القول في والدي النبي عليه الصلاة والسلام

حديث “إن أبي وأباك في النار” رواية ودراية / تخريجه مع شروح العلماء له

حديث “إن أبي وأباك في النار” رواية ودراية

«مسند أحمد» (19/ 228 ط الرسالة):

«12192 – حدثنا وكيع، عن حماد، عن ثابت، عن أنس قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أين أبي؟ قال ” في النار “. قال: فلما رأى ما في وجهه قال: ” إن أبي، وأباك في النار ” (2)

‌‌_________

(1) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد تكلم بعض أهل العلم في رواية جرير عن قتادة بسبب أنه روى أحاديث منكرة عن قتادة لم يروها غيره، ولعل الضعف يكون ممن دونه، على أنه في هذا الحديث متابع.

وأخرجه ابن ماجه (3483) من طريق وكيع، بهذا الإسناد.

وأخرجه الطيالسي (1994) ، وابن أبي شيبة 8/26، وأبو داود (3860) ، والترمذي (2051) ، وأبو يعلى (3048) ، وابن حبان (6077) ، والحاكم 4/210، والبيهقي 9/340، وابن أبي عدي في “الكامل” 2/550 من طرق عن جرير بن حازم، به.

وأخرجه الترمذي في “السنن” (2051) ، وفي “الشمائل” (357) ، والحاكم 4/210 من طريق همام، عن قتادة، به.

وسيأتي الحديث برقم (13001) عن بهز عن جرير. وانظر ما سيأتي برقم (12682) .

وفي الباب عن ابن عباس، سلف برقم (2091) .

قوله: “على الأخدعين وعلى الكاهل”: قال السندي: الأخدعان: عرقان في جانب العنق، والكاهل: ما بين كتفي الإنسان، وقيل: موضع العنق في الصلب.

(2) رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد -وهو ابن سلمة- فمن رجال مسلم، وقد تفرد برواية هذا الحديث بهذا اللفظ، وخالفه معمر عن ثابت -فيما قاله السيوطي في رسالته” مسالك الحنفا في والدي المصطفى” المدرجة في =

‌‌_________

= “الحاوي” 2/402، 444 -فلم يذكر “إن أبي وأباك في النار”، ولكن قال له: “إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار”، ومعمر أثبت من حيث الرواية من حماد بن سلمة، فإن حمادا تكلم في حفظه، ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيبه ابن أبي العوجاء دسها في كتبه، فحدث بها فوهم فيها، أو أنه تصرف فرواه في المعنى، وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه. قلنا: ورواية معمر هذه التي أشار إليها السيوطي لم تقع لنا، لكن ورد من حديث سعد بن أبي وقاص وابن عمر بإسنادين صحيحين بمثل لفظ رواية معمر، وسيأتي تخريجهما فيما بعد. قال السيوطي: فعلم أن هذا اللفظ الأول (وهو لفظ رواية حماد) من تصرف الراوي، رواه بالمعنى على حسب فهمه، وقد

وقع في “الصحيحين” روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرف فيه الراوي، وغيره أثبت منه.

وأخرج حديث حماد بن سلمة، أبو داود (4718) ، وأبو عوانة 1/99، والبيهقي في “السنن” 7/190، وفي “دلائل النبوة” 1/191 من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد، بهذا الإسناد.

وسيأتي برقم (13834) عن عفان بن مسلم، عن حماد بمثله.

ويشهد له حديث عمران بن حصين عند الطحاوي في “شرح مشكل الآثار” (2527) ، والطبراني في “الكبير” (3552) و (3553) و18/ (548) و (549) .

وإسناده ضعيف.

وأما حديث سعد بن أبي وقاص، فقد أخرجه البزار (1089) ، والطبراني (326) ، وابن السني في “عمل اليوم والليلة” (595) ، والبيهقي في “الدلائل” 1/191-192 من طرق عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: أن أعرابيا أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال:

“في النار”. قال: فأين أبوك؟ قال: “حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار”.

وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وأعله بعضهم بالإرسال! انظر “العلل” لابن أبي حاتم 2/256، والدارقطني 4/334. = = وأما حديث ابن عمر، فقد أخرجه ابن ماجه (1573) عن محمد بن إسماعيل بن البختري، عن يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: جاء أعرابا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم، وكان وكان، فأين هو؟ قال: “في النار” قال: فكأنه وجد من ذلك، فقال: يا رسول الله، فأين أبوك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حيثما مررت بقبر مشرك، فبشره بالنار”. قال البوصيري في “مصباح الزجاجة” ورقة 101-102: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، محمد بن إسماعيل وثقه ابن حبان والدارقطني والذهبي، وباقى رجال الإسناد على شرط الشيخين»

=====

«المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (1/ 460):

«و(قوله – عليه الصلاة والسلام -: إنّ أبي وأباك في النار) جبرٌ للرجل ممّا أصابه، وأحاله على التأسّي حتّى تهون عليه مصيبته بأبيه؛ وذلك لَمَّا حفظ الحرمة، ولم يقل: أين أبوك؟ بخلاف من قال ذلك للنبيّ – صلى الله عليه وسلم -، فقال له: حيثما مررتَ بقبر كافر فبشِّره بالنار، فكان الرجل يفعل ذلك، فشقَّ عليه حتّى قال: لقد كلَّفني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – شططًا، ذكره النسائيّ (1)»

«شرح النووي على مسلم» (3/ 79):

«‌‌(باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار)

(ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين)

قوله (أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي قال في النار فلما قفى دعاه فقال إن أبي ‌وأباك ‌في ‌النار) فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تنفعه قرابة المقربين وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم وقوله صلى الله عليه وسلم إن أبي ‌وأباك ‌في ‌النار هو من حسن العشرة للتسلية بالاشتراك في المصيبة ومعنى قفى ولى قفاه منصرفا قوله صلى الله عليه وسلم»

====

«شرح سنن أبي داود لابن رسلان» (18/ 285):

«(وقال: إن أبي ‌وأباك ‌في ‌النار) ولعل هذا قبل أن يحيى اللَّه تعالى والديه ويسلما على يديه على ما خرجه أبو بكر الخطيب وأبو حفص عمر بن الشاهين في “الناسخ والمنسوخ” (2) بإسناديهما عن

‌‌_________

(1) المائدة: 101.

(2) “ناسخ الحديث ومنسوخه” (ص 489) وقال الحافظ ابن كثير في “البداية والنهاية” 3/ 429: وأما الحديث الذي رواه السهيلي وذكر أن في إسناده مجهولين إلى أبي الزناد عن عروة عن عائشة. . . فإنه حديث منكر جدًّا، وإن كان ممكنا بالنظر إلى قدرة اللَّه تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه.

وقال القاري في “مرقاة المفاتيح” 4/ 1256: الجمهور على أن والديه -صلى اللَّه عليه وسلم- ماتا كافرين، وهذا الحديث أصح ما ورد في حقهما -أي: حديث “أستأذنت ربي في =»

عائشة قالت: حج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حجة الوداع. وقال فيه عن والدته: “فسألت اللَّه أن يحييها فأحياها فآمنت به” وذكر السهيلي (1) بإسناده أن اللَّه تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا به. وجعله ابن شاهين ناسخًا لما قبله.

قال القرطبي: وليس إحياؤهما وإيمانهما به ممتنعا (2) عقلا ولا شرعًا، فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل، وكان عيسى -عليه السلام- يحيى الموتى، وكذلك -صلى اللَّه عليه وسلم- أحيا اللَّه على يديه جماعة من الموتى (3).

‌‌_________

= أن أزور قبر أمي فلم يأذن لي. . . “، ولا يصح حديث إحياؤهما، وعلى تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضًا لحديث مسلم، مع أن الحفاظ طعنوا فيه. . . .

(1) انظر: “الروض الأنف” 1/ 190.

(2) في (ل)، (م): ممتنع. والمثبت هو الصواب.

(3) “التذكرة” للقرطبي 1/ 141

الكتاب: شرح سنن أبي داود

المؤلف: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حسين بن علي بن رسلان المقدسي الرملي الشافعي (ت ٨٤٤ هـ)

تحقيق: عدد من الباحثين بدار الفلاح بإشراف خالد الرباط

الناشر: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، الفيوم – جمهورية مصر العربية

الطبعة: الأولى، ١٤٣٧ هـ – ٢٠١٦ م

«بذل المجهود في حل سنن أبي داود» (13/ 136):

«- (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت، عن أنس، أن رجلًا قال: يا رسول الله) – صلى الله عليه وسلم – (أين أبي) أفي الجنة أم في النار؟ (قال: أبوك في النار) لأنه مات على الكفر (فلما قَفَّى) أي أدبر (قال: إن أبي ‌وأباك ‌في ‌النار).

قال في “فتح الودود”: من يقول بنجاة والديه – صلى الله عليه وسلم – يحمله (1) على العمِّ فإن اسم الأب يطلق على العم مع أن أبا طالب قد ربى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فيستحق إطلاق اسم الأب من تلك الجهة»

الكتاب: بذل المجهود في حل سنن أبي داود

المؤلف: الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (ت ١٣٤٦ هـ)

اعتني به وعلق عليه: الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي

الناشر: مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية، الهند

الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ – ٢٠٠٦ م

«شرح سنن أبي داود للعيني» (6/ 191):

«قال ابن كثير: وأما الحديث الذي ذكره السهيلي عن عائشة: “أن

رسول الله- عليه السلام- سأل ربه أن يدعي أبويه فأحياهما، وآمنا به “

فإنه حديث منكر جدا، وإن كان ممكنا بالنظر إلى قدرة الله تعالى لكن

الذي ثبت في الصحيح يعارضه/ وهو ما رواه أنس “أن رجلا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفا دعاه فقال: إن أبي ‌وأباك ‌في ‌النار ” رواه مسلم.

قلت: الذي ذكره السهيلي هو اللائق بحضرة الرسالة وتدفع المعارضة

بأن يكون وقوع حديث الإحياء بعد وقوع الذي ثبت في الصحيح، فليتأمل»

«فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب» (14/ 99):

«وفي البخاري أنه عليه السلام دعا الذي سأله عن أبيه فأخبره أنه في النار، وقال له إن أبي ‌وأباك ‌في ‌النار، ولهذا لم يُؤذن له في استغفاره لأمه وعلى هذا إنما ذكر الأب لشهرته وعظمته عندهم، اهـ.

تنبيه: قول السهيلي: إن الله أحيا أباه وأمه وآمنا به أنه حديث ضعيف ولقد استُفتي شيخ الإسلام العسقلاني الشهير بابن حجر عنه فقال: [أنه حديث مرفوع واللّه تعالى أعلم]»

الكتاب: فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب للإمام المنذري (ت ٦٥٦ هـ)

المؤلف: أبو محمد حسن بن علي بن سليمان البدر الفيومي القاهري (٨٠٤ – ٨٧٠ هـ)

قدم له: فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان

دراسة وتحقيق وتخريج: أ. د. محمد إسحاق محمد آل إبراهيم

الناشر: المُحقِّق

الطبعة: الأولى، ١٤٣٩ هـ – ٢٠١٨ م

«حاشية السندي على سنن ابن ماجه» (1/ 476):

– حدثنا محمد بن إسمعيل بن البختري الواسطي حدثنا يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم عن أبيه قال «جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان فأين هو قال في النار قال فكأنه وجد من ذلك فقال يا رسول الله فأين أبوك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار» قال فأسلم الأعرابي بعد وقال لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار

ــ

قوله: (وكان وكان) أي وكان يفعل كذا وكان يفعل كذا من الخيرات (حيثما مررت بقبر كافر إلخ) وفي رواية مسلم عن أنس أنه قال له «إن أبي وأباك في النار» قال السيوطي وإنما ذكرها حماد بن مسلمة عن ثابت وقد خالفه معمر عن ثابت فلم يذكره ولكن قال إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار ولا دلالة في هذا اللفظ على حال الوالد وهو أثبت فإن معمرا أثبت من حماد فإن حمادا تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ولم يخرج له البخاري ولا خرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل لفظ معمر عن ثابت عن أنس أخرجه البزار والطبراني والبيهقي وكذا من حديث ابن عمر رواه ابن ماجه فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره فعلم أن رواية مسلم من تصرف الرواة بالمعنى على حسب فهمه على أنه لو صح يحمل فيه الأب على العم ولهذا قال السيوطي في حاشية الكتاب هذا أي سنن ابن ماجه من محاسن الأجوبة أنه لما وجد الأعرابي في نفسه لاطفه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعدل إلى جواب عام في كل مشرك ولم يتعرض إلى الجواب عن والده ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفي ولا إثبات وقال ولم يعرف لوالده ـ صلى الله عليه وسلم ـ حالة شرك مع صغر سنه جدا فإنه توفي وهو ابن ست عشرة سنة وقد روي أن الله تعالى أحيا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والديه حتى آمنا به والذي يقطع به أنهما في الجنة ومن أقوى الحجج على ذلك أنهما من أهل الفترة وقد أطبق أئمتنا الشافعية والأشعرية على أن من لم تبلغه الدعوة لا يعذب ويدخل الجنة لقوله تعالى {وما كنا معذبين} [الإسراء: 15] الآية وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة ورد من عدة طرق في حق الشيخ الهرم ومن مات في الفترة ومن ولد أكمه أعمى أصم ومن ولد مجنونا أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ ونحو ذلك أن كلا منهم يأتي بحجة ويقول لو عقلت أو ذكرت لآمنت فترفع لهم نار ويقال ادخلوها فمن دخلها كانت له بردا وسلاما ومن امتنع أدخلها كرها ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعا إلا أبا طالب اهـ وكأن المصنف أخذ الترجمة من لفظ حيثما مررت بقبر مشرك لأنه نوع من الزيارة وفيه تأمل وفي الزوائد إسناد هذا الحديث صحيح والله أعلم

«الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني» (8/ 169):

«(وقال القرطبي) لا تعارض بين حديث الأحياء وحديث النهي عن الاستغفار، فإن إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما بدليل حديث عائشة أن ذلك كان في حجة الوداع، لذلك جعله ابن شاهين ناسخا لما ذكر من الأخبار (وقال العلامة ناصر الدين ابن المنير) المالكي في كتاب (المقتفي. في شرف المصطفى) وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم إحياء الموتى نظير ما وقع لعيسى بن مريم إلى أن قال وجاء في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من الاستغفار للكفار دعا الله أن يحيى له أبويه فأحياهما له فآمنا به وصدقا وماتا مؤمنين (وقال القرطبي) فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل تتوالي ونتابع إلى حين مماتة فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، قال، قال وليس إحياءهما وأيمانها به يمتنع عقلا ولا شرعا، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى عليه السلام أحيا الله على يديه جماعة من الموتى، قال وإذا ثبت هذا فلا يمتنع أن إيمانها بعد إحيائهما زيادة كرامة في فضيلته (وقال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس في سيرته بعد ذكر قصة الأحياء والأحاديث الواردة في التعذيب) وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل راقيا في المقامات السنية صاعدا في الدرجات العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه، وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه، فمن الجائز أن تكون هذه درحة حصلت له صلى الله عليه وسلم بعد أن لم تكن، وأن يكون الإحياء والإيمان متأخرا عن تلك الأحاديث فلا تعارض أهـ (وقال الحافظ) شمس بن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى (مورد الصادي في مولد الهادي صلى الله عليه وسلم بعد إيراد الحديث المكورة منشدا لنفسه

حبا الله النبي فضل على فضل وكان به رءوفا

فأحيا أمه وكذا أباه لإيمان به فضلا لطيفا

فسلم فالقديم بذا قدير وإن كان الحديث به ضعيفا أهـ

وجمع من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك فأبقوا حديثي مسلم ونحوهما على ظاهرها من غير عدول عنها بدعوى نسخ ولا غيره، ومع ذلك قالوا لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك (قلت) حديثا مسلم المشار إليهما (أحدهما) حديث الباب المروي عن أبي هريرة في عدم الإذن له صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأمه، وتقدم الكلام عليه في الشرح (والثاني) ما رواه مسلم عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله اين أبي؟ قال في النار، قلما ففي دعاه، فقال إن أبي وأباك في النار” لم يتفق على ذكرها الرواة، وإنما ذكرهما حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، وهي الطريق التي رواها مسلم منها، وقد خالفه معمر عن ثابت فلم يذكر “إن أبي وأباك في النار” ولكن قاله له إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار، وهذا اللفظ لا دلاله فيه على والده صلى الله عليه وسلم بأمر البتة، وهو (وأخرج أبو نعيم) في دلائل النبوة بسند ضعيف من طريق الزهري عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها قالت شهدن آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في علتها التي ماتت فيها ومحمد صلى الله عليه وسلم غلام يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه ثم قالت:

بارك فيك الله من غلام … يا ابن الذي من حومه الحمام

نجا بعون المالك العلام … فودي غداة الضرب بالسهام

بمائة من إبل سوام … إن صح ما أبصرت في المنام

فأنت مبعوث إلى الأنام … تبعث في الحل وفي الحرام

تبعث بالتحقيق والإسلام … دين أبيك البر ابراهام

فالله أنهاك عن الأصنام … ألا تواليها مع الأقوام

ثم قالت كل حي ميت. وكل جديد بال. وكل كبير يفنى. وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركت خيرا وولدت ظهرا، ثم ماتت فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك.

نبكي الفتاة البرة الأمينة … ذات الجمال العفة الرزينة

زوجة عبدالله والقرينة أم نبي الله ذي السكينة

وصاحب المنر بالمدينة … صارت لدى حفرتها رهينة

فأنت ترى هذا الكلام منها صريحا في النهي عن موالاة الأصنام مع الأقوام والاعتراف بدين إبراهيم وببعث ولدها إلى الأنام من عند ذي الجلال والإكرام بالإسلام، وهذه الألفاظ منافية للشرك، وقولها تبعث بالتحقيق كذا هو في النسخة، وعندي أنه تصحيح وإنما هو بالتخفيف، وإلى هنا قد انتهى ما قصدت تلخيصه من كتاب (مسالك الحنفا في والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم (وأما أبوة صلى الله عليه وسلم) فقد نقل عنه كلمات دلت على توحيده وإيمانه بالشرائع القديمة كقوله حين عرضت امرأة نفسها عليه:

أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فاستبينه

يحمي الكريم عرضه ودينه فكيف بالأمر الذي تبغينه

هذا مع ما كان عليه من كمال العفة فقد افتتن به النساء ولم ينلن منه شيئا (قال الحلواني في المواكب) القول بكفر أبويه صلى الله عليه وسلم زلة عاقل نعوذ بالله من ذلك، فمن تفوه به فقد تعرض للكفر بإيذائه صلى الله عليه وسلم فقد جاء أن عكرمة بن أبي جهل اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يسبون أباه، فقال صلى الله عليه وسلم “لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات” رواه الطبراني؛ ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره تعرض عليه أعمالنا، وإذا روعي عكرمة رضى الله عنه في أبيه بالنهي عما يتأذى به من سبه فسيد الخلق أولى وأوجب، فكيف وقد جاء أن سبيعة وكأنها المعروفة

بدرة بنت أبي لهب جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن الناس يصيحون بي يقولون إني ابنة حطب النار، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغضب شديد الغضب فقال “ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي، ألا ومن آذى رحمي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل” أهـ باختصار (وقال العلامة السحيمي) في شرحه على عبد السلام إنه يجب اعتقاد أن جميع الأنبياء وأمهاتهم مؤمنون وأنهم في الجنة مخلدون، هذا هو الذي نعتقده ونلقي الله إن شاء الله تعالى عليه والحمد لله رب العالمين أهـ»

الكتاب: الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ومعه بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني

المؤلف: أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي (ت ١٣٧٨ هـ)

الناشر: دار إحياء التراث العربي

الطبعة: الثانية

—-
تلخيص المقال عبر الذكاء الاصطناعي غروك:

حديث “إن أبي وأباك في النار” – رواية ودراية (تخريج وتحليل).

1. نص الحديث الأساسي (من مسند أحمد 19/228 – ط الرسالة):

  • رواية أنس بن مالك: رجل سأل النبي ﷺ: “أين أبي؟” قال: “في النار”. فلما رأى ما في وجهه قال: “إن أبي وأباك في النار”.

2. تخريج الحديث ودرجته:

  • إسناده: صحيح على شرط الشيخين (البخاري ومسلم)، رجاله ثقات.
  • رواه: وكيع ← حماد بن سلمة ← ثابت ← أنس.
  • متابعات وشواهد:
  • ابن ماجه (3483)، الطيالسي (1994)، ابن أبي شيبة (8/26)، أبو داود (3860)، الترمذي (2051)، أبو يعلى (3048)، ابن حبان (6077)، الحاكم (4/210)، البيهقي (9/340)، وغيرهم.
  • رواية أخرى عن جرير بن حازم ← قتادة ← أنس (متعددة الطرق).
  • رواية همام ← قتادة (في الترمذي والشمائل).
  • في الباب: عن ابن عباس (رقم 2091 في المسند).

3. الخلاف في الرواية وأثرها:

  • حماد بن سلمة تفرد بلفظ “إن أبي وأباك في النار”.
  • خالفه معمر بن راشد ← ثابت ← أنس: لم يذكر “إن أبي وأباك”، بل قال: “إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار”.
  • رأي السيوطي (في “مسالك الحنفاء في والدي المصطفى”): لفظ حماد تصرف من الراوي بالمعنى، ومعمر أثبت (لأن حماد تكلم في حفظه، ووقع في أحاديثه مناكير، وربما دسها ربيبه ابن أبي العوجاء).
  • شواهد أخرى بلفظ معمر:
  • من حديث سعد بن أبي وقاص (البزار، الطبراني، ابن السني، البيهقي) – إسناد صحيح على شرط الشيخين.
  • من حديث ابن عمر (ابن ماجه) – إسناد صحيح.
  • نتيجة التخريج: اللفظ “إن أبي وأباك في النار” من تصرف الراوي، والأثبت هو اللفظ العام: “حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار”.

4. معنى الحديث وتفسيره عند العلماء:

  • القرطبي (المفهم): الحديث جبر للرجل وتسلية له بالاشتراك في المصيبة، مع حفظ حرمة النبي ﷺ (لم يقل “أين أبوك؟” مباشرة).
  • النووي (شرح مسلم): يدل على أن من مات على الكفر في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وأن من مات في الفترة على عبادة الأوثان (كالعرب) في النار، لأن دعوة إبراهيم وغيره بلغتهم.
  • ابن رسلان (شرح سنن أبي داود): بعضهم يحمل “الأب” على العم (أبو طالب ربى النبي ﷺ)، ويجعل الحديث قبل إحياء والديه (رواية ضعيفة من السهيلي وابن شاهين).
  • القاري (مرقاة المفاتيح): الجمهور على أن والدي النبي ﷺ ماتا كافرين، وحديث الإحياء ضعيف جدًا، والثابت في الصحيح يعارضه.
  • ابن كثير (البداية والنهاية): حديث الإحياء منكر جدًا، والثابت في الصحيح يعارضه.

5. الجمع بين الروايات:

  • بعض العلماء (ابن شاهين، القرطبي، ابن سيد الناس): حديث الإحياء ناسخ للنهي عن الاستغفار، وممكن عقلاً وشرعًا (كإحياء عيسى للموتى).
  • الجمهور (ابن كثير، القاري، السندي): الحديث الثابت في الصحيح مقدم، والإحياء ضعيف، ولا تعارض إذا حمل “الأب” على العم، أو كان الحديث قبل الإحياء (لكن الإحياء نفسه ضعيف).

6. الخلاصة العامة من المقال:

  • الحديث ثابت بإسناد صحيح، لكن لفظ “إن أبي وأباك في النار” محل نظر (تصرف راوي أو ضعف حفظه عند حماد بن سلمة).
  • اللفظ الأثبت: الجواب العام “بشره بالنار” عند كل قبر كافر.
  • الحديث يدل على أن الكافر في النار، ولا تنفعه قرابة النبي ﷺ.
  • حديث إحياء والدي النبي ﷺ وإيمانهما ضعيف جدًا، ولا يعارض الصحيح.
  • الجمهور على أن والدي النبي ﷺ ماتا كافرين، والله أعلم. (قال وليد: هذا بحسب زعم ملا علي القاري)

السابق
هذا الوهابي الذي يعد معتدلا عند هؤلاء القوم المقبوحين يصرح بتكفير السادة الأشاعرة الذين هم جل علماء الأمة عبر القرون! (منقول)
التالي
خلاصة كتاب “الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل” للشيخ عبد الكريم الجيلي /منقول من تطبيق الذكاء الاصطناعي (غروك)/

اترك تعليقاً