاء الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق فكما أن أولئك الأئمة الفقهاء براء من بدع أهل الكلام فضلا عن بدع الفلاسفة من الباطنية ونحوهم فكذلك المشائخ الصوفية برآء من بدع أهل التصوف فضلا عن من دخل فيهم من المتفلسفة وغيرهم فهذا أصل عظيم ينبغي معرفته . /
تبرئة ابن تيمية للصوفية من الجهل
ابن تيمية يبرء الصوفية من بدع اهل الكلام والفلسفة والباطنية فقد جاء في في كتابهِ ” بيان تلبيس الجهمية ” ص261 ما نصهُ:-
“وأما القسم الثاني فالذين يتكلمون في الأمور الباطنة من الأعمال والعلوم لكن مع قولهم إنها توافق الظاهر ومع اتفاقهم على أن من ادعى باطنا يخالف الظاهر فهو منافق زنديق فهؤلاء هم المشهورون بالتصوف عند الأمة وهم في ما يتكلمون فيه من الأعمال الباطنة وعلم الباطن يستدلون على ذلك بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة كما يستدل بذلك على الأعمال الظاهرة وذلك في علم الدين والإسلام كما للإنسان بدن وقلب وهؤلاء من أعظم الناس إنكارا على من يخالف الظاهر ممن فيه نوع تجهم مثل الباطنية الدهرية وهم أشد إيمانا بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا من غيرهم وأشد تعظيما للأعمال الظاهرة مع الباطنة من غيرهم ولكن يوجد فيهم من جنس ما يوجد في بقية الطوائف من البدعة والنفاق مثل من قد يرى الاستغناء بالعمل الباطن عن الظاهر ومن يدعي أن للقرآن باطنا يخالف ظاهره ونحو ذلك من صنوف المنافقين والزنادقة فهؤلاء بالنسبة إلى الصوفية الذين هم مشائخ الطريقة الذين لهم في الأمة لسان صدق بالنسبة إلى المنافقين الزنادقة ومن متكلمي الفلسفة ونحوهم موجودين في الفقهاء بالنسبة إلى الفقهاء الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق فكما أن أولئك الأئمة الفقهاء براء من بدع أهل الكلام فضلا عن بدع الفلاسفة من الباطنية ونحوهم فكذلك المشائخ الصوفية برآء من بدع أهل التصوف فضلا عن من دخل فيهم من المتفلسفة وغيرهم فهذا أصل عظيم ينبغي معرفته . /
ينسب ابن تيمية الصوفية إلى السنة وإلى مالك والشافعي:
قال ابن تيمية في درء التعارض ص502 الجزء8 وهو يصف الشيوخ الصوفية بأنهم ممن ينتسبون لأهل السنة ما نصهُ :-
“وهذا الشيخ أبو محمد بن عبد البصري المالكي طريقته طريقة أبي الحسن بن سالم وأبي طالب المكي وامثالهما من المنتسبين إلى السنة والمعرفة و التصوف واتباع السلف وائمة السنة والحديث كمالك وسفيان الثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي واحمد ابن حنبل وأمثالهم وكذلك ينتسبون إلى سهل بن عبد الله التستري وامثاله من الشيوخ /
يقول ابن تيمية لأحد شيوخ الصوفية الشاذلية [شيخنا الإِمام العارف القدوة السالك]
قال الشيخ العلامة ابن رجب الحنبلي في كتابه ذيل طبقات الحنابلة في ترجمة: أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن مسعود بن عمر الواسطي الحزامي [ج2/ص 256]: الزاهد القدوة العارف، عماد الدين أبو العباس، ابن شيخ الحزاميين: ولد في حاثي عشر- أو ثاني عشر- ذي الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة بشرقي واسط.
وكان أبوه شيخ الطائفة الأحمدية. ونشأ الشيخ عماد الدين بينهم، وألهمه اللّه من صغره طلب الحق ومحبته، والنفور عن البدع وأهلها، فاجتمع بالفقهاء بواسط كالشيخ عز الدين الفاروتي وغيره. وقرأ شيئاً من الفقه على مذهب الشافعي. ثم دخل بغداد، وصحب بها طوائف من الفقهاء، وحج واجتمع بمكة بجماعة منهم. وأقام بالقاهرة مدة ببعض خوانقها، وخالط طوائف الفقهاء، ولم يسكن قلبه إلى شيء من الطوائف المحدثة. واجتمع بالإِسكندرية بالطائفة الشاذلية، فوجد عندهم ما يطلبه من لوايح المعرفة، والمحبة والسلوك، فأخذ ذلك عنهم، وانتفع بهم، واقتفى طريقتهم وهديهم.
ثم قدم دمشق، فرأى الشيخ تقي الدين ابن تيمية وصاحبه، فدله على مطالعة السيرة النبوية، فأقبل على سيرة ابن إسحاق تهذيب ابن هشام، فلخصها واختصرها، وأقبل على مطالعة كتب الحديث والسنة والآثار، وتخلى من جميع طرائقه وأحواله، وأذواقه وسلوكه، واقتفى آثار الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه، وطرائقه المأثورة عنه في كتب السنن والآثار، واعتنى بأمر السنة أصولاً وفروعاً، وشرع في الرد على طوائف المبتدعة الذين خالطهم وعرفهم من الاتحادية وغيرهم، وبين عوراتهم، وكشف أستارهم، وانتقل إلى مذهب الإمام أحمد. وبلغني: أنه كان يقرأ في “الكافي” على الشيخ مجد الدين الحراني الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. واختصره في مجلد سماه “البلغة” وألف تآليف كثيرة في الطريقة النبوية، والسلوك الآثري والفقر المحمدي؛ وهي من أنفع كتب الصوفية للمريدين، انتفع بها خلق من متصوفة أهل الحديث ومتعبديها.
وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية يعظمه ويجله، ويقول عنه: هو جنيد وقته. وكتب إليه كتاباً من مصر أوله “إلى شيخنا الإِمام العارف القدوة السالك”.
قال البرزالي عنه في معجمه: رجل صالح عارف، صاحب نسك وعبادة، وانقطاع وعزوف عن الدنيا. وله كلام متين في التصوف الصحيح. وهو داعية إلى طريق الله تعالى، وقلمة أبسط من عبارته. واختصر السيرة النبوية. وكان يتقوت من النسخ، ولا يكتب إلا مقدار ما يدفع به الضرورة. وكان محباً لأهل الحديث، معظماً لهم. وأوقاته محفوظة.
وقال الذهبي: كان سيداً عارفاً كبير الشأن، منقطعاً إلى اللّه تعالى. وكان ينسخ بالأجرة ويتقوت، ولا يكاد يقبل من أحد شيئاً إلا في النادر. صنف أجزاء عديدة في السلوك والسير إلى اللّه تعالى، وفي الرد على الإتحادية والمبتدعة. وكان داعية إلى السنة، ومذهبه السلف الصالح في الصفات، يُمِزها كما جاءت، وقد انتفع به جماعة صحبوه، ولا أعلم خلف بدمشق محْي طريقته مثله.
قلت: ومن تصانيفه “شرح منازل السائرين” ولم يتمه، وله نظم حسن في السلوك.
كتب عنه الذهبي والبرزالي، وسمع منه جماعة من شيوخنا وغيرهم، وكان له مشاركة جيدة في العلوم، وعبارة حسنة قوية، وفهم جيد، وخط حسن في غاية الحسن. وكان معمور الأوقات بالأوراد والعبادات، والتصنيف، والمطالعة، والذكر والفكر، مصروف العناية إلى المراقبة والمحبة، والأنس باللّه، وقطع الشواغل والعوائق عنه، حثيث السير إلى وادي الفناء باللّه، والبقاء به، كثير اللهج بالأذواق والتجليات، والأنوار القلبية، منزوياً عن الناس، لا يجتمع إلا بمن يحبه، ويحصل له باجتماعه به منفعة دينية.
ولم يزل على ذلك إلى أن توفي آخر نهار السبت سادس عشر ربيع الآخر سنة إحدى عشر وسبعمائة. بالمارستان الصغير بدمشق، وصُلِّي عليه من الغد بالجامع. ودفن بسفح قاسيون، قبالة زاوية السيوفي، رضي الله عنه.
46- الإمام ابن كثير صوفي بل شاذلي الطريقة كما نقل عنه تلميذه الصفدي.
نقل الصفدي تلميذ العلامة ابن كثير (وهو تلميذ ابن تيمية) أن ابن كثير تصوف على طريقة سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه
قال الإمام الصفدي في الوافي في الوفيات (21/141-142)
ط دار إحياء التراث العربي ط أولى 1420هـ 2000م
في ترجمة سيدي ومولاي ابي الحسن الشاذلي رضي الله عنه:
((وقد رأيت شيخنا عماد الدين قد فتر عنه في الآخر وبقي واقفاً في هذه العبارات حائراً في الرجل لأنه كان قد تصوف على طريقته)) .
47- لبس ابن تيمية وابن القيم الخرقة القادرية الصوفية
بيان لبس ابن تيمية وابن القيم الخرقة الصوفية :
من كلام الأخ: يونس حديبي العامري
قد يبدوا هذا القول غريبا بعض الشيء وخاصة بمن تعلق بأقوال الشيخ ابن تيمية المناقضة بقول لبس الخرقة الصوفية المسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولسنا هنا في معرض إثبات اتصال السند،فإنه واضح وضوح الشمس في كبد السماء، ويكفي الرجوع إلى المظان الخاصة بإثبات ذلك، وانظر هنالك، مثلا بحوث العلامة الحافظ السيوطي رحمه الله، وكذا الشيخ سيدي الحافظ العلامة الغماري، في بيان انتساب الصوفية للإمام علي عليه السلام وبيان إثبات سماع الإمام حسن من الإمام علي عليه السلام.
انتسب الشيخ ابن تيمية للطريقة القادرية لمؤسسها العلامة القطب سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه ومما يشهد بذلك دفاع ابن تيمية الكثير على القطب سيدي عبد القادر الجيلاني وتأويل عباراته كما هو موجود في مجموع فتاويه في مسألة القدر وتأثير الأرواح وقوله بشطحات الصوفية وكذا ذكرها الشيخ ابن القيم وذكر بعض طلاسم ابن تيمية الذي عجز الشيخ ابن القيم ورغم منزلته العظيمة عند الحنابلة أن يحل طلاسمه بل فوضها وسلم له قوله كما في المدارج!!؟ وكذا تسليم قول شيخ الإسلام الهروي الصوفي بقوله بوحدة الوجود والإتحاد كما يسميها المخالف؟!!وبعد هذا تجده ينكر على الكثير من العلماء القائلين بما قال به شيخه!! وهذا المبحث يطول ونحن في معرض الإثبات لا الرد..
لقد حكى الشيخ ابن عبد الهادي (ت 909) أن ابن القيم وابن تيمية لبسا الخرقة وأنه بين ابن تيمية وبين الشيخ القطب الجيلاني ثلاث شيوخ هم محل إجلال عند ابن تيمية ابن قدامة وابن قدامة وابن قدامة وهم شيوخ المدرسة الحنبلية وأثنى عليهم في كثير من فتاويه.
وقد قام دارس والباحث في المدرسة الحنبلية المستشرق جورج المقدسي ذو الأصل اللبناني في مقالات منشورة عام 1970 بعنوان “ابن تيمية صوفي من الطريقة القادرية”
“…. وفي كتاب ليوسف بن عبد الهادي الحنبلي سماه بدء العلقة بلبس الخرقة
وذكر فيها –أي ابن عبد الهادي- ابن تيمية في سلسة الطريقة مع غيره من شيوخ الحنابلة.
وسلسلة الخرقة تنازليا هي:
*عبد القادر الجيلاني 561 هـ
*أبو عمر ابن قدامة 607 هـ
*موفق الدين ابن قدامة620 هـ
*ابن أبي عمر ابن قدامة 682 هـ
*ابن تيمية 728 هـ
*ابن القيم 751هـ
ثم ذكر كلاما مهما جدا وهو نقل عن ابن تيمية نفسه (….وقال ابن تيمية في المسائل التبريزية …. مخطوطة دمشق الظاهرية : ” لبست الخرقة المباركة للشيخ عبد القادر وبيني وبينه اثنان ” . ).
مع العلم أنه ذكر أن أبو عمرو وموفق الدين لبسا الخرقة هما الاثنان من عند سيدي عبد القادر الجيلاني على ما ذكره الحافظ العلامة ابن رجب الحنبلي رحمه الله.
والشيخ ابن عبد الهادي هذا هو غير تلميذ ابن تيمية المعروف صاحب صارم المنكي(والصواب المنكيء إرشاد من العنوان) وهو صاحب عقيدة حشوية كابن عبد الهادي الأول لكي لا نقول بان الرجل ينسب لابن تيمية خلاف الواقع لأن العقيدة واحدة والمنهج واحد فتفهم ومما يزيد بيانا ووضوحا قوله أي الشيخ يوسف ابن عبد الهادي في نفس مبحثه ناقلا عن ابن ناصر الدين :
(( وأحد طرقها التي بها نقلت إلينا ولله الحمد وصلت الطريقة التي أشار إليها بقية العلام وأحد مشايخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله قال:وقد كنت لبست خرقة التصوف من طرف جماعة من الشيوخ من جملتهم الشيخ عبد القادر الجيلي وهي أجل الطرق المشهورة.
وقال مرة: فأجل الطرق طريق سيدي عبد القادر الجيلي رحمة الله عليه.اهـ
فانظر رحمك الله تعالى إلى قوله!!؟؟ -وهي أجل الطرق المشهورة وقارن بينه وبين ما يقوله أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أتباع هذه الطريقة المباركة!!
ونذكر هنا الخلاصة التي ذكرها سيدي العلامة محمد الحافظ التيجاني في مجلة طريق الحق ص17 سنة 1396 الصادرة في شهر رجب سند ابن تيمية في الفقه الحنبلي والطريقة القادرية :
(( ….. لذلك أحببنا نشر هذا السند ليتضح ذلك لمن أراد الإنصاف , قال الإمام محمد بن محمد بن سليمان الرودانى في ص 130 ظهر سلسلة الفقه الحنبلي أخذته مع الطريقة القادرية إذنا عن قدوة الحنابلة في زمانه علما وعملا أبى عبد الله محمد بدر الدين البلبانى الصالحى وكتب لي سلسلته فقال أروى الفقه والطريقة القادرية وغيرهما مما يجوز لي وعنى روايته عن شيخ الإسلام الشهاب بن على الوفائى المفلحى ,عن شرف الدين موسى بن سالم الحجاوى وعن القاضي برهان الدين بن مفلح , وهما عن والده نجم الدين بن مفلح , عن والده القاضي برهان الدين صاحب الفروع ,عن جده شرف الدين , عن عبد الله بن مفلح والشيخ تقي الدين بن تيميه والأول عن جده قاضى القضاة جمال الدين المردوى عن التقى سليمان بن حمزة , والثاني عن شمس الدين بن أبى عمر عن عمه موفق الدين بن قدامة , وهو والتقى بن حمزة عن قطب المذهبين مولانا الشيخ عبد القادر الكيلانى , عن الإمام محفوظ أبى الخطاب عن القاضي أبى يعلى ,عن مولانا الحسن بن حامد , مولانا أبى بكر عبد العزيز , محمد بن محمد الخلال , عن أبى بكر المرزوى , عن الإمام المبجل أبى عبد الله احمد بن محمد بن حنبل عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , أي إن ابن تيمية اخذ الطريقة القادرية والعلوم والفقه عن موفق الدين بن قدامة عن مولانا الشيخ عبد القادر الكيلانى رضي الله عنه ” أهـ باختصار فانظر!!.
والذي لا سبيل لردّه لانه واضح في كتابه هو سند الحافظ الذهبي!! السلفي كما يقول المخالف فقد جاء في سير أعلام النبلاء الجزء 22 / 377 :
((..ألبسني خرقة التصوف شيخنا المحدث الزاهد ضياء الدين عيسى بن يحيى الانصاري بالقاهرة ، وقال : ألبسنيها الشيخ شهاب الدين – أي السهروردي الصوفي المعروف – بمكة ، عن عمه أبي النجيب)) فلتنظر الوهابية في أمر هؤلاء المبتدعة على ميزانهم الشرعي!!…
ونختم الآن بعالم آخر لطالما رأيت استدلالهم به فأقول هو العالم العلامة الشيخ الحافظ المحدث ابن الصلاح رحمه الله وعنا به قال الحافظ العلامة المجتهد السيوطي الشاذلي رضي الله عنه في تأييد الحقيقة العلية ص 13 :
((..قال ابن الصلاح و لي في لبس الخرقة اسناد عالي جدا ألبسني الخرقة أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي قال أخذت الخرقة من أبي اللأسعد هبة الرحمن ابن أبي سعيد عبد الرحمن بن أبي القاسم القشيري قال أخذت الخرقة من جدي ابي القاسم و هو أخذها من أبي علي الدقاق و هو أخذها من أبي القاسم ابراهيم بن محمد بن حمويه النصراباذي و هو أخذها من ابي بكر دلف بن جحدر الشبلي و هو أخذها من الجنيد و هو أخذها من السري السقطي و هو أخذها من معروف الكرخي و هو أخذها من داود الطائي و هو أخذها من حبيب العجمي و هو اخذها من الحسن البصري و هو أخذها من على بن أبي طالب و هو اخذها من النبي صلى الله عليه و سلم .
قال ابن الصلاح : ((..وليس بقادح فيما أوردناه كون لبس الخرقة غير متصل إلى منتهاه على شرط أصحاب الحديث في الأسانيد فإن المراد ما تحصل به البركة والفائدة باتصالها بجماعة من السادة الصالحين،))
وإن كان قول الشيخ الحافظ ابن الصلاح بقوله أن السند غير متصل غير مسلم وهو بناء على أن الإمام الحسن لم يسمع من الإمام علي عليه السلام فارجع للمظان السالفة ذكرها تعلم جيدا ذلك.
48- تفصيل ابن تيمية لمسألة الحلول والاتحاد وبيان أنها مؤولة وليست على ظاهرها دائماً
بحث في ظواهر النصوص التي توهم الحلول والاتحاد
من قول ابن تيمية
قال ابن تيمية في كتابه ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)): من ص333 إلى ص 345 شارحاً ما أشكل من ظواهر النصوص التي توهم الحلول والاتحاد والتي يمسكها الوهابية على الصوفية كوثائق بجهلهم باللغة العربية ومدلولاتها، يقول:
((..يقول داود عليه السلام في مناجاته لربه : وليفرح المتوكلون عليك إلى الأبد ، ويبتهجون ، وتحل فيهم ويفتخرون . فأخبر أنه يحل في الصالحين المذكورين ، فعلم أن هذا لا اختصاص للمسيح به ، وليس المراد بهذا – باتفاقهم واتفاق المسلمين – أن ذات الله نفسه تتحد بالبشر ، ويصير اللاهوت والناسوت كالنار والحديد ، والماء واللبن ، ونحو ذلك مما يمثلون به الاتحاد ، ، بل هذا يراد به حلول الإيمان به ومعرفته ، ومحبته وذكره وعبادته ، ونوره وهداه .
وقد يعبر عن ذلك بحلول المثال العلمي ، كما قال تعالى :
وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله .
وقال تعالى :
وهو الله في السماوات وفي الأرض .
وله المثل الأعلى في السماوات والأرض .
فهو سبحانه له المثل الأعلى في قلوب أهل السماوات وأهل الأرض .
ومن هذا الباب ما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه قال : يقول الله : أنا مع عبدي ما ذكرني ، وتحركت بي شفتاه ، فأخبر أن شفتيه تتحرك به أي باسمه ، وكذلك قوله في الحديث الصحيح :
عبدي مرضت فلم تعدني ، فيقول العبد : رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ ، فيقول : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده .
فقال : لوجدتني عنده ولم يقل : لوجدتني إياه ، وهو عنده أي في قلبه ، والذي في قلبه المثال العلمي .
وقال تعالى : عبدي جعت فلم تطعمني ، فيقول : وكيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ فيقول : أما علمت أن عبدي فلانا جاع ، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي ، ولم يقل لوجدتني قد أكلته .
وكذلك قوله في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تعالى : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها .
وفي رواية : فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته .
وهذا الحديث قد يحتج به القائلون بالحلول العام ، أو الاتحاد العام أو وحدة الوجود ، وقد يحتج به من يقول بالخاص من ذلك ، كأشباه النصارى .
والحديث حجة على الفريقين ، فإنه قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، فأثبت ثلاثة : وليا له ، وعدوا يعادي وليه ، وميز بين نفسه وبين وليه ، وعدو وليه ، فقال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، ولكن دل ذلك على أن وليه الذي والاه فصار يحب ما يحب ويبغض ما يبغض ، ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي ، فيكون الرب مؤذنا بالحرب لمن عاداه ، بأنه معاد لله .
ثم قال تعالى :
وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ففرق بين العبد المتقرب ، والرب المتقرب إليه ، ثم قال : ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فبين أنه يحبه بعد تقربه بالنوافل والفرائض .
ثم قال : فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وعند أهل الحلول والاتحاد العام أو الوحدة : هو صدره وبطنه وظهره ورأسه وشعره ، وهو كل شيء ، أو في كل شيء قبل التقرب وبعده ، وعند الخاص وأهل الحلول صار هو ، وهو كالنار والحديد والماء واللبن ، لا يختص بذلك آلة الإدراك والفعل .
ثم قال تعالى :
فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي ، وعلى قول هؤلاء – الرب هو الذي يسمع ويبصر ويبطش ويمشي ، والرسول إنما قال : فبي ، ثم قال : ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، فجعل العبد سائلا مستعيذا ، والرب مسئولا مستعاذا به ، وهذا يناقض الاتحاد ، وقوله : فبي يسمع مثل قوله : ما تحركت بي شفتاه ، يريد به المثال العلمي .
وقول الله : فيكون الله في قلبه أي معرفته ومحبته وهداه وموالاته ، وهو المثل العلمي ، فبذاك الذي في قلبه يسمع ويبصر ويبطش ويمشي .
والمخلوق إذا أحب المخلوق أو عظمه أو أطاعه يعبر عنه بمثل هذا ، فيقول : أنت في قلبي وفي فؤادي ، وما زلت بين عيني ، ومنه قول القائل : مثالك في عيني* وذكرك في فمي *ومثواك في قلبي* فأين تغيب
وقول الآخر :
ومن عجبي أني أحن إليهم *** وأسأل عنهم من لقيت وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها *** ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
ومثل هذا كثير مع علم العقلاء أن نفس المحبوب المعظم هو في نفسه ليست ذاته في عين محبه ولا في قلبه ، ولكن قد يشتبه هذا بهذا حتى يظن الغالطون أن نفس المحبوب المعبود في ذات المحب العابد .
ولذلك غلط بعض الفلاسفة حتى ظنوا أن ذات المعلوم المعقول يتحد بالعالم العاقل ، فجعلوا المعقول والعقل والعاقل شيئا واحدا ، ولم يميزوا بين حلول مثال المعلوم ، وبين حلول ذاته ، وهذا يكون لضعف العقل وقوة سلطان المحبة والمعرفة ، فيغيب الإنسان بمعبوده عن عبادته ، وبمحبوبه عن محبته ، وبمشهوده عن شهادته ، وبمعروفه عن معرفته ، فيفنى من لم يكن عن شهود العبد ، لا أنه نفسه يعدم ويفنى في من لم يزل في شهوده ، ومن هذا المقام إذا غلط قد يقول مثل ما يحكى عن أبي يزيد البسطامي : سبحاني ، أو ما في الجبة إلا الله ، وفي هذا تذكر حكاية ، وهو أن شخصا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في ماء ، فألقى المحب نفسه خلفه ، فقال : أنا وقعت فلم وقعت أنت ؟ فقال : غبت بك عني ، فظننت أنك أني ، فهذا العبد المحب لما استولى على قلبه سلطان المحبة صار قلبه مستغرقا في محبوبه ، لا يشهد قلبه غير ما في قلبه وغاب عن شهود نفسه وأفعاله ، فظن أنه هو نفس المحبوب ، وهذا أهون من أن يظن أن ذات المحبوب نفسه .
فهذا الظن لاتحاد الذات أو لحلولها ظن غالط وقع فيه كثير من الناس ، فالذين قالوا : إن المسيح أو غيره من البشر هو الله ، أو إن الله حالٌّ فيه قد يكون غلطهم من هذا الجنس ، لما سمعوا كلاما يقتضي أن الله في ذات الشخص ، وجعلوا فعل هذا فعل هذا ، ظنوا ذاك اتحاد الذات وحلولها .
وإنما المراد أن معرفة الله فيه ، واتحاد المأمور به والمنهي عنه والموالي والمعادي ، كقوله تعالى : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله .
وقوله : من يطع الرسول فقد أطاع الله .
وليس ذلك لأن الرسول هو الله ، ولا لأن نفسه حال في الرسول ، بل لأن الرسول يأمر بما أمر الله به ، وينهى عما ينهى الله عنه ، ويحب ما يحبه الله ، ويبغض ما يبغضه الله ، ويوالي أولياء الله ، ويعادي أعداء الله .
فمن بايعه على السمع والطاعة ، فإنما بايع الله على السمع والطاعة ، ومن أطاعه فإنما أطاع الله .
وكذلك المسيح وسائر الرسل ؛ إنما يأمرون بما يأمر الله به ، وينهون عما ينهى الله عنه ويوالون أولياء الله ، ويعادون أعداء الله ، فمن أطاعهم فقد أطاع الله ، ومن صدقهم فقبل منهم ما أخبروا به ، فقد قبل عن الله ، ومن والاهم فقد والى الله ، ومن عاداهم وحاربهم فقد عادى الله وحارب الله ، ومن تصور هذه الأمور تبين له أن لفظ الحلول قد يعبر به عن معنى صحيح ، وقد يعبر به عن معنى فاسد .
وكذلك حلول كلامه في القلوب ، ولذلك كره أحمد بن حنبل الكلام في لفظ حلول القرآن في القلوب ، كما قد ذكر في غير هذا الموضع .
ومما يوضح هذا أن الشيء له وجود في نفسه هو ، وله وجود في المعلوم والأذهان ، ووجود في اللفظ واللسان ، ووجود في الخط والبيان ، ووجود عيني شخصي ، وعلمي ولفظي ، ورسمي ، وذلك كالشمس مثلا فلها تحقق في نفسها ، وهي الشمس التي في السماء ، ثم يتصور بالقلب الشمس ، ثم ينطق اللسان بلفظ الشمس ، ويكتب بالقلم الشمس .
والمقصود بالكتابة مطابقة اللفظ ، وباللفظ مطابقة العلم ، وبالعلم مطابقة المعلوم ، فإذا رأى الإنسان في كتاب خط الشمس ، أو سمع قائلا يذكر قال : هذه الشمس قد جعلها الله سراجا وهاجا ، وهذه الشمس تطلع من المشرق وتغرب في المغرب ، فهو يشير إلى ما سمعه من اللفظ ورآه من الخط ، وليس مراده نفس اللفظ والخط ، فإن ذلك ليس هو الشمس التي تطلع وتغرب ، وإنما مراده ما يقصد بالخط واللفظ ويراد بهما ، وهو المدلول المطابق لهما ، وكذلك قد يرى اسم الله مكتوبا في كتاب ، ومعه اسم صنم ، فيقول : آمنت بهذا ، وكفرت بهذا ، ومراده أنه مؤمن بالله كافر بالصنم ، فيشير إلى اسمه المكتوب ومراده المسمى بهذا الاسم ، وكذلك إذا سمع من يذكر أسماء الله الحسنى قال : هذا رب العالمين ، ومراده : المسمى بتلك الأسماء ، ومن هذا قول أنس بن مالك : كان نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أسطر : محمد رسول الله ، محمد سطر ، ورسول سطر ، والله سطر .
ومراده بهذه الأسماء الخط لهذا وهذا وهذا ، لا اللفظ ولا المسمى .
ومما يشبه هذا ما يرى في المرآة أو الماء ، مثل أن يرى الشمس أو غيرها في ماء أو مرآة ، فيشار إلى المرئي فيقال : هذا الشمس ، وهذا وجهي أو وجه فلان ، وليس مراده أن نفس الشمس أو وجهه أو وجه فلان حل في الماء أو المرآة ، ولكن لما كان المقصود بتلك الرؤية هو الشمس وهو الوجه – ذكره ، ثم قد يقال : رآه رؤية مقيدة في الماء ، أو المرآة ، وقد يقال : رآه بواسطة الماء والمرآة ، وقد يقال : رأى مثاله وخياله المحاكي له ، ولكن المقصود بالرؤية هو نفسه ، ومثل هذا كثير .
ومعلوم أن ما في القلوب من المثال العلمي المطابق للمعلوم أقرب إليه من اللفظ ، واللفظ أقرب من الخط ، فإذا كان قد يشار إلى اللفظ والخط ، والمراد هو نفسه ، وإن لم يكن الخط واللفظ هو ذاته ، بل به ظهر وعرف ، فلأن يشار إلى ما في القلب ، ويراد به المعروف الذي ظهر للقلب وتجلى للقلب ، وصار نوره في القلب – بطريق الأولى .
والعقلاء إنما تتوجه قلوبهم إلى المقصود المراد دون الوسائل ، ويعبرون بعبارات تدل على ذلك لظهور مرادهم بها ، كما يقولون لمن يعرف علم غيره ، أو لمن يأمر بأمره ، ويخبر بخبره ، هذا فلان ، فإذا كان مطلوبهم علم عالم أو طاعة أمير ، فجاء نائبه القائم مقامه في ذلك ، قالوا : هذا فلان ، أي المطلوب منه هو مع هذا ، فالاتحاد المقصود بهما يعبرون عن أحدهما بلفظ الآخر .
كما يقال : عكرمة هو ابن عباس ، وأبو يوسف هو أبو حنيفة ، ومن هذا الباب ما يذكر عن المسيح عليه السلام أنه قال : أنا وأبي واحد ، من رآني فقد رأى أبي .
وقوله تعالى فيما حكاه عن رسوله : عبدي مرضت فلم تعدني ، عبدي جعت فلم تطعمني ، ويشبهه قوله :
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله
فينبغي أن يعرف هذا النوع من الكلام ، فإنه تنحل به إشكالات كثيرة ، فإن هذا موجود في كلام الله ورسله وكلام المخلوقين ، في عامة الطوائف مع ظهور المعنى ومعرفة المتكلم والمخاطب أنه ليس المراد أن ذات أحدهما اتحدت بذات الآخر .
، بل أبلغ من ذلك يطلق لفظ الحلول والاتحاد ، ويراد به معنى صحيح ، كما يقال فلان وفلان بينهما اتحاد ، إذا كانا متفقين فيما يحبان ويبغضان ، ويواليان ويعاديان ، فلما اتحد مرادهما ومقصودهما صار يقال هما متحدان ، وبينهما اتحاد ، ولا يعني بذلك أن ذات هذا اتحدت بذات الآخر ، كاتحاد النار والحديد ، والماء واللبن ، أو النفس والبدن ، وكذلك لفظ الحلول ، والسكنى ، والتخلل وغير ذلك ، كما قيل :
قد تخللت مسلك الروح مني *** وبذا سمي الخليل خليلا
والمتخلل مسلك الروح منه هو محبته له وشعوره به ، ونحو ذلك ، لا نفس ذاته ، وكذلك قول الآخر :
ساكن في القلب يعمره *** لست أنساه فأذكره
والساكن في القلب هو مثاله العلمي ومحبته ومعرفته ، فتسكن في القلب معرفته ومحبته لا عين ذاته ، وكذلك قول الآخر :
إذا سكن الغدير على صفاء *** وجنب أن يحركه النسيم
بدت فيه السماء بلا امتراء *** كذاك الشمس تبدو والنجوم
كذاك قلوب أرباب التجلي *** يرى في صفوها الله العظيم
وقد يقال : فلان ما في قلبه إلا الله ، وما عنده إلا الله ، يراد بذلك : إلا ذكره ومعرفته ومحبته وخشيته وطاعته ، وما يشبه ذلك ، أي ليس في قلبه ما في قلب غيره من المخلوقين ، بل ما في قلبه إلا الله وحده ، ويقال : فلان ما عنده إلا فلان ، إذا كان يلهج بذكره ، ويفضله على غيره .
وهذا باب واسع ، مع علم المتكلم والمستمع أن ذات فلان لم تحل في هذا ، فضلا عن أن تتحد به ، وهو كما يقال عن المرآة إذا لم تقابل إلا الشمس : ما فيها إلا الشمس ، أي لم يظهر فيها غير الشمس .
وأيضا فلفظ الحلول يراد به حلول ذات الشيء تارة ، وحلول معرفته ومحبته ومثاله العلمي تارة كما تقدم ذكره ، وعندهم في النبوات أن الله حل في غير المسيح من الصالحين ، وليس المراد به أن ذات الرب حلت فيه ، بل يقال فلان ساكن في قلبي وحال في قلبي وهو في سري ، وسويداء قلبي ، ونحو ذلك ، وإنما حل فيه مثاله العلمي ، وإذا كان كذلك فمعلوم أن المكان إذا خلا ممن يعرف الله ويعبده لم يكن هناك ذكر الله ولا حلت فيه عبادته ومعرفته ، فإذا صار في المكان من يعرف الله ويعبده ويذكره ظهر فيه ذكره والإيمان به وحل فيه الإيمان بالله وعبادته وذكره ، وهو بيت الله عز وجل فيقال : إن الله فيه ، وهو حال فيه .
كما يقال : إن الله في قلوب العارفين ، وحال فيهم ، والمراد به حلول معرفته والإيمان به ومحبته ، ونحو ذلك ، وقد تقدم شواهد ذلك ، فإذا كان الرب في قلوب عباده المؤمنين ، أي نوره ومعرفته ، وعبر عن هذا بأنه حال فيهم وهم حالون في المسجد – قيل : إن الله في المسجد ، وحال فيه ، بهذا المعنى ، كما يقال : الله في قلب فلان وفلان ، ما عنده إلا الله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده ))). انتهى المقصود
قلت: وفي هذا المعنى يقول الإمام الشعراني رحمه الله أحد شيوخ الصوفية:
(ولعمري إِذا كان عُبَّاد الأوثان لم يتجرؤوا على أن يجعلوا آلهتهم عين الله ؛ بل قالوا: ما نعبدهم إِلا ليقربونا إِلى الله زلفى، فكيف يُظَن بأولياء الله تعالى أنهم يدَّعون الاتحاد بالحق على حدٌّ ما تتعقله العقول الضعيفة ؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله تعالى عنهم، إِذ ما مِن وليٌّ إِلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وأنها خارجة عن جميع معلومات الخلائق، لأن الله بكل شيء محيط) [اليواقيت والجواهر ج1 ص83].
49- ابن تيمية يؤمن بالكشف والعلم الباطن
قال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) ج11ص313 ما نصه:
[ فما كان مِن الخوارق من “باب العلم” فتارة بأنْ يَسمع العبد ما لا يسمعه غيره . وتارة يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناماً . وتارة بأنْ يعلم ما لا يعلم غيره وحياً وإلهاماً ، أو انزال علمٍ ضروري ، أو فراسة صادقة ، ويُسمَّى كشفاً ومشاهدات ، ومكاشفات ومخاطبات: فالسماع مخاطبات ، والرؤية مشاهدات ، والعلم مكاشفة ، ويُسمَّى كله “كشفاً” و “مكاشفة” أي كشف له عنه ]. انتهى
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى 13/245: (( وأما العلم اللدني، فلا ريب أن الله يفتح على قلوب أوليائه المتقين، وعباده الصالحين بسبب طهارة قلوبهم مما يكرهه، واتباعهم ما يحبه- ما لا يفتح به على غيرهم. وهذا كما قال عليّ: إلا فهما يؤتيه الله عبدًا في كتابه، وفي الأثر: «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم»، وقد دل القرآن على ذلك في غير موضع، كقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } [النساء: 66، 68]. فقد أخبر أنه من فعل ما يؤمر به يهديه الله صراطًا مستقيمًا، وقال تعالى: { يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ } [المائدة: 16]. وقال تعالى: { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى } [محمد: 17] ، وقال: { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } [الكهف: 13] ، وقال تعالى: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 2] ، وقال تعالى: { هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ } [الجاثية: 20] ، وقال تعالى: { هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ } [الأعراف: 203])) انتهى.
مع أن ابن تيمية قال قبل هذا النص توضيح لا بد من ذكره، قال: ((إذا أريد بالعلم الباطن العلم الذي يبطن عن أكثر الناس، أو عن بعضهم، فهذا على نوعين: أحدهما: باطن يخالف العلم الظاهر. والثاني: لا يخالفه.
فأما الأول فباطل؛ فمن ادعى علمًا باطنًا أو علمًا بباطن وذلك يخالف العلم الظاهر كان مخطئًا؛ إما ملحدًا زنديقًا، وإما جاهلاً ضالاً.
وأما الثاني فهو بمنزلة الكلام في العلم الظاهر، قد يكون حقًا، وقد يكون باطلا، فإن الباطن إذا لم يخالف الظاهر لم يعلم بطلانه من جهة مخالفته للظاهر المعلوم، فإن علم أنه حق قبل، وإن علم أنه باطل رد وإلا أمسك عنه..)) اهـ
وقال ابن تيمية: “إن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم. وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه، ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيها إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر ملحد. وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة فهو شر من اليهود والنصارى. وكذلك هذا الذي يقول: إن محمدا بُعث بعلم الظاهر دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض، فهو كافر وهو أكفر من أولئك، لأن علم الباطن، الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها، هو علم بحقائق الإيمان الباطنة. وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة”. [كتاب: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 104 دار البعث قسنطينة].
50- ابن تيمية يجيز الاجتماع على الذكر والجهر به
( مسألة 175 في رجل ينكر على أهل الذكر يقول لهم هذا الذكر بدعة وجهركم في الذكر بدعة وهم يفتتحون بالقرآن ويختتمون ثم يدعون للمسلمين الأحياء والأموات ويجمعون التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم والمنكر يعمل السماع مرات بالتصفيق ويبطل الذكر في وقت عمل السماع
الجواب
الاجتماع لذكر الله واستماع كتابه والدعاء عمل صالح وهو من أفضل القربات والعبادات في الأوقات ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن لله ملائكة سياحين في الأرض فإذا مروا بقوم يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم وذكر الحديث وفيه وجدناهم يسبحونك ويحمدونك لكن ينبغي أن يكون هذا أحيانا في بعض الأوقات والأمكنة فلا يجعل سنة راتبة يحافظ عليها إلا ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم المداومة عليه في الجماعات من الصلوات الخمس في الجماعات ومن الجمعات والأعياد ونحو ذلك
وأما محافظة الإنسان على أوراد له من الصلاة أو القراءة أو الذكر أو الدعاء طرفي النهار وزلفا من الليل وغير ذلك فهذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحين من عباد الله قديما وحديثا فما سن عمله على وجه الاجتماع كالمكتوبات فعل كذلك وما سن المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عمل كذلك كما كان الصحابة رضي الله عنهم يجتمعون أحيانا يأمرون أحدهم يقرأ والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب يقول يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وكان من الصحابة من يقول اجلسوا بنا نؤمن ساعة وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه التطوع في جماعة مرات وخرج على الصحابة من أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم يستمع وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب ودمع العين واقشعرار الجسوم فهذا أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسنة
وأما الاضطراب الشديد والغشي والموت والصيحات
فهذا إن كان صاحبه مغلوبا عليه لم يلم عليه كما قد كان يكون في التابعين ومن بعدهم فإن منشأه قوة الوارد على القلب مع ضعف القلب والقوة والتمكن أفضل كما هو حال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وأما السكون قسوة وجفاء فهذا مذموم لا خير فيه وأما ما ذكر من السماع فالمشروع الذي تصلح به القلوب ويكون وسيلتها إلى ربها بصلة ما بينه وبينها هو سماع كتاب الله الذي هو سماع خيار هذه الأمة لا سيما وقد قال صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقال زينوا القرآن بأصواتكم وهو السماع الممدوح في الكتاب والسنة لكن لما نسي بعض الأمة حظا من هذا السماع الذي ذكروا به ألقي بينهم العداوة والبغضاء فأحدث قوم سماع القصائد والتصفيق والغناء مضاهاة لما ذمه الله من المكاء والتصدية والمشابهة لما ابتدعه النصارى وقابلهم قوم قست قلوبهم عن ذكر الله وما نزل من الحق وقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة مضاهاة لما عابه الله على اليهود والدين الوسط هو ما عليه خيار هذه الأمة قديما وحديثا و الله أعلم )
مجموع الفتاوى 22 / 522
51- ابن تيمية يعترف بأن تحصيل العلم اللدني يتم بتصفية القلب والروح من الرعونات
قال ابن تيمية في كتابه الرد على المنطقيين 1/511: ((وقد أنكر عليه [على الإمام أبو حامد الغزالي] طائفة من أهل الكلام والرأي كثيراً مما قاله من الحق وزعموا أن طريقة الرياضة وتصفية القلب لا تؤثر في حصول العلم وأخطؤوا أيضا في هذا النفي بل الحق أن التقوى وتصفية القلب من أعظم الأسباب على نيل العلم)) اهـ .
52- الكائنات ليس لها من نفسها شيء. بل هي عدم محض ونفيٌ صرف
قال ابن تيمية في الفتاوي ج 2/ ص 405: “ونشهد أن كل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه، فإنه باطل، إلا وجهه الكريم، كما نشهد أنها كلها مفتقرة إليه في مبدئها… إلى أن قال: “الكائنات ليس لها من نفسها شيء. بل هي عدم محض ونفيٌ صرف. وما بها من وجود فمنه وبه” .
وقال في شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أصدق كلمة قالها الشاعر قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل”، قال: “كل ما خلا الله فهو معدومٌ بنفسه، ليس له من نفسه وجودٌ ولا حركة ولا عمل، ولا نفع لغيره منه. إذ ذلك جميعه خلق الله وإبداعه وبَرْؤُه وتصويره. فكل الأشياء إذا تخلى عنها الله فهي باطل، يكفي في عدمها وبطلانها نفس تخلِّيه عنه” مجموع الفتاوى ج2/ص 425.
53- ابن تيمية يقر بالرابطة النقشبندية الروحية، فهل هو مشرك في نظر الوهابية؟!
يقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى – (ج 10 / ص 606(:
((ومما يحقق هذه الأمور أن المحب يجذب، والمحبوب يجذب. فمن أحب شيئًا جذبه إليه بحسب قوته، ومن أحب صورة جذبته تلك الصورة إلى المحبوب الموجود في الخارج بحسب قوته. فإن المحب عـلته فاعلية، والمحـبوب علته غائية، وكـل منهـما لـه تأثير في وجود المعلول، والمحب إنما يجذب المحبوب بما في قلب المحب من صورته التي يتمثلها، فتلك الصورة تجذبه بمعنى انجذابه إليها، لا أنها هي في نفسها قصد وفعل، فإن في المحبوب من المعنى المناسب ما يقتضى انجذاب المحب إليه، كما ينجذب الإنسان إلى الطعام ليأكله، وإلى امرأة ليباشرها، وإلى / صديقه ليعاشره، وكما تنجذب قلوب المحبين للّه ورسوله إلى اللّه ورسوله، والصالحين من عباده لما اتصف به سبحانه من الصفات التي يستحق؛ لأجلها أن يحب ويعبد.
بل لايجوز أن يحب شيء من الموجودات، لذاته إلا هو سبحانه وبحمده، فكل محبوب في العالم إنما يجوز أن يحب لغيره، لا لذاته، والرب تعالى هوالذي يجب أن يحب لنفسه، وهذا من معاني إلهيته و {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، فإن محبة الشيء لذاته شرك، فلا يحب لذاته إلا اللّه، فإن ذلك من خصائص إلهيته، فلا يستحق ذلك إلا اللّه وحده، وكل محبوب سواه إن لم يحب لأجله، أو لما يحب لأجله فمحبته فاسدة.
واللّه ـ تعالى ـ خلق في النفوس حب الغذاء، وحب النساء، لما في ذلك من حفظ الأبدان وبقاء الإنسان، فإنه لولا حب الغذاء لما أكل الناس ففسدت أبدانهم، ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل، والمقصود بوجود ذلك: بقاء كل منهم ؛ليعبدوا اللّه وحده، ويكون هو المحبوب المعبود لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره.
وإنما تحب الأنبياء والصالحون تبعا لمحبته، فإن من تمام حبه حب ما يحبه، وهو يحب الأنبياء والصالحين، ويحب الأعمال الصالحة، فحبها للّه هو من تمام حبه، وأما الحب معه فهو حب المشركين الذين يحبون أندادهم كحب اللّه، فالمخلوق إذا أحب للّه كان حبه جاذبًا إلى حب اللّه، وإذا تحاب الرجلان في اللّه اجتمعا على ذلك، وتفرقا عليه، كان كل منهما جاذبا للآخر إلى حب اللّه، كما قال تعالى: (حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتجالسين في، وحقت محبتي للمتباذلين في، وإن للّه عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بقربهم من اللّه، وهم قوم تحابوا بروح اللّه علي غير أموال يتباذلونها، ولا أرحام يتواصلون بها، إن لوجوههم لنورًا، وإنهم لعلى كراسي من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس).
فإنك إذا أحببت الشخص للّه كان اللّه هو المحبوب لذاته، فكلما تصورته في قلبك تصورت محبوب الحق فأحببته، فازداد حبك للّه، كما إذا ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم، والأنبياء قبله، والمرسلين وأصحابهم الصالحين، وتصورتهم في قلبك، فإن ذلك يجـذب قلبك إلى محبة اللّه المنعم عليهم، وبهم إذا كنت تحبهم للّه، فالمحبوب للّه يجذب إلى محبة اللّه، والمحب للّه، إذا أحب شخصًا للّه، فإن اللّه هو محبوبه، فهو يحب أن يجذبه إلى اللّه تعالى، وكل من المحب للّه والمحبوب للّه يجذب إلى اللّه)) انتهى.
54- ابن تيمية يؤول الوجه بأنه الدين والإرادة والعبادة (يعني هو جهمي على مصطلح الوهابية):
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج2/433: ((فقوله:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] أي: دينه وإرادته وعبادته، والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى، وهو قولهم: ما أريد به وجهه، وهو نظير قوله:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}[الأنبياء:22]. فكُلُّ معبود دون الله باطل، وكل ما لا يكون لوجهه فهو هالك فاسد باطل، وسياق الآية يدل عليه وفيه المعنى الآخر)) اهـ .
55- ابن تيمية يأتيه مدد من النبي صلى الله عليه وسلم
قال الحافظ أبو عبدالله محمد بن احمد بن عبدالهادي المقدسي رحمه الله في العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية دار الكاتب العربي ، بيروت ، تحقيق : محمد حامد الفقي ( ص 491 ) مانصه :
) حوى من المصطفى علما ومعرفة … وجاءه منه إمداد النوالات
ما جاء سائل إلا ويمنحه … إما بجود وإما بالمداراة (
فركز في قوله :
وجاءه منه إمداد النوالات
فهل المدد حلال لابن تيمية وتلميذه ابن عبد الهادي رحمهما الله وحرام على ساداتنا الصوفية !!!
أمدنا الله بمدد سادتنا الصوفية غصبا عن انف بني وهبان.
======
✅ خلاصة النص المقدم: “تصوف ابن تيمية .. وكراماته”
النص يجمع أدلة ونصوصًا من مصادر موثوقة (خاصة كتاب “العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية” لتلميذه الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي) ليُثبت أن ابن تيمية كان صوفيًا حقيقيًا، يمارس التصوف الشرعي، ويمدح كبار المشايخ الصوفية، وله كرامات وفتوحات ومقامات روحية.
1. الشعر والمدائح في تصوفه وكراماته (من “العقود الدرية”)
- يُوصف ابن تيمية بأنه “قطب الزمان والكون”، “حبر الوجود”، “روح المعاني”.
- له مقام في الوصول إلى ربه، فتوحات غيبية، تصوف وتقشف وعبادة، كرامات متعددة استمرت عبر الدهور.
- كراماته: رد غازان التتري عن الشام، تحرير الأسرى، فتح كسروان، إحياء السنة.
- في جنازته: خشعت الأبصار لهيبة نعشه، تطوف به الملائكة، الشمس في مأتم عليه، مشيعوه لا تحصيهم الأقلام.
2. تبرئة ابن تيمية للصوفية (من كتبه مباشرة)
- في “بيان تلبيس الجهمية” (ص 238، 260، 261):
- شيوخ الصوفية المشهورون (الجنيد، سهل التستري، عمرو بن عثمان المكي، أبو طالب المكي، السلمي…) هم أبعد الطوائف عن الجهمية والدهرية والباطنية.
- التصوف الحقيقي = عمل باطن القلب (معرفة، محبة، توكل، رضا…) موافق للظاهر الشرعي، وليس مخالفًا له.
- من ادعى باطنًا يخالف الظاهر → زنديق منافق.
- الصوفية العارفون أعظم الناس إنكارًا على الباطنية والجهمية.
- في “درء التعارض” (ج5 ص4):
- شيوخ التصوف المشهورون أبرأ الناس من مذهب نفاة الصفات والحلولية.
- يصف عبد القادر الجيلاني بأنه من أكابر الشيوخ، ويُثني على طريقته.
3. انتماؤه العملي للتصوف
- لبس الخرقة القادرية: ابن تيمية وابن القيم لبسا الخرقة الصوفية من طريق عبد القادر الجيلاني عبر سلسلة حنبلية (ابن قدامة…).
- تلميذه الإمام أحمد بن إبراهيم الواسطي (شاذلي الطريقة) → ابن تيمية يقول عنه: “هو جنيد وقته”، ويكاتبه بـ”شيخنا الإمام العارف القدوة السالك“.
- ابن كثير (تلميذه) → شاذلي الطريقة (كما نقل الصفدي).
- يمدح التصوف الصحيح ويفرقه عن تصوف أهل البدع.
4. آراؤه الإيجابية في مسائل الصوفية
- الكشف والعلم اللدني: يؤمن به ويراه من فتوحات الله لأوليائه المتقين (مجموع الفتاوى 11/313، 13/245).
- الاجتماع على الذكر والجهر به: عمل صالح ومن أفضل القربات (مجموع الفتاوى 22/522).
- تأويل الحلول والاتحاد: يُفسر العبارات الصوفية (مثل “تحل فيهم”) على المعنى المجازي (المحبة، المعرفة، النور، الإيمان في القلب) وليس الحلول الحقيقي أو الاتحاد الذاتي.
- الكائنات: عدم محض إلا بما أعطاها الله (الفتاوى 2/405).
الخلاصة النهائية
النص يُبرهن أن ابن تيمية لم يكن معاديًا للتصوف، بل داخل فيه، يمدحه، يمارسه (لبس الخرقة، الطريقة القادرية/الشاذلية)، يدافع عن مشايخه (الجنيد، عبد القادر الجيلاني…)، يؤمن بكراماتهم وكشفهم، ويفرق بين التصوف الشرعي (الموافق للكتاب والسنة) وبين تصوف أهل البدع والفلسفة.
هذا يُظهر تناقضًا بين صورة ابن تيمية عند الوهابية المعاصرة وبين كتبه ومناقبه التي كتبها تلاميذه المقربون.
هل تريد خلاصة أقصر، أو تفصيلاً لقسم معين (مثل الخرقة أو تأويل الحلول)؟ فقط قل لي!