فتوح الغيب (ت الدرويش) (ص: 278)
المقالة الرّابعة والسّبعون فيما ينبغي للعاقل أن يستدلّ به على وحدانيّة الله تعالى
أوّل ما ينظر العاقل في صفة نفسه وتركيبه، ثمّ في جميع المخلوقات والمبدعات فيستدلّ بذلك على خالقها ومبدعها، لأنّ فيه دلالة على الصّانع وفي القدرة المحكمة آية على الحكيم، فإنّ الأشياء كلّها موجودة به.
وفي معناه ما ذكر عن ابن عبّاس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية:13]. فقال: في كلّ شيء اسم من أسمائه، واسم كلّ شيء من اسمه، فإنّما أنت بين أسمائه وصفاته وأفعاله، باطن بقدرته وظاهر بحكمته، ظهر بصفاته وبطن بذاته، حجب الذّات بالصّفات، وحجب الصّفات بالأفعال، وكشف العلم بالإرادة، وأظهر الإرادة بالحركات، وأخفى الصّنع والصّنيعة، وأظهر الصّنيعة بالإرادة، فهو باطن في غيبه وظاهر في حكمته وقدرته: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)} [الشورى:11].
و لقد أظهر في هذا الكلام من أسرار المعرفة ما لا يظهر إلاّ من {كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ} [النور:35]، أمره برفع يد العصمة: «اللهمّ فقّهه في الدّين وعلّمه التأويل» (2)أنا لنا الله تعالى بركاتهم وحشرنا في زمرتهم وحرمتهم، آمين.
الكتاب: فُتُوْحُ الْغَيْبِ
المؤلف: عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن جنكي دوست الحسني، أبو محمد، محيي الدين الجيلاني، أو الكيلاني، أو الجيلي (المتوفى: 561 هـ)
المحقق: عبد العليم الدرويش
الناشر: دار الهادي ومكتبة دار الزهراء، الرياض – المملكة العربية السعودية