خطر الابتعاد عن مقاصد العقيدة الإسلامية عند السلفية المعاصرة:
كتبه : الباحث الإسلامي: د.عماد الدين دحدوح
لم تنزل العقيدة الإسلامية لتكون ميدان جدلٍ عقليٍّ مجرد، ولا ساحةً للخصومات اللفظية حول تفاصيل لا يترتب عليها عمل، وإنما جاءت لتبني الإنسان من الداخل، وترتقي بروحه، وتزكّي أخلاقه، وتربطه بربه على أساس التعظيم والمحبة والخشية الواعية.
غير أن المتأمل في بعض الخطابات العقدية المعاصرة يلحظ انزياحًا واضحًا عن هذه الغايات، حيث تحوّل الاهتمام من مقاصد العقيدة إلى تفاصيل جدلية دقيقة، ولا سيما في باب الصفات الإلهية، حتى أصبح الحديث يدور حول قضايا مثل: اليد، والوجه، والجهة، والحد، والاستواء… دون استحضار كافٍ للغاية الكبرى من الإيمان.
أولًا: ما هي مقاصد العقيدة الإسلامية؟
مقاصد العقيدة ليست إثبات قضايا ذهنية ليس مطلوباً منا تصورها، بل هي غايات كبرى سامية، من أهمها:
تعظيم الله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات، وتحقيق العبودية الصادقة القائمة على المحبة والخشية والرجاء،
وتزكية النفس ومراقبتها؛ وإصلاح السلوك . وبناء الضمير الأخلاقي الذي يراقب الله في السر والعلن.
فالعقيدة في جوهرها ليست “ماذا نتصور عن الله؟” أو : “أين الله” ؟ إنما “كيف نتوكل على الله؟”. وكيف نرضي الله ؟ أو كيف نتأدب مع الله ؟
ثانيًا: إشكالية الخوض في المتشابه
النصوص التي تتعلق بصفات الله تعالى منها ما هو محكم واضح، ومنها ما هو متشابه، وقد أرشد القرآن إلى منهج التعامل معها:
{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}
الإشكال لا يكمن في ورود هذه النصوص، بل في طريقة التعامل معها:
هل تُجعل محور العقيدة كلها؟
هل تُحمَّل فوق ما تحتمل من التصورات الحسية؟
هل تُقدَّم على مقاصد التنزيه والتعظيم؟
إن الانشغال المفرط بهذه التفاصيل قد يُفضي إلى تشتيت المعنى الإيماني، ونقل العقيدة من كونها نورًا يهدي القلب إلى كونها مادة جدلٍ ذهنيٍّ.
ثالثًا: بين التنزيه والتجسيم
أجمع المسلمون على أصل عظيم:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
وهذا الأصل يضع ضابطًا دقيقًا:
كل ما يوهم التشبيه يجب تنزيه الله عنه
وكل ما ورد في النص يُؤمن به دون تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل
لكن الخطر يظهر حين يتحول النقاش إلى تصويرات حسية أو محاولة تخيّل الكيفيات، أو جعل هذه المسائل معيارًا للإيمان والكفر، بدل أن تبقى في إطارها الصحيح: الإيمان مع التفويض أو التأويل المنضبط عند أهل العلم.
رابعًا: الانحراف عن مقاصد العقيدة
حين تنفصل العقيدة عن مقاصدها، تظهر عدة مظاهر:
الجدل بدل التزكية، والتنازع بدل الوحدة، والانشغال بالتصورات بدل الأخلاق، والتشدد في مسائل ظنية مقابل إهمال قطعيّات السلوك.
فنجد من يتوسع في نقاش دقائق الصفات، لكنه قد يغفل عن الصدق، أو الرحمة، أو العدل، وهي من صميم الإيمان.
خامسًا: الخوف المشروع والخوف المنحرف
الخوف من الله عبادة عظيمة، لكنه خوف من الله لا خوف في ذات الله:
الخوف المشروع: خوف من عذابه، من تقصيرنا، من حسابه
أما الانشغال بتصور “ذات الله” بطريقة تولد قلقًا أو اضطرابًا فكريًا، فهذا ليس من مقاصد العقيدة
العقيدة الصحيحة تُورث الطمأنينة، لا الحيرة، والسكينة، لا الاضطراب.
سادسًا: نحو إعادة التوازن
الحاجة اليوم ليست إلى إلغاء البحث العقدي، بل إلى إعادة توجيهه:
تقديم المقاصد على الجدل
ربط العقيدة بـ السلوك والأخلاق
ترسيخ التنزيه مع التسليم
تجنب تحويل المسائل الدقيقة إلى معارك هوية.
أخيراً أقول : إن أعظم خطر يواجه الفكر العقدي ليس الاختلاف في التفاصيل، بل فقدان البوصلة.
فإذا تحولت العقيدة من وسيلةٍ لتهذيب النفس إلى أداة جدل، ومن طريقٍ لمعرفة الله إلى ساحة نزاع، فقدنا جوهرها.
العقيدة التي أرادها الإسلام هي التي تجعل الإنسان أكثر محبة لأخيه الإنسان، وأعظم تواضعًا، وأشد رحمة، وأصدق حديثاً، وأقرب إلى الله.
أما ما عدا ذلك، فهو انشغال بما لا يثمر، مهما بدا عميقًا في الظاهر.