اختلاف الوهابية فيما بينهم وردودهم وتبديعهم لبعضهم

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٧)/ المؤاخذة السابعة: الموقف السلبي من التصوف بالإجمال/ تحريرات عقدية/

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٧)

المؤاخذة السابعة: الموقف السلبي من التصوف بالإجمال:

من المؤاخذات المنهجية الواضحة على السلفية المعاصرة موقفها السلبي من التصوف بالإجمال.. مع أن هذا التصور لا يوافق تراث المنهج السلفي الأصيل ، ولا يعكس موقف كبار أئمة المدرسة نفسها.

فهذا الموقف لم يكن حاضرا عند شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا عند ابن القيم، بل ولا حتى عند محمد بن عبد الوهاب الذي يمتدح الصوفية باسمهم الصريح في كتاباته.

وإنما تشكَّل هذا الموقف السلبي بصورته الحالية في القرن الماضي تحديداً، منذ كتابات بعض المصريين كالشيخ عبد الرحمن الوكيل، وحامد الفقي ونحوهما، ثم تلقّفه متأخرو النجديين وقلدوهم دون تحقيق علمي.

ويبدو أن ما ساعد على هذا الموقف اقتران التصوف بشرك القبور، لكن هذا الاقتران حصل في القرون المتأخرة جداً، ولا علاقة له بالتصوف من حيث هو.. ولذلك لم يؤثر هذا على موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الصوفية، لأنه لم يكن يعتبر مشركي القبور من الصوفية أصلاً.

والحق أن ابن تيمية – وهو المرجع الأعلى للسلفية المعاصرة – لم ينتقد التصوف من حيث هو، وإنما وجّه نقده إلى مسلكين محددين:

أولًا: الغلاة منهم، وخصوصا التصوف الفلسفي عند ابن عربي وابن سبعين، والسهروردي حيث مزجوا التصوف بالتصورات الوجودية الفلسفية، وظهرت مقولات وحدة الوجود والاتحاد.

وهذا الموقف ليس خاصًا بابن تيمية – كما يُصوَّره جهال الأشعرية اليوم- بل هو موقف جمهور الأشاعرة أنفسهم حتى القرن التاسع الهجري تقريباً، وابن تيمية إنما شاركهم نفس الرأي، ولم يأت بجديد، بل إن السهروردي قُتل بسيف الأشاعرة أنفسهم حيث حرضوا عليه صلاح الدين الأيوبي.

ثانيًا: انتقد بعض البدع السلوكية العملية التي وقعت عند بعض أهل السلوك، من حيث تخصيص عبادات بهيئات وأزمنة معينة مخصوصة.
وهذا نقد علمي فقهي لمسألة عملية، لا يختص بها ابن تيمية،، بل ستعجب إن علمت أن السبكي والهيتمي لهما نفس هذا الرأي – تقريبًا- في مسألة بدعية تخصيص العبادة بزمن أو بهيئة، خلافًا للصورة الشائعة عنهما في الخطاب السلفي /الأشعري المعاصر.

إذن ابن تيمية انتقد أمور معينة شاركه فيها غيره، ولم ينتقد التصوف – من حيث هو- .

بل قد نقل ابن تيمية كلام ابن عقيل في ذم الصوفية، ثم تعقّبه بقوله:
(ولابن عقيل كلام كثير من هذا الجنس… وهذا كثير في أهل الكلام والفقهاء.. وهؤلاء قد لا يعرفون ما في طريق أهل العبادة والتصوف من الأمور المحمودة في الشرع) أهـ

وهذه العبارة توضح عدم رضا ابن تيمية بذم ابن عقيل، حيث وضح بأن في التصوف جوانب شرعية محمودة، وأن إنكارها قد يكون ناشئًا عن قصور في المعرفة.

وهم النشأة عند السلفيين:

ومن العجيب ما يردده بعض السلفيين من أن (المذهب الأشعري تزاوج مع التصوف منذ نشأته) ، مستدلين بالقشيري و بالغزالي الذي صنف ( إحياء علوم الدين) ، مع أن هذا الكلام ساذج تاريخيًا؛ إذ إن كثيرًا من أشاعرة عصر الغزالي أنفسهم أنكروا عليه دخوله في التصوف، كابن العربي المالكي، والمازري، وابن الصلاح وغيرهم.

ثم إننا يمكن أن نقلب عليهم الطاولة، ونقول: إن مذهب أهل الحديث تزاوج مع التصوف منذ وقت مبكر؛ إذ من المعلوم إن صوفية أهل الحديث كانوا أكثر عددا وأسبق زمنا من صوفية الأشاعرة، فمنهم مثلاً:
بشر الحافي، أبو سليمان الداراني، إبراهيم الحربي، والجنيد، وأبو إسماعيل الهروي، وعبد القادر الجيلاني، وعدي بن مسافر… إلخ

ولا يخفى أن ابن تيمية كانت له مراسلات مع أتباع عدي بن مسافر، يثني فيها على طريقتهم وعلى عقيدة شيخهم، ويُقر أصل مسلكهم ، مع نصحهم ببعض الأمور، وهذا وحده كافٍ في نقض الصورة السلفية المعاصرة التي تجعل التصوف كتلة واحدة من الانحراف.

بل إن الأمر أوسع من ذلك.. فإن ابن تيمية نفسه كان صوفيا بالمعنى الواسع، ومحسوبًا على مدرسة عبد القادر الجيلاني الحنبلية، ويروي هذا المسلك بالإسناد.
وقد ذكر ابن المبرد الحنبلي إسناده إلى الجيلاني، وفي الإسناد ابن تيمية نفسه، وهو أمر معروف عند من طالع تراجم الحنابلة.

كما لا يخفى أن لابن تيمية كتاب (التصوف والسلوك) مبثوث في مجموع الفتاوى، لا يمكن لمنصف أن يطّلع عليها ثم يزعم أن موقفه من التصوف موقف إلغاء أو استئصال.

بل من الأمور العجيبة =
أن الشيخ جميل غازي رحمه الله – رئيس أنصار السنة سابقًا- قام بتحقيق رسالة لابن تيمية بعنوان (الصوفية والفقراء)..
كتب جميل غازي في مقدمتها :
((لا يا شيخ الإسلام… أنت حبيب إلينا، ولكن الحق أحب إلينا منك… الصوفية لا خير فيها)) . أو كلام بهذا المعنى.

وهذا يبين لك بوضوح أن هذا المزاج السلفي المعاصر في هذه المسألة = ليس امتدادًا لابن تيمية، بل مسلك حادث، أول من نظّره وعمّمه شيوخ أنصار السنة في القرن الماضي – رحمهم الله – حيث رجحوا مذهب ابن عقيل وابن الجوزي ثم قلّدهم في ذلك شيوخ المملكة المتأخرين… ثم تلقفها منهم جميع السلفيين في العالم…

يتبع…،،

=====

.. أما إذا نظرنا إلى ابن القيم فهو قطب الرحى في هذا الباب إذ استوى فيه التصوف في أرقى صوره حتى إن كتابه (مدارج السالكين) وهو شرح على منازل السائرين يُعد في حقيقته طريقة سلوكية سنية أرقى من أي طريقة صوفية أخرى ، بل هو نموذج للتصوف السني الذي يسبر أغوار القلوب ويحلّل مراتب السير إلى الله.. تحليلا دقيقا جامعًا بين النص والتجربة والتحقيق

__
(من باب الإنصاف والعدل) :

ومع ذلك للإنصاف العلمي ينبغي التنبه إلى جملة من الأمور:

أولًا
على الرغم من أن الخطاب الغالب على السلفية المعاصرة هو ذم التصوف بإطلاق إلا أنك لن تعدم عند بعض علمائهم تمييزاً وإنصافاً ..
فقد قسم الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله الصوفية إلى سنيين وبدعيين وامتدح العلامة عطية محمد سالم التصوف السني في بعض دروسه وميزه بوضوح عن التصوف الدخيل والمنحرف
غير أن هذا التمييز مع وجوده يبقى استثناء… بينما يظل الذم العام هو النبرة الغالبة في الخطاب السلفي .

ثانيًا
هذا الموقف السلبي من التصوف ليس حكرًا على السلفية المعاصرة، بل هو موقف إصلاحي عام نجده عند أعلام النهضة الحديثة كالشيخ ابن باديس والبشير الإبراهيمي كما نجده عند عدد كبير من علماء الأزهر الشريف – قبل المناكفات المعاصرة- مثل الشيخ محمد الغزالي والدكتور محمد عمارة. والدكتور محمد المسير والدكتور محمود مزروعة وغيرهم.
فليس كل نقد للتصوف صادرًا عن مزاج سلفي بل كثير منه إصلاحي أزهري.

ثالثًا:
العدل والإنصاف يقتضي أن يفكك مراد القائل فإن غالب مراد السلفيين إنما قصد التصوف البدعي مثل الطرقية والرقص والزمر وشرك القبور ووحدة الوجود ونحو ذلك..
ومعلوم أنه لا مشاحة في الاصطلاح.. ولا يجوز الاعتراض على هذا الفريق بمجرد المصطلح، وإلا وقعنا في السفسطة.

غير أن فريقًا آخر يطلق النقد ويريد التصوف من حيث هو تصوف ..ويجعله برمته علماً فارسيًا أو من دس أعداء الإسلام .. وهنا تقع الإشكالية.

رابعًا:
الموقف السلبي من التصوف ليس شذوذًا، فهؤلاء السلفيون مسبوقون بابن عقيل وابن الجوزي ، ومالكية الأندلس كالقاضي عياض والقرطبي وابن عطية وغيرهم. حيث أن هؤلاء جميعا يذمون التصوف بإجمال.
كل ما في الأمر أن هذا موقف لم يتبناه ابن تيمية.

فينبغي العدل والإنصاف في عرض المسألة بصورة محايدة وأكاديمية، وعدم الإيهام أن السلفيين شذوا عن الأمة. كما يُبالغ أصحاب المناكفات.

خامساً:
عامة شيوخ السلفية لا يهملون مضمون التصوف وغايته وإن اختلفوا في التسمية فهم يسمونه (الرقائق، التزكية، أعمال القلوب) ويشرحون كتب السلوك كالتبوكية والتحفة العراقية ومدارج السالكين فضلًا عن كتب الحديث الجامعة لأبواب الزهد والآداب كرياض الصالحين ونحوها.

فلا ينبغي – والحال هذه- أن يُظن أن السلفيين جفاة غلاظ أو أن قلوبهم قاسية – كما يصفهم بعض الحمقى – في سياق المناكفات والفجور في الخصومة-.. وهو يعلم في قرارة نفسه أن فيهم من هو أرق قلوبًا وأكثر عبادة وأشد تعظيمًا لجناب الشريعة وأصدق سيرة إلى الله وإن اختلفت المسالك وتباينت المصطلحات

____
اعتراضات وجوابها:

-يقول بعض السلفيين إن مصطلح الصوفية قد دخله كثير من البدع فلماذا لا نلغيه؟

والجواب : إن أكثر مصطلحات التراث قد شابها البدع ، فمصطلح أهل السنة قد دخله بدع كثيرة، ومصطلح أصول الفقه دخله علم المنطق.
ولو تركنا مصطلحات التراث لأجل تشويه أهل البدع لما بقي لنا شيء من علومنا ولا من ميراثنا العلمي.. فالواجب ليس الهروب من المصطلحات بل تصحيح المفاهيم وردها إلى معانيها الصحيحة

-يقول بعضهم: ما حاجتنا إلى التصوف وقد أغنانا الله بالكتاب والسنة؟

فالجواب: ليس كل الناس متضلعين بالكتاب والسنة ولا قادرين على استنباط معاني التزكية والسلوك منهما مباشرة بل في الحقيقة نحتاج إلى بعض مفاهيم التصوف بعد تنقيتها وصياغتها بما يناسب الواقع الحديث مثل مفهوم الشيخ المربي مثلاً والقدوات للشباب الذين يصاحبونهم في طريق التربية العملية.
وأيضًا نحتاج إلى التصوف في التدريس الأكاديمي بوصفه علمًا من علوم التراث التي نفخر بها بين الأمم فهو شاهد على أن هذه الأمة لم تكن أمة فقه فقط، بل أمة علم وعمل وفقه وسلوك، فلا يصح شيطنته ولا إهماله ولا اختزاله في انحرافات بعض المنتسبين إليه.. بل الواجب وضعه في موضعه الصحيح ضمن منظومة العلوم الإسلامية التي خدم بها المسلمون دينهم عبر القرون

====

من الأمور الطيبة أن مقالات نقد السلفية المعاصرة قد لاقت قبولا واستحساناً عند طائفة كما لاقت رفضًا عند طائفة أخرى.
وهذا في ذاته أمر محمود، إذ الغاية من هذه الكتابات ليست كسب التصفيق.. بل إحداث حراك فكري يوقظ الأسئلة ويعيد النظر في المسلّمات.

وللأسف قال بعض الإخوة متهكماً إن نقد السلفية صار موضة قديمة !!
وهذا الكلام مع الاحترام لقائله نابع – في تقديري- من عدم فهم الغرض الحقيقي من هذا النقد ولا قراءة واعية لما أكتبه.

ذلك أن معظم من انتقد السلفية عبر السنوات الماضية= لم يُحسن تشخيص موضع الداء بدقة، فجاء نقده مخلوطا بين ما هو حق، وما هو باطل، مشوبًا بسوء تصور للمسائل وادلتها ومراتبها، وسوء فهم لتعدد المدارس السلفية ، وعدم تمييز بين مراتب الشيوخ والعلماء، مع عدم إلمام واضح بالتاريخ الفكري..

= فخرج النقد تعميمًا مضللًا يفتقد إلى العدل والإنصاف، وكان أقرب إلى الخصومة منه إلى التقويم.

ومن فوائد هذا النقد أيضًا أن السلفي نفسه يجب أن يعلم أين هي الأخطاء الحقيقية وأين هو التهويل والمبالغة؟ حتى لا يُخدع بكلام مُجمل لا يميز بين المناهج.

وذلك لأن كثيرًا من السلفيين أنفسهم مختلط عليهم الأمر، فيكتفون أحيانًا بالدفاع العاطفي دون ضبط أو تمييز منهجي.

بل إنني أعلم بعض السلفيين مقتنعين بمغالطات الشيخ محمد عبد الواحد عن السلفية. إلا أنهم لا يوافقونه على الأسلوب!… واكتفوا بمحبة المشايخ بالعاطفة لأنهم انتفعوا بهم في فترةٍ ما.

يعني الفرق بينهم وبين الأخ عبد الواحد هو انهم مؤدبون فقط.. لكن المغالطات هي هي موجودة عندهم!
= فلهذا كان نقدي مهماً، لتوضيح المسائل وتكفيكها حتى لا يلتبس الأمر.

ولهذا أعجبني ما قاله لي الأخ احمد عبد السلام نصاً – جزاه الله خيرا – :
صحيح نقد السلفية مش جديد على الساحة وفيه ناس سبقوك.. بس أغلب كلامهم كان طالع بروح الخصومة، وهدفه الهدم .
انما ده أول نقد منصف أشوفه بيفكك الموضوع بهدوء ومنطقية . وبيدي كل واحد حقه من غير ظلم. وكأنك بتعمل عملية جراحية وعارف فين موضع الداء بالظبط.

منقول

السابق
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٨) / المؤاخذة الثامنة : فقه الدليل وعدم التمذهب / تحريرات عقدية /
التالي
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٦)/ المؤاخذة السادسة: عدم قراءة ابن تيمية قراءة دقيقة/ تحريرات عقدية/