اختلاف الوهابية فيما بينهم وردودهم وتبديعهم لبعضهم

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة 14/ المأخذ الرابع عشر: الجمود العقلي ورفض التطورات الحديثة / تحريرات عقدية/

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة 14
المأخذ الرابع عشر: الجمود العقلي ورفض التطورات الحديثة
___
من ابرز المآخذ على السلفية المعاصرة كما يمارسها قطاع واسع من المنتسبين اليها حالة الجمود العقلي الشديد بل يكاد يصل الامر أحيانًا إلى تعطيل العقل عمليا حتى نشأ لدى كثير منهم تصور مفاده أن العلوم الحديثة لا علاقة لها بالدين اصلا،، وكأن الدين شيء والعلم والواقع شيء اخر

وهذا التصور بعيد كل البعد عن حقيقة الاسلام ويقدم صورة مغلوطة عن منهجه تختلف جذريا عن طريقة علماء المسلمين عبر تاريخهم وفي مقدمتهم شيخ الاسلام ابن تيمية

فكثير من الخطاب السلفي المعاصر يعيش داخل عالم تجاوزه الزمن، يناقش قضايا ومفاهيم قديمة بأدوات فكرية لم تعد تعبر عن أسئلة الانسان المعاصر وهذه الإشكالية ليست حكرََا على السلفيين، إذ نجدها ايضا عند الأشاعرة الذين انكفؤوا على الجدل في الجواهر والأعراض والعلوم العقلية القديمة التي لم يعد معترفًا بها الآن … غير أن الفرق بينهما أن الأشاعرة – في سياقات اخرى- قد تفاعلوا مع العلوم الحديثة ولم ينكروا الواقع ولا منجزاته.

أما المشهور عن الخطاب السلفي السائد فهو إهمال العلوم الحديثة، بل والتصريح احيانا بأن إدخال العلم في الدين خطأ،، وأن الدين ارقى من أن يربط بالاكتشافات العلمية= وكأن الاسلام دين طقوسي شعائري لا مدخل للعقل فيه! ولا علاقة له بفهم سنن الكون واكتشاف قوانينه.

هذا التصور يقود من حيث لا يشعر أصحابه إلى مواقف قريبة من بعض أطروحات الأشعرية القديمة في نفي تأثير الأسباب في مسبباتها، فتجد مثلاً من يستمع إلى قوله تعالى: ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا) فيزعم أن للقمر نورا ذاتيا مستقلاً عن الشمس، فينفي تأثير الأسباب، مع أن الآية لم تتعرض لنفي ولا إثبات، وإنما جاءت في سياق الوصف لا في تقرير مسألة كونية.

وقد يقال إن هذه الرؤية تصدر عن عوام المتدينين أو عما يُمكن تسميته بالسلفية الشعبوية.. وهذا صحيح جزئيا لكن العجيب أنها تصدر من بعض طلبة العلم أيضا لا من العوام وحدهم.

والواقع أن العوام لم يبتدعوا هذا التصور من تلقاء انفسهم، وإنما تلقوه من خطاب بعض الشيوخ ثم بالغوا فيه بطبيعتهم وزادوا عليه حتى أنني اطلعت على مقالات منشورة في موقع (الألوكة) يحاول كاتبها إثبات ان الأرض ثابتة لا تدور، وأن معظم العلوم الحديثة من وضع الكفار.. ولم يكتف بذلك، بل طعن في بعض علماء مسلمين، فصور من قال بدوران الأرض – كالبيروني والسجزي- على أنهم من المنجمين الزنادقة.

وهنا لا نتحدث عن خطأ علمي عابر بل عن سقطة منهجية خطيرة وتشويه فادح لتراث علمي إسلامي أصيل كان في طليعة من تفاعل مع الكون بالعقل والتجربة

ومن لا يقع منهم في هذه الترهات الصريحة= تجده في المقابل ينفي الإعجاز العلمي في القرآن جملة وتفصيلاً- لا بمعنى رفض بعض التفسيرات المتكلفة التي يروج لها دعاة الاعجاز العلمي – بل بإنكار أصل وجود أي إعجاز، أو أي دلالة كونية في القران الكريم، وكأن الوحي منفصل تماما عن سنن الكون.

ومن الأمور العجيبة : أن هذا الاتجاه لا يكتفي بإنكار الاعجاز العلمي بل يتبنى احيانا تصورًا ساذجًا لمعنى الإعجاز نفسه؛ إذ يشترط بعضهم أن يكون السلف قد نصوا صراحة على المفاهيم العلمية الحديثة وبالألفاظ الاصطلاحية المعاصرة حتى يقر بوجود دلالة علمية في الآية.

فتجده مثلاً لا يقر بأي دلالة في قوله تعالى (فلا اقسم بالخنس الجوار الكنس) إلا اذا وجد نصاً عن السلف يصرح بلفظة الثقوب السوداء!
ولا يقر بإعجاز قوله تعالى (والسماء والطارق) إلا إذا نص السلف أن المقصود هو النجم النيتروني..

ولا يرى في قوله تعالى (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) أي إعجاز علمي ما لم يجد عند السلف تصريحًا بمصطلح الانفجار العظيم!!

=هذه نظرة بالغة السطحية، تقوم على افتراض ساذج، وهو أن الوحي الإلهي جاء ليقدم العلوم بصيغها الاصطلاحية، مع أن القرآن إنما يُخاطب الانسان خطابا كونيًا مفتوحا يربط المعنى بالسنن لا بالمصطلحات.. وبالدلالة لا بالتحديد الدقيق، ليبقى صالحا لعصرهم وعصرنا، لا اسيرًا لمرحلة معرفية بعينها، فالإعجاز ليس في تطابق الألفاظ بل في انفتاح النص على حقائق كونية تتكشف مع الزمن دون أن يقيد الوحي بمصطلحات قابلة للتبدل والتجاوز.

بل بعضهم يزيد ويقول : (لو كان خيرا سبقونا إليه) يريد أن هذه الإشارات الكونية مثل دوران الأرض ونحوها. لو كانت خيرا لسبقنا إليه السلف الصالح!.. وكأن السلف الصالح وظيفتهم الكلام في الفيزياء…!!

وهذا الطريقة خاطئة في التفكير، فالإسلام جاء يقر الناس على الحسيات لا. لينكرها عليهم…. كما قال الرسول : (أنتم أعلم بأمور دنياكم) وقوله لعلي بن أبي طالب : (بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب) فأمر عليًا أن يُقدم الحس على أمره!

يتبع…،،

=====

تتمة:

ولقد أساءت هذه النظرة الضيقة وهذا الجمود العقلي إلى صورة المنهج السلفي نفسه؛ حتى اصبحت السلفية في نظر كثير من الناس نقيضا للعقل والعلم ومادة للسخرية في البرامج الاعلامية = وهو ما استثمره بعض خصومها كالدكتور علي جمعة حين صور السلفيين بوصفهم خصومًا للعقل مستدلا بكتاب الشيخ حمود التويجري: الصواعق الشديدة على اهل الهيئة الجديدة!!

ولا بد من الانصاف هنا: نعم، بعض علماء نجد أخطأوا في قضايا علمية لكنهم معذورون ببيئتهم البدوية وبحدود معارف عصرهم ولكونهم غير متخصصين في العلوم الكونية.

غير ان الخطأ الأكبر في أتباعهم من المتأخرين الذين جمدوا على آرائهم وقلدوهم تقليدا اعمى وظنوا ان كل ما قاله اولئك العلماء دين منزل لا يراجع ولا يناقش

وهكذا انتقل الخطأ من كونه اجتهادًا بشريا محدودًا بزمانه ومكانه إلى كونه مذهبا مقدسا، يفرض على الناس ويعاد انتاجه في زمن تغيرت فيه ادوات المعرفة وتبدلت فيه صورة العالم

والمفارقة= أن السلفية – من حيث الأصل – اقرب الى العقل من الأشعرية بمراحل.. لذلك قال العلامة الأزهري عبد المتعال الصعيدي بعد انتقاده الجمود الازهري في عصره : ( إن السلفية اصبحت اليوم معيار الثقافة والرقي ولا ينظر اليها بازدراء الا العوام واصحاب الجهالات)

ومن الواضح انه لم يكن يقصد السلفية المنغلقة التي نعرفها اليوم، بل السلفية المنفتحة التي عايشها في مصر – والتي قد أشرنا اليها في الحلقات السابقة-

نعم، لقد أساء كثير من السلفيين إلى شيخ الاسلام ابن تيمية نفسه فحصروه في خندق ضيق لا يكاد يتجاوز الصفات والبدعة والقبور – بل حتى هذه القضايا لم يفهموها عنه بدقة، كما سبق في بعض الحلقات –
بل وأظهروه بصورة الرجل المنغلق الذي يجمد على النص دون فهم، والحقيقة عكس ذلك تماما.

وهكذا ظهر للناس خطاب جامد متشدد على أنه منهج ابن تيمية، مع أن الرجل كان نموذجا للعقلانية المنسجمة مع الشرع فلم يغلق باب المعرفة العقلية ولا باب التجربة الحسية، بل قرر أن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح وان العلم والدين لا يمكن ان يكونا ضدين لان الحقيقة واحدة ومصدرها واحد

وقد فسر ابن تيمية الظواهر الطبيعية كالزلازل والرعد والبرق تفسيرا عقليًا وحسيا، مع ايمانه بالنصوص الواردة فيها دون أن يرى أي تعارض بين التفسير العلمي والايمان بالغيب

ولهذا قال عنه المفكر الشيعي علي الوردي: ( إن عقل ابن تيمية كان سابقًا لأهل زمانه وقد سبق علماء النهضة الحديثة)

وقال الدكتور محمد عمارة: ( لو أن المشروع التجديدي لابن تيمية قد لاقى قبولاً أو وجد الدولة التي تحمله لتغير وجه العالم الاسلامي إلى التقدم والرقي منذ قرون)

لكن الصحوة الاسلامية – في صورتها السائدة- ركزت على النصوص مجردة وقللت من شأن المقاصد ونظرت إلى العقل بوصفه تهديدًا للدين

ولم يبق هذا الجمود العقلي مسألة نظرية بل انعكس على المناهج التعليمية والخطاب الدعوي فاصبح عاجزا عن التعامل مع قضايا العصر الكبرى في الفيزياء والطب والاحياء وغير قادر على الاقناع في زمن تغير فيه تصور الانسان للعالم والكون.

فالجمود العقلي لا يجعل صاحبه فقط خارج العصر بل يجعله يناقش اسئلة لم تعد مطروحة بينما تتسع الهوة بين الخطاب الديني والواقع المعاش

وخلاصة الأمر أن هذا كله ليس من السلفية في شيء ولا من منهج ابن تيمية وانما هو انحراف طارئ شوه مشروعا إصلاحيًا كان يُرجى له أن يكون أحد جسور النهضة، فإذا به في صورته المشوهة يتحول إلى احد عوائقها.. !!

——–
منقول

السابق
فقارنوا بين كلام ابن تيمية وكلام الإمام المحدّث وكيع ابن الجراح/ كل هذا لتعرفوا أن أرحم العلماء بابن تيمية هم أهل السنة الأشاعرة / الشيخ نزار حمادي حفظه الله/
التالي
والحال أن كلام الإمام الطبري واضحٌ في كونه جهميا عندهم كما جهموا الأشاعرة وكفروهم/ الشيخ نزار حمادي وفقه الله/