اختلاف الوهابية فيما بينهم وردودهم وتبديعهم لبعضهم

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٢)/ثانيًا:النزعة القدرية تجاه مسائل العقيدة/ تحريرات عقدية/

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٢)

ثانيًا:النزعة القدرية تجاه مسائل العقيدة:

من الأخطاء المنهجية التي يغلب حضورها في الخطاب السلفي المعاصر: الظنّ السائد أن مسائل الاعتقاد قطعية، لا خلاف فيها، وأنه لا اجتهاد فيها مطلقًا، مع إغفال واضح للتمييز بين مراتب مسائل العقيدة من حيث الظهور والخفاء، وقوة الدليل، وموضع الإجماع أو النزاع.

ويُضاف إلى ذلك أن مواطن الإجماع العقدي عند السلفيين غير محرَّرة تحريرًا علميًا، إذ يُظن أن ما يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية، أو ما ينتقده على المتأخرين من البدع، لا خلاف فيه! ، وأن من خالف يكون مبتدعًا لا محالة.

والحقيقة أن الأمر ليس كذلك دائمًا؛ فقد تكون المسألة محلَّ نزاع معتبر بين كبار أهل السنة عبر القرون، ثم يختار ابن تيمية – بصفته مجتهدًا – أنها من البدع التي اشتبهت بعد القرن الثالث الهجري، بناءً على تحقيقه العلمي وترجيحه الاجتهادي.

بل إن ابن تيمية نفسه يصرّح في غير موضع بتسويغ الخلاف في بعض هذه المسائل؛ بسبب تجاذب الأدلة والاشتباه.

غير أن هذا يغيب عن أذهان كثير من السلفيين، فيُنزلون اختياراته منزلة الإجماع القطعي، وهو تنزيل غير صحيح.

والأصل الذي دلّت عليه نصوص أئمة أهل السنة: أن مسائل العقيدة – مع وجوب التصديق بها – ليست على درجة واحدة من اليقين والجلاء، بل تتفاوت بحسب الأدلة، واستفاضتها، وقوة دلالتها، ومدى الاتفاق على مدلولها.

وقد نبّه الشيخ ابن عثيمين تنبيهًا صريحًا إلى خطأ الظن القائل إن مسائل العقيدة لا خلاف فيها، وقرّر أن اليقين أو الظن في هذه المسائل يتجاذبه الدليل وفهم الناظر، وأن المسألة الواحدة قد تكون يقينية عند عالم، ظنية عند آخر، بحسب قوة العلم والنظر.

كما وقع الاشتباه عند المتأخرين في عدد من المسائل؛ إما بسبب دخول علم الكلام وما ترتب عليه من تجاذب الأدلة العقلية والنقلية، كمسائل التحسين والتقبيح الشرعي، ونفي حلول الحوادث، ونحوها. وهي مسائل في أصلها من البدع عند ابن تيمية، غير أنه – مع ذلك – يعتبرها من مسائل (الدق) أي الدقيقة المشتبهة.

وإما يكون الخلاف بسبب أدلة شرعية محتملة، كمسائل التوسل، وشدّ الرحال، والدعاء عند القبور = وهذه جعلها الخطاب السلفي المعاصر مسائل عقدية، وهو تصور غير دقيق؛ إذ الأصل فيها أنها مسائل فقهية، ولا تدخل في باب الاعتقاد إلا إذا صاحبها اعتقاد فاسد.

ولا إشكال في أن تكون المسألة فقهية وهي من البدع؛ فالجهر بالنية – مثلاً – بدعة مع كونها فقهية وإباحة الشافعية لها، والجهر بالبسملة عدّه بعض السلف من البدع، ومسألة التحليل عند الحنفية عدها غيرهم من البدع. وهكذا،، … وكل ذلك من مسائل الفقه، لا من أصول الاعتقاد.

ومن المفارقات في هذا الباب أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب – إمام الدعوة النجدية – صرّح بأن التوسل بذوات الأنبياء والصالحين من مسائل الفقه التي وقع فيها الخلاف، وقرّر أنه لا إنكار فيها، ولو كان الصواب عنده الكراهة.

وكذلك صرّح الشيخ الألباني في (أجوبته) بأن التوسل ليس من مسائل العقيدة، وإنما من الأحكام الفقهية، وأنه لا يدخل باب الاعتقاد إلا إذا اقترن باعتقاد خاص يقصده المتوسل. بل قرر الألباني – مثل تقرير ابن عثيمين- أنه لا يرى فرقًا من حيث مبدأ الاجتهاد بين ما يسمى أصولًا وما يسمى فروعًا، وأن وقوع الخلاف والاجتهاد ممكن في كليهما.
___

اذن هذه التقريرات الحسَنة من الألباني وابن عثيمين تدل على أن هذه التصورات المغلوطة ليست عند جميع السلفية المعاصرة، بل منهم من ينكرها وينبه عليها.. لكن رغم هذا تبقى النزعة القدرية المتشددة هو الخطاب الغالب على جمهورهم.

وأصل هذا الخلل كله راجع إلى تقسيم الدين إلى «أصول» و«فروع» ، وجعل مسائل الاعتقاد كلها من قبيل الأصول القطعية التي لا يسوغ فيها الاجتهاد ولا العذر. وهذا التقسيم بهذه الصيغة تقسيم متأخر، أنكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وبيّن أن السلف لم يكونوا ينظرون إلى الدين هذه النظرة التقسيمية، بل كانوا يرونه شيئًا واحدًا، ويشتدّون أو يخففون بحسب ظهور المسألة وخفائها، لا بحسب تصنيفها الاصطلاحي.

بل نسب ابن تيمية هذا التقسيم إلى القدرية والمتكلمين، إذ صار كل فريق يكفّر غيره بالخطأ في مسائل أُدرجت تحت مسمى «أصول الدين»، مع أن هذه الصيغة لم تكن معروفة عند القرون الفاضلة.

ومع شيوع هذا المنهج، غابت مراتب الخلاف، وضاقت مساحة العذر والتسامح، واتسعت دائرة التبديع والتضليل..

يتبع…،،

=====

تتمة ما سبق:

وكم عانت مرحلة الصحوة الإسلامية من مناوشات عنيفة بين السلفيين في مسائل، كان ابن تيمية يتسامح فيما هو أعظم منها ..!!

ومن هنا نشأت نزعة قدرية في التعامل مع العقيدة، لا من حيث القول بالقدر، بل من حيث الصرامة المنهجية التي لا تراعي درجات الدليل ولا الاشتباه، ولا احترام الرأي الآخر .

وهذه النزعة – مع حسن نية كثير من المشايخ – كانت سببًا غير مقصود في تفريخ طائفة (الحدادية) الغلاة؛ إذ التزموا لوازم هذا المنهج التزامًا كاملًا، فكفّروا وبدّعوا حيث توقف غيرهم، ثم اتهموا المشايخ أنفسهم بالتناقض ومداهنة المبتدعة؛ لأن هؤلاء المشايخ احترموا علماء كبارًا أخطؤوا في بعض مسائل الاعتقاد، كالإمام النووي وابن حجر، ولم يخرجوهم من دائرة أهل السنة!!

هذه النزعة القدرية لا تتوقف فقط على الوهم السائد أنه لا اجتهاد في الاعتقاد، ولكن أدى ذلك إلى ما هو أشنع = وهو ظنهم أن الإيمان لا يتبعض ولا يتجزأ، بل هو مثل القالب الواحد ، إذا ذهب بعضه ذهب كله!

فحين يخطيء شخص في مسألةٍ ما؛ فإن حرمته تزول عنه، ويعاملونه كأنه مبتدعا أو كافرا …وهذه طريقة القدرية والخوارج والمرجئة، لأن الإيمان عندهم كالقالب الواحد.
فلا يجتمع عندهم في الرجل طاعة ومعصية، وسنة وبدعة، وخطأ وصواب! .

نعم، لن يقول لك أحدٌ الآن – بلسانه- إنني مثل القدرية والخوارج وأعتقد مثلهم إن الإيمان لا يتجزأ = لكن أفعاله وطريقته مثلهم وتؤول إليهم ..وهذا ما نبّه عليه ابن تيمية – وسيأتي كلامه-.

وهذا هو الأصل الفاسد الذي انبثقت منه كل غلاة السلفية المعاصرين (مدخلية، وحدادية، وتكفيرية، وسرورية .. إلخ )

فهم مع اختلاف منطلقاتهم = اشتركوا جميعًا في هذا الظن الفاسد، حيث رتبوا مسائل معينة ، ومدحوا من وافقهم عليها وبدعوا أو كفروا من خالفهم فيها.

قال شيخ الإسلام في “مجموع الفتاوى” : “وكثيرٌ من الناس إذا علم من الرجل ما يحبه أحب الرجل مطلقًا، وأعرض عن سيئاته، وإذا علم منه ما يبغضه أبغضه مطلقًا، وأعرض عن حسناته…وهذا من اقوال أهل البدع والخوارج والمعتزلة والمرجئة، وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والاجماع وهو ان المؤمن يستحق وعد الله وفضله الثواب على حسناته ويستحق العقاب على سيئاته وإن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه وما يعاقب عليه وما يحمد عليه وما يذم عليه وما يحب منه وما يبغض منه فهذا هذا .” اهـ .

وقال رحمه الله: “إذا كان من أصول أهل السنة التي فارقوا بها الخوارج: أن الشخص الواحد تجتمع فيه حسنات وسيئات، فيُثاب على حسناته، ويُعاقب على سيئاته، ويُحمد على حسناته، ويُذم على سيئاته، وأنه من وجه مرضيٌّ محبوب، ومن وجه بغيض مسخوط…”اهـ.
____

(ملاحظات مهمة) :
١- هذه لوازم الفاسدة التزمتها الطوائف الغالية، ولم يلتزمها العلماء والمشايخ الكبار؛ فالعالم قد يقول تأصيلاً غير محرر، ثم لا يلتزم لوازمه.. وأما الجاهل فيأخذ هذا التأصيل، ثم يزيد عليه ويلتزم لوازمه. فتنبَّه. .

والمقصود هو التنبيه على خطأ إطلاق (إن مسائل العقيدة كلها قطعية) وأنه قد يجر إلى لوازم فاسدة.
٢- يبدو أن هذه الأزمة المنهجية تتركز –بصورة أوضح– داخل سلفية السعودية، حيث غلب التشديد في مسائل العقيدة، والتعامل معها بمنطق القطع مع تضييق واسع لمساحة الاجتهاد والتسامح.

٣- سلِمت مدارس سلفية أخرى – إلى حدٍّ كبير – من هذا المنزلق، وحافظت على الروح التيمي المتسامح ، كمدرسة الشوكاني، ومدرسة السيد رشيد رضا، ومدارس الشناقطة ومدرسة الألباني ، ويُمكن أن نلحق بهم مدرسة القصيم (السعدي وابن عثيمين بنسبة معقولة ) = إذ حافظت هذه المدارس على الروح التيمية والتوازن، وامتلكت وعيًا أوضح بمراتب المسائل، فلم تسوِّ بين الجلي والخفي، ولا بين الأصول المجمع عليها والمسائل المشتبهة.

ولا يُفهم من قولي (المدارس السلفية) إدخال تيارات الصحوة والدعاة المشاهير في هذه المدارس؛ فهؤلاء مقلدون لمشايخ المملكة، يدور خطابهم في فلكها، ولذلك فهذه الإشكالية حاضرة عندهم أيضًا، وإن تفاوتت حدّتها وصورها.

وخلاصة المقصود: أن إحياء فقه مراتب المسائل، وردّ الاعتبار لمنهج السلف في التعامل مع العقيدة بوصفها درجات لا قالبًا واحدًا = هو السبيل الأمتن لوقف دوّامة الغلو والتناقض، وإعادة الخطاب السلفي إلى مساره العلمي الرصين، بعيدًا عن الإفراط والتفريط.

=====

تتمة:
ومن نافلة القول أن هذه النزعة القدرية المتشددة لا يختص بها الخطاب السلفي المعاصر، بل هي موجودة عند الأشاعرة أيضًا، بل قد تكون عندهم أظهر وأرسخ من جهة التأصيل؛ لأن تقسيم الدين إلى أصول وفروع = هو في الأصل تقسيم كلامي تبناه المتكلمون، وأخذوه عن القدرية الأوائل. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تؤول هذه الرؤية – عند من التزمها – إلى تكفير المخالف أو تبديعه.

ولهذا نجد في تاريخ الأشعرية، وفي واقعها المعاصر، طوائف التزمت لوازم هذا المنهج، فكفّرت السلفيين صراحة، كالأحباش والبريلوية والكوثرية، أو بدّعتهم وجعلتهم في منزلة قريبة من الرافضة، كما هو شائع عند غلاة الأشعرية المتصوفة الذين صار لهم حضور في الأزهر اليوم . وأحسن أحوال هؤلاء من يكتفي بالتبديع والتضليل، دون التكفير الصريح.

وقد يظن بعض الغافلين أن التسامح العقدي مما يُميز الخطاب الأشعري، وهذا وهمٌ ناشئ عن اختلاط الأزهر بالحداثة في العقود الماضية.

ثم تُستغل هذه الحداثة بأن يُقال (المذهب الأشعري لا يكفر أحدًا) أو الأشاعرة يقبلون الآخر = هذه العبارات التي يلوكها شيخ الأزهر د. أحمد الطيب في مناسبة وغير مناسبة، والتي غالبا لا تقال إلا من بعض الأزهريين في مصر فقط ! ، بهدف دغدغة مشاعر العامة واجتذابهم للمذهب.

أما من التزم المذهب الكلامي الأشعري = فإن الإشكالية نفسها تعود للظهور: تضييق مساحة العذر، وتوسيع دائرة التبديع والتكفير، بحسب ما أُدرج تحت ما أسموه (أصول الدين).

فالمقصود أن الإشكال واحد عند الجميع، حتى لا يظنن أحد أن المشكلة في السلفية المعاصرة وحدها. بل التطرف موجود عند الطرفين، مع اختلاف لونه ومذهبه، والذي يضيع هو صوت العقلاء من كلا الفريقين !

=====

منقول

السابق
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٣) /المأخذ الثالث : ثقافة القول الواحد/تحريرات عقدية/
التالي
علو الذات عند الماتريدية/ فليس المراد بعلو الذات هو علو المكان فوق العرش كما فهم الوهابية من كلام الشيخ شمائل الندوي/منقول/