اختلاف الوهابية فيما بينهم وردودهم وتبديعهم لبعضهم

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٥) /المأخذ الخامس : التقوقع حول مدرسة واحدة (وأصنام الكهف)/تحريرات عقدية/

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٥) :

المأخذ الخامس : التقوقع حول مدرسة واحدة (وأصنام الكهف)

من المؤاخذات المنهجية الواضحة في الخطاب السلفي المعاصر: الانكفاء على مدرسة بعينها، والتقوقع داخل نطاق ضيق من الأسماء والمصادر، مع عزوف ظاهر عن الإفادة من بقية مدارس العلمية، حتى ولو كانت سلفية بالمعنى الواسع.
حيث كان يجب أن يتم التأكد أولاً من كون الرجل سلفيًا بالمعنى الضيق – ومن جماعتهم – حتى يأخذوا منه العلم !

هذا المسلك يمثل صورة تطبيقية لما سمّاه فرانسيس بيكون بـ أصنام الكهف؛ حيث ينحبس العقل داخل كهف معرفي خاص، فيرى العالم من خلاله.. ويظن أن ما عداه إما ظلام أو انحراف أو نقص. وفي السياق السلفي: صار الكهف هو قراءة مخصوصة أو مدرسة محددة يتم فهم الدين من خلالها، ويُقاس بها غيرها.

حينما يتم اختزال السلفية في نموذج واحد ويتم تهميش تراث علمي واسع شارك في بنائه علماء من مذاهب وبلدان ومدارس متعددة.
ومن المعلوم أن (الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها)

ومن طالع تراجم العلماء أدرك أن هذا هو المنهج السائد عند أهل العلم عبر القرون؛ فلم يكن أحدهم أسير مدرسة واحدة.

فالنووي – مثلًا – أخذ عن بعض الحنابلة، وأبو شامة الأشعري سمع المغني من ابن قدامة.. وابن تيمية كان بعض مشايخه أشاعرة، وتلامذة ابن تيمية أنفسهم أخذوا عن أشاعرة، كالحافظ ابن كثير، وابن قاضي الجبل، وغيرهم.

ولم يكن ذلك مدعاة للريبة ولا للطعن في المنهج، بل كان من تمام التكوين العلمي. حيث تفتح لك المدارس المتعددة آفاقا واسعة.. ويتسع علمك وفهمك.

والميزان في الأخذ عن العلماء ليس هو المذهب المجرد، وإنما ( التخصص والأمانة العلمية ) والمشهود له في مجاله.

نعم لا يحسُن الأخذ عمّن كان داعية لمذهبه ليل نهار، ويشغل نفسه بالفتن بين المسلمين= فهذا ضرره أكبر من نفعه.

أما غير ذلك، فالأصل أن العالم يُؤخذ عنه فيما يُحسنه، حتى ولو أخطأ في مواضع، لا بأس بذلك .

غير أن السلفية المعاصرة – في صورتها الغالبة – لم تكتفِ بعدم الإفادة من المدارس غير السلفية، بل ضيّقت حتى داخل الإطار السلفي نفسه؛ فحصرت السلفية عمليا في النموذج السعودي، وإن توسعوا قليلًا أدخلوا مدرسة الألباني، مع تهميش شبه تام لمدارس سلفية راسخة أخرى.

ومدرسة السعودية مدرسة معتبرة، لها فضل عظيم في نشر مذهب السلف وخدمة السنة ، لكن السلفية لم تكن يوماً حكرا عليها. فهناك مدارس سلفية أخرى لا تقل عمقا ولا أصالة.. مثل:
مدرسة الآلوسي في العراق، ومدرسة رشيد رضا في مصر، والمدرسة الدرعمية في مصر، ومدرسة دار الندوة في الهند، ومدرسة الشوكاني وامتدادها في اليمن كالقاضي الأكوع والقاضي العمراني، ومدارس شنقيط والمغاربة

وكلها مدارس سلفية (بالمعنى الواسع لا بالمعنى الضيق) ، ومع هذا، لم يتجاوب السلفيون مع تراثهم – في الأغلب الأعم-.

بل الأعجب = أنهم حتى لم يستفيدوا من تراث محمد الأمين الشنقيطي، والمعلمي اليماني، – مع أنهما من الأسماء المعتبرة عندهم –

فتراث هذين الشيخين حافل بإبراز الخلاف بإنصاف – حتى الخلاف العقدي نفسه – ، وبتصوير مذهب المخالفين تصويرا تاماً بغير إخلال، وبسعة الأفق، والاستقلالية في البحث، وبالمعالجات الأصولية المتينة = وهي أمور لو استفاد منها السلفيون لاتسعت الرؤية السلفية المعاصرة!

ولكن – وللأسف- أكثر كتب المعلمي اليماني لا يعرفها السلفيون أصلاً.. إذ لا يعرفون عنه إلا كتاب التنكيل الذي رد فيه على الكوثري فقط.. لكن أين هم من بقية تراثه؟


(ومن باب الإنصاف)

فهذا التصور الإقصائي ليس صادرا عن العلماء الكبار (يقيناً) ، وإنما هو من صنيع الأتباع من دعاة الصحوة.
فالشيخ ابن عثيمين – مثلًا – كان يستفيد من تفسير المنار لرشيد رضا، ويُثني عليه، ويوصي طلبته بمطالعته. بينما السلفيون التقليديون ينبذونه.

وايضا الشيخ ابن باز رحمه الله لم تكن عنده هذه النظرة الضيقة التي تُقسّم العلماء إلى (سلفي / غير سلفي) بهذا التبسيط المخل، بل كان يُثني على جهود علماء من مشارب مختلفة، ويستقبل القرضاوي والغزالي، وتقي الدين العثماني، ويُجل كثيرًا من علماء جامعة ديوبند، ويُحسن الظن بأهل العلم حيثما كانوا.

أضف إلى ذلك أن أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب لهم مشيخة من الأزهر الشريف، وقد أثنى عبد الرحمن بن حسن علي شيوخه هناك.

وخلاصة هذه المؤاخذة:
أن الانغلاق المعرفي، وحصر العلم في مدرسة واحدة، أو في قراءة مخصوصة ليس من سبيل أهل العلم على مدار القرون.

فالتاريخ الإسلامي تنوعت فيه المدارس والمذاهب واستفاد العلماء من بعضهم بعضًا؛ وهذا التنوع قد أنتج الفحول.

وأما الانغلاق فلا ينتج سلفية راسخة، بل يُنتج تصورات هشة سريعة الانهيار، ضعيفة المناعة أمام الغير.

أما السلفية الحقة فهي التي تنفتح على تراث الأمة، وتستوعب التنوع، وتزن الأقوال بميزان العلم والإنصاف

======

منقول

السابق
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٦)/ المؤاخذة السادسة: عدم قراءة ابن تيمية قراءة دقيقة/ تحريرات عقدية/
التالي
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٤)/ المأخذ الرابع: عدم تدريس الخلاف العقدي.. وآثاره السيئة/ تحريرات عقدية/