اختلاف الوهابية فيما بينهم وردودهم وتبديعهم لبعضهم

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٩)/ المؤاخذة التاسعة : العزلة عن علماء الأمة/ تحريرات عقدية/

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (٩):

المؤاخذة التاسعة : العزلة عن علماء الأمة:

من المآخذ الواضحة على السلفية المعاصرة نزعة العزلة الفكرية عن علماء الأمة الإسلامية، والهجر شِبه الكامل لتراثهم، وكأن تراث الأمة قد اختُزل في اسمين أو ثلاثة، وما عداهما إمّا مشوب أو مهدر أو لا يستحق القراءة أصلا

النزعة الغالبة عند جمهور واسع من السلفيين اليوم تتمثل في القطيعة مع علماء كبار كالغزالي، والسبكي، والهيتمي وغيرهم ، لمجرد وقوعهم في أخطاء، أو لكونهم من الأشاعرة..

ولا أقصد هنا الحدادية الغلاة، فهؤلاء أمرهم معروف، وإنما أتحدث عن الجمهور الاعظم من طلاب السلفية. الذين أحسنهم حالاً يقولون بالعذر بالجهل لهؤلاء العلماء.. وكأنهم يتفضّلون عليهم !.

هناك حاجز نفسي ضخم بين السلفية المعاصرة وبين علماء الأمة، حاجز يجعل ابن تيمية وابن القيم وحدهما في دائرة القبول الكامل، أما غيرهما فعلمهم خادم، وذلك لأن فيهم غبش !!

والنتيجة: هي حرمان واسع من علوم وفقه وتجارب عقلية عميقة تراكمت عبر قرون.

والمفارقة العجيبة أن هذه النزعة لم تكن موجودة عند النجديين – رغم شدتهم – . بل على العكس، تجدهم قد اختصروا فصولًا كاملة من فتاوى ابن حجر الهيتمي، واعتمدوها في الدرس العلمي في نجد. وهذه الفتاوى لم تكن خاصة بمسائل القبور ولا الزواجر أو القواطع – كما قد يتوهم البعض-، بل من كتاب الفتاوى الحديثية وفي أبواب الغيبيات مثل: طبيعة الروح، البرزخ، خلود المؤمنين، الكرسي، العرش، بل وحتى مسائل تتعلق بالأولياء.

وهذه الرسالة مطبوعة ضمن مجموع الرسائل النجدية بعنوان: (مسائل نقلها الشيخ حمد بن ناصر من فتاوى ابن حجر الهيتمي)، منقولة من الفتاوى الحديثية.. واعتمدها عبد الرحمن بن حسن في كتابه الإيمان، وهو مطبوع ومتداول.

وقد كان يمكنهم أن يستغنوا عن الهيتمي وينقلوا عن ابن تيمية وحده، ولن يعدموا له كلامًا في هذه المسائل، لكنهم لم يفعلوا. وهذا معناه أنهم يثقون بعلم الهيتمي، ومحبةً له، واحترامًا لمكانته، رغم الخلاف في بعض المسائل.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا لو قلت اليوم لبعض طلاب العلم المعاصرين إنني سأعتمد على فتاوى ابن حجر الهيتمي في أبواب الغيبيات العقدية؟ أظن الإجابة واضحة.

___
ومع ذلك، نحن لا نقول للسلفيين: خذوا العقائد من كل أحد، وإنما نتحدث عن بقية أبواب الشريعة: أصول الفقه، الفقه، المقاصد، القواعد، مناهج الاستدلال.

فأين هم مثلًا من كتاب (جمع الجوامع) للتاج السبكي، وهو من أجمع ما أُلّف في أصول الفقه، ومرجع لا يُستغنى عنه؟
أو كتابه الرائق الرائع (معيد النعم ومبيد النقم)

وقد قرأت لاحد الدكاترة في المملكة انه رفض ان يشرح جمع الجوامع للسبكي حتى لا يغتر به الطلبة !!

__
وقد حاولت – جهدي – أن أبحث عن مصدر هذه العزلة المتطرفة: هل جاءت من العلماء الكبار؟ أم من دعاة الصحوة؟

فتتبعت كتب ابن باز، وابن عثيمين، والألباني، فلم أجد – والحمد لله – هذه الروح الإقصائية. بل وجدت العكس تمامًا.

فهذا ابن عثيمين يثني صراحة على المستصفى للغزالي
يقول الشيخ ابن عثيمين :
“أحسن ما يكون من العبارات والسلاسة، والإنسان ينبسط إذا قرأه، فهو المستصفى للغزالي رحمه الله، هذا الكتاب مجلدان كبيران، لكن في الحقيقة يرتاح الإنسان في قراءته؛ لأنه سهل الأسلوب، وجيد في عرض الآراء ومناقشتها، فهو كتاب من أحسن ما قرأت من جهة التبيين والتوضيح” أهـ

كما أن الشيخ الألباني، في سلسلة الهدى والنور، حين سُئل عن تعقبات السبكي على الذهبي، لم يشنع على السبكي، ولم يتهمه في دينه، بل تكلم بمنطق عقلاني ، وترحم على التاج السبكي، ولقبه بالإمام، وناقش المسألة بهدوء علمي نادر.

أما الشيخ حماد الأنصاري، فكان شديدًا على هذه النزعة والعزلة عن علماء الأمة..
ولما ظهرت بوادر فتنة ازدراء العلماء = قام وقعد وخرج ورجع، لم يهدأ له بال،، يُحذر الناس كأنه منذر جيش، لا من باب العذر للعلماء فقط، بل من باب الاحترام الحقيقي للعلم وأهله..

وقد كان الشيخ رحمه الله يشرح كتب الأشاعرة، ويرويها بإسناده، ويقرر وجوب احترام العلماء – حتى مع الخلاف –.

يقول حماد الأنصاري رحمه اللهكما في كتابه المجموع (1/557):
“يجب أن تحترم العلماء لعلمهم حتى لو كانوا أشاعرة أو ماتريدية، وتخدمهم أيضًا، وبهذا تستطيع أن تصل إلى قلوبهم فيستجيبون لسلفيتك، وبهذا الأسلوب خرجت أمم من الظلمات إلى النور” أهـ

= عند هذه اللحظة اتضح لي أن هذه العزلة الفكرية لم تصدر عن العلماء الراسخين، بل عن خطاب دعوي متأخر، تشكل في سياق (الصحوة الإسلامية) الذي خرجت فيه بعض الأبحاث غير المحررة كأبحاث الشيخ شمس الدين الافغاني وغيره، رغم وجود فوائد في أبحاث هؤلاء، غير أنهم ادخلوا نزعة غير محمودة داخل طلاب العلم في المملكة.

وحمدتُ الله عز وجل أن العلماء الكبار – سلموا من هذه الآفة.. وظلوا أوفياء لتراث الأمة، وأوسع صدرا وأعمق فهمًا لقانون العلم وأخلاقه.

====

تتمة:

وقد كان من آثار القطيعة النفسية والعلمية مع جمهور علماء الأمة عبر قرونها أثر بالغ الوضوح في التحولات الفكرية وخروج الناس من السلفية افواجا.
فقد جرى عمليا حصر الدين في شيخ الاسلام ابن تيمية وحده مع ما صاحب ذلك من جفاء ظاهر – بل وعداء صريح أحيانًا – لأعلام كبار كالغزالي وابن دقيق العيد والسبكي والهيتمي والعز بن عبد السلام والنووي وغيرهم ممن شكلوا الوعي السني العام في الفقه والأصول والتصوف والحديث

ولم تكن المشكلة يومًا في تعظيم ابن تيمية فذلك مما لا ينكر ولا يجادل فيه منصف، وإنما في تحويله إلى مركز وحيد تدور حوله الأمة، و كأن تاريخها العلمي قبله وبعده مجرد هوامش لا يوثق بها ولا يلتفت اليها

هذه العزلة خلقت اغترابا نفسيا شديدًا لدى طلبة العلم والعوام معًا.. إذ شعر كثيرون أنهم قد أُخرجوا من سياق الأمة العام وأنهم منبوذون.. وقد صاروا في خندق ضيق مقابل السواد الاعظم من فقهاء المسلمين ومحدثيهم وأصولييهم.. ومع تراكم هذا الشعور تولدت رغبة داخلية في ما يمكن تسميته بالعودة إلى (دفء الأمة)

وهنا ينبغي التنبه إلى أن هؤلاء العوام وطلاب العلم الذين خرجوا من السلفية= لم يكونوا يبحثون عن الحقيقة العقدية من حيث هي. لأنهم في الغالب غير مؤهلين علميًا ليميزوا أين الحق؟ أمع ابن تيمية أم مع غيره، ولا ليرجحوا بين اثبات الصفات أو تفويضها. (فإنهم لا يفهمون هذه المسائل ويظنون التفويض مجرد إثبات تنزيهي)

هذه المسائل لم تكن تعنيهم في شيء أساساً . بل كان غرضهم الوحيد= هو العودة إلى دفء الانتماء للتراث الذي يعصمهم من التطرف ، والانتساب الواسع للإسلام.. الانتساب إلى ذلك النهر الكبير الذي اسمه: تراث المسلمين

وهنا وقعت اللحظة الفاصلة= إذ تلقف غلاة الصوفية الاتحادية هؤلاء العطشى الذين تعبوا من القطيعة وقدّموا أنفسهم لهم بوصفهم الامتداد الطبيعي (للأزهر وللتراث) زورًا وبهتانًا.. وهم في الحقيقة أبعد الناس عن مناهج الأئمة الذين ينتسبون إليهم اسمًا.. فاختلط على كثيرين الفرق بين التصوف السني التاريخي وبين الانحرافات العقدية ووقع ما لم يكن ينبغي أن يقع.. لا لضعف في الحق بل لسوء في إدارته وسوء في الدعوة إليه

** وكان الاجدر بل الوجب أن يكون السلفيون أولى بهؤلاء العلماء وأقدر على تقديمهم تقديمًا متوازنًا.. لا أن يُسلم تراثهم لخصوم المنهج السني ليعيدوا صياغته على أهوائهم !!

والحق أن أئمة الاسلام مهما وقع منهم أخطاء = فإنما أخطؤوا وهم يريدون خدمة الإسلام بما تيسر لهم من معطيات زمانهم،، ولم تكن اخطاؤهم ناتجة عن هوى ولا عن قطيعة مع النص ولا تقاس بأخطاء المعاصرين الذين يخطئون مع وفرة الوسائل الحديثة للاطلاع
ومع دخول المعاصرين في بدع حلولية واتحادية وقبورية لم يقل بها سابقيهم .

إن تحقير هؤلاء الأئمة أو اخراجهم من زمرة العلماء المعتبرين= لم يكن مجرد خطأ علمي فحسب بل كان خطأ تربويًا ومنهجيًا جسيمًا دفع ثمنه جيل كامل من طلاب العلم وفتح أبوابا كان الأولى أن تبقى مغلقة

= وهكذا كانت هذه العزلة – لا غيرها- أحد المفاتيح المهمة لفهم التحولات الفكرية وخروج الناس افواجًا من السلفية

ولو أحسن السلفيون توظيف التراث كما ينبغي وكان شعارهم: (نحن أولى بالعلماء منهم) = لما وقع هذا النزيف ولا ترك المجال لمن شوهوا الأزهر وانتسبوا إليه زورًا، والأزهر منهم براء.

منقول

السابق
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١٠)/ المؤاخذة العاشرة: نقل التجربة النجدية خارج سياقها وتقليدها بلا فقه اختلاف البيئات/ منقول من تحريرات عقدية /
التالي
هل كتاب الشرح الممتع لابن عثيمين كتاب فقه حنبلي محض؟ (مقال منقول عن قناة سلفية وهي تحريرات عقدية)