اختلاف الوهابية فيما بينهم وردودهم وتبديعهم لبعضهم

رد بعض الوهابية على الشيخ مصطفى العدوي الذي رد على ابن تيمية مسألة شد الرحال لزيارة القبور (منقول)

من قناة تحريرات عقدية
تداول بعض الإخوة من الأشاعرة مقطعًا للشيخ مصطفى العدوي يجوّز فيه شدّ الرحل إلى زيارة قبر النبي ﷺ، ويردّ فيه على شيخ الإسلام ابن تيمية.

قلت: وهذا المقطع دليل على إنصاف الشيخ وفقه الله وعدم تحزّبه، وفيه تنبيه وفائدة لإخوتنا لأشاعرة إلى خطأ إسقاط صورة نمطية على السلفيين، بل ينبغي تناول المسائل العلمية – دون انطباع مسبق-.

أما تعليقي على الفيديو :

قد أمرر ما انتهى إليه الشيخ إجمالاً من حيث الحكم، فالمسألة عندي يسوغ فيها الخلاف ، غير أن الإشكال ليس في النتيجة. بل في الحيثيات وطريقة تقرير الشيخ السطحية، وسوء الأدب العلمي مع ابن تيمية حيث قال عنه: (عنده خلل في الفهم) أو كلامًا بهذا المعنى. وكان يكفيه أن يقول : جانبه الصواب، أو الأقرب كذا كذا، ونحو ذلك.

والشيخ مصطفى – حفظه الله – كغيره من الدعاة وطلاب العلم = غير محقق في هذه الأبواب، وقد وقع في تبسيطٍ مخلّ لمسألة علمية دقيقة، وعبّر عنها بعبارات توهم أن القول محل النزاع تفرد به ابن تيمية، وناشئ عن خللٍ في فهمه للحديث، وأن العلماء قد ردوا عليه و شنعوا عليه، وليس الأمر كذلك.

وبيان هذا من وجوه:

أولًا: اعتراض بعض معاصري ابن تيمية في هذه المسألة لم يكن -في حقيقته- اعتراضًا على أصل القول، بقدر ما كان متأثرًا بحجاب المعاصرة. وبما أُحيط به الرجل من خصومات مذهبية، ولا سيما في باب الصفات. وقد نبّه إلى هذا المعنى العلامة الشنقيطي – رحمه الله – في أضواء البيان، حيث ناقش المسألة إنصاف شديد ، وقرر أن الخلاف في مسألة الزيارة خلافٌ لفظي أو اعتباري، ثم قال – بما معناه –: لولا الخصومة مع ابن تيمية في الصفات ونحوها، لما اعترض عليه أحد في هذه المسألة؛ فإن جماعةً من العلماء قالوا بمثل قوله قبله، ولم يُنكر عليهم أحد.

والمعنى نفسه قرره العلامة عبد الرحمن السقاف الشافعي الأشعري، إذ صرّح أن قدرًا من التعصب بين الأقران دخل في تضخيم الخلاف، وأن المسألة في ذاتها بسيطة… وقرره كذلك الإمام محمد أنور شاه الكشميري الحنفي.

بل قد تتعجب إن علمت أن التاج السبكي نفسه، قد خالف أباه وأقر بسواغ المسألة، وإن اختار هو الجواز، وهذا بعكس والده الذي حاول نفي الخلاف رأسًا.

ولولا خشية الإطالة لنقلت كلامهم بطوله.


ثانيًا: كان الأولى بالشيخ مصطفى العدوي مراجعة كلام العلماء حتى تتضح له الرؤية كاملة – لا أن يجتهد هو بنفسه-

ومن ذلك : تقرير الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، حيث دافع عن ابن تيمية وردّ على من نسب إليه منع زيارة قبر النبي ﷺ، وبيّن أنه لا يمنع الزيارة في نفسها، ولا يمنع شدّ الرحل إلى المسجد النبوي، وإنما يمنع قصد القبور بالرحلة استقلالًا.

قلت: وهي مسألة فقهية قديمة، لها وجه في المذهب الحنبلي، قال بها ابن بطة، وابن عقيل، وابن حمدان – وهما من أصحاب الوجوه عند الحنابلة – وقال بها من المالكية القاضي عياض، ونسبها إلى الإمام مالك، ومن الشافعية ابن سريج، وأبو محمد الجويني.

قلت: وهذه المسألة – نظريًا- تشمل القبر الشريف، لكنها عمليًّا مسألة نظرية؛ لأن من شدّ الرحل إلى القبر، إنما يقصد المسجد والقبر معا، وهو ما يجعل الخلاف أقرب إلى الخلاف في العبارة منه إلى الخلاف في المقصد.

ثالثًا: زعمُ أن استدلال ابن تيمية في هذه المسألة مختل، أو شاذ، أو مبني على فهم خاص = غير صحيح ؛ إذ هو نفس استدلال العلماء السابق ذكرهم. فمن شاء أن يخالف هذا المسلك فله ذلك، لكن بأدب الخلاف مع الأئمة، فيُقول: (جانبهم الصواب أو الأقرب كذا) ، لا أن يُصوَّر القول وكأنه خلل في الفهم !

أما حديث: «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» = فلم يستدل به ابن تيمية منفردًا – كما أوهم الشيخ مصطفى – ، بل استدل بفهم الصحابة له؛ إذ أنكروا شدّ الرحل إلى جبل الطور، مع أنه ليس مسجدًا، فاستُدلّ بذلك على أن النهي ليس خاصًا بالمساجد. وقد ورد هذا الإنكار عن أبي بصرة الغفاري، وعن ابن عمر، ومعلوم أن ابن عمر كان من أكثر الصحابة تتبعًا للآثار النبوية، ومع ذلك نهى عن السفر إلى الطور مستدلًا بهذا الحديث.

ففهم ابن تيمية – ومن سبقه – أن الحديث على عمومه في السفر الديني لتعظيم بقعةٍ بعينها وتحريها بالرحلة، وهو فهم الصحابة أنفسهم.

ويعضد هذا ما نُقل عن السلف في عدم تحرّي القبر الشريف بالزيارة إلا لمن كان من أهل المدينة، حتى قال سحنون: قال مالك: وأكره أن يقول أزور قبر النبي. وقال ابن القاسم : وكان. مالك يعظم من قول القائل: أزور النبي صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: خطأ السلفية المعاصرة ليس من هذا الباب، وإنما في عدم إدراكهم أن الخلاف في (قبر النبي خاصة) خلافٌ قريب ؛ فإن من قصد قبر النبي ﷺ فإنما قصد مسجده أيضًا، مثل قول بعض الناس: (سأسافر لزيارة النبي) ؛ صرح ابن تيمية أن هذا لابأس به، لأن القبر صار عَلَمًا على المسجد، وصار النزاع في حقيقته نزاعًا في الاصطلاح لا في المعنى.

يتبع.. ،،

=====

تتمة:

ولابن تيمية كلام كثير في هذا المعنى، لم ينتبه إليه طرفا النزاع المعاصر، وبطبيعة الحال لم ينتبه إليه الشيخ مصطفى العدوي كذلك.

= لكن المحققين من أهل العلم فهموا مراده، كالشَّنقيطي في أضواء البيان، والمعلمي اليماني في كتابه المسائل الثلاث، فمن رجع إلى كلامهم علم حقيقة الخلاف وموضعه.

وأخيراً…
ليس المقصود من هذا العرض الانتصار لمذهب بعينه، ولا ترجيح قول على قول، وإنما التنبيه إلى أن المسألة أكبر من الطرح التبسيطي الذي قدمه الشيخ مصطفى العدوى.

لكن لا إشكال عندي في مخالفة ابن تيمية واختيار القول الأخر، فالخلاف – من حيث هو – لا إشكال فيه، لكن الإشكال أن تكون المخالفة بسطحية، وصادرة عمن هو غير مُلم بهذه المسائل ، وبفهم مبتور غير دقيق لمذهبه رحمه الله.

======

منقول

السابق
((الخوارج رجع كثير منهم بعد مناظرة ابن عباس لهم لكن الأشعري والماتريدي والمعتزلي لايرجعون ولوناظرهم الشافعي))/ الجزء الأول من الرد على المنشور الخامس والعشرون لجميل فؤاد
التالي
ما قيل في كتاب إحياء علوم الدين /منقول/