سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١١)
المؤاخذة الحادية عشر: الغلظة في الخطاب وعدم فقه الدعوة:
من أهم المؤاخذات التي اسهمت في نفور قطاعات واسعة من الناس من السلفية المعاصرة مسألة الغلظة في الخطاب والدعوة، وغياب الرفق والرحمة في التعامل مع المخالفين والعصاة بل ومع عموم الناس احيانا.
وهذه المؤاخذة في تقديري أخطر من كثير من المسائل العلمية الخلافية.
لأن النفرة هنا ليست فكرية فقط، بل نفسية في المقام الأول ثم تتلبس بعد ذلك بلباس العلم!
فالناس في الغالب لا تنفر من المنهج بسبب مسائل علمية – فهذه أمرها يسير – وإنما تنفر من نبرة الخطاب ومن الشعور بالاستعلاء ومن الإيحاء بامتلاك مفاتيح الجنة والنار وكأن المتكلم وكيل عن الله في الحكم على عباده وهذه النزعة هي التي جعلت كثيرًا من الناس يربطون بين السلفية وبين القسوة والفظاظة وانعدام الرحمة.
ولو أن هذا الربط في حقيقته غير دقيق من حيث الأصل لكنه مفهوم من حيث الأثر
وقد نهى الله تعالى نبيه صراحة عن هذا المسلك فقال (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)
فالرفق في الدعوة ليس ترفا ولا مسألة اخلاقية هامشية بل هو اصل شرعي ومنهج نبوي ثابت، ومع ذلك شهد الخطاب السلفي في فترات سابقة غلوا واضحا في هذا الباب حتى صار بعض عوام المنتسبين اليه يتألى على الله فيحكم للناس او عليهم بالجنة والنار جزافا..
وهنا أتذكر قصة حكاها لي أحد الاخوة من العراق قال لي: كان بيننا وبين مسجد صوفي خصومة طويلة بسبب أن المؤذن بعد الأذان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وكنا ننكر عليهم سنين طويلة ولم نستطع تغيير هذه البدعة، وكانوا يكرهونا أشد الكره..
وفي يوم من الايام تفاجأت بأن المؤذن يؤذن دون هذه الزيادة فتعجبت، وقلت لعله نسي! لكنه استمر على ذلك في بقية الصلوات لا يقول هذه الزيادة.
فذهبت اليه وسألته عن سبب هذا التغير المفاجئ؟ فابتسم وقال سمعت الشيخ محمد حسان في قناة الرحمة يشرح المسألة وانا أحب الشيخ محمد حسان وأثق في كلامه. لأنه يحب الله ورسوله.
يقول الأخ: سبحان الله ظللنا سنين طويلة بالحدة والخصومة لم نغير شيئا، وجاء الشيخ محمد حسان بأسلوبه الرفيق فغير ما عجزنا عن تغييره.
هذا المثال يكشف أن المشكلة لم تكن في الدليل، بل في الأسلوب.. ولم تكن في الحق، بل في طريقة عرض الحق.
ولذلك تجد طلاب العلم اليوم يريدون الرد على الشبهات ليل نهار ويحشد الواحد منهم ترسانة من الأدلة على إثبات الصفات مثلاً.. وهو يظن أن خصمه سوف يقتنع!! .. ولا يعلم أن الموضوع له عامل نفسي
وفي السياق نفسه : لا زلت اتذكر موقفا فجاً لأحد المشايخ المشهورين (لا داعي لذكر اسمه) حين اتصلت به امرأة وقالت انها تزوجت عرفيا من زميلها في العمل، فلم يدعها تكمل كلامها وقاطعها بنبرة حادة وقال: الزواج العرفي حرام وهذا الذي فعلتيه زنا (بصوت جهوري غليظ) ثم اغلق الخط في وجهها، أو اغلقت هي الخط خوفاً. وبغض النظر عن خطأ المرأة لماذا لم يسمع منها؟ ومن قال إن كل صور الزواج العرفي زنا؟ ثم حتى لو وقعت في الزنا الصريح فهي جاءت تسأل وتطلب الهداية والتوبة. فهي كالمريض الذي جاء للطبيب.. والطبيب لا يصرخ في وجه المريض ولا يفضحه، بل يعالجه والفقيه كذلك ليس قاضيا على الناس بل طبيب يوجههم ويأخذ بأيديهم.
وهنا تتجلى المشكلة الحقيقية وهي الخلط بين مقام الفتوى ومقام القضاء.. وبين بيان الحكم وبين تنزيله على الأشخاص وبين الزجر المشروع وبين الفظاظة المنفرة. فالسلفية المعاصرة في بعض اطوارها فقدت هذا الميزان فغلب عليها التشديد في غير موضعه والغلظة حيث يكون الرفق اولى فكان الناتج نفرة نفسية قبل ان تكون فكرية.
وأذكر أيضا أن أحد المشايخ رحمه الله، لما ارسل له أحدهم سؤالاً انه ينكر على عمه أو أحد أقاربه تعامله بالربا (غالبا يقصد البنوك) فمن كثرة إنكاره قال له: أنا أعلم أنها حرام، لكني أفعله!
فأجاب الشيخ أن هذا الرجل مستحل وحكم الشيخ بكفره.
الناس تجادلت بعدها في أن هذا الشيخ يكفر المصر على الكبيرة.. وانقسم السلفيون (من أبناء الصحوة) إلى فريقين : فريق يدافع عن الشيخ ، وفريق يدينه.
وكلا الفريقين نسوا الموضوع الأصلي: كيف نعلم أن هذا السائل كان يدعو أباه أو عمه بأسلوب رفيق، وليس بأسلوبٍ غليظ ؟
فقد يكون الخطأ من أسلوب الشاب نفسه، وكلام عمه له كان ضجرًا منه ومن أسلوبه .
ثم ما الذي يدرينا أن عمه قد قلد شيخ الازهر سيد طنطاوي فيكون معذوراً (وهذا ما قرره ابن عثيمين لما أتاه سؤال قريب من هذا)
ثم مجادلة الشيخ – رحمه الله وغفر له- أنه لا يكفر بالمعصية، لكنه رأى أن هذا الرجل مُستحلاً.
أقول: سنُسلِّم أن الرجل مستحل – جدلاً-.. فهل من فقه الدعوة تكفير قريب السائل كعمه أو أبيه، والذي يترتب عليه أن تُطلق منه زوجته بهذه السهولة؟ وهل نحن جهة قضائية أصلاً؟
يتبع…،،
======
تتمة:
ومن مظاهر الغلظة أيضا: الشماتة في الموت والحكم القاسي على العصاة عند وفاتهم فتسمع من يقول عن موت ( أحد الممثلين) مستراح منه، وكأن الرجل كان كافرا محاربا لا مسلما عاصيا، له ما له وعليه ما عليه، وهذا لون من القسوة التي لا تمت الى فقه السلف بصلة، بل تشبه نزعات الخوارج الذين يكفرون بالذنوب ويغلظون في الحكم على الناس.
بل وصل الأمر عند بعضهم الى الجرأة على الحكم على المعين بالنار مع ان جمهور مشايخ السلفية الكبار كابن باز وابن عثيمين والمعلمي وغيرهم يقولون بعدم الجزم بمصير المعين – حتى ولو كان كافرا – لأن الخاتمة مجهولة والحكم على المصائر من خصائص الله.
يقول ابن عثيمين رحمه الله: (وإذا رأينا رجلاً كافراً ملحداً مسلطاً على المسلمين، يمزق كتاب الله ويدوسه برجليه ويستهزىء بالله ورسوله فلا نقول: هذا من أهل النار، بل نقول: من فعل هذا فهو من أهل النار)
نعم، أعلم أن المسألة قد يكون فيه خلافا، لكن جمهور المعاصرين على هذا القول.
والمقصود : إذا كان هذا قولهم في الكافر ، فكيف بالمسلم العاصي ؟
ومع ذلك خالفهم دعاة الصحوة ونسوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ثم يسبق عليه الكتاب…)
ونسوا قصة الرجل الذي قال لأخيه القائم على المعاصي : ( والله لا يغفر الله لك، فقال الله: من ذا الذي يتألى علي؟! قد غفرت له واحبَطت عملك)
ومن أوضح مظاهر هذه الغلظة الخطاب الذي يوهم أن مجرد الوقوع في المعصية يساوي الهلاك وأن الذنب مهما كان صغيرا يخرج صاحبه من دائرة اهل السنة أو من وصف الاستقامة بل ربما من وصف النجاة فتسمع من يقول عن حالق لحيته انه فاسق او انه ليس سلفيا وكأن السلفية لحية وجلباب، لا منهج اعتقاد وسلوك مع أن هذا يخالف كلام السلف انفسهم الذين كانوا يفرقون بين المعصية وصحة الاعتقاد حتى قالوا: ( قبور عصاة أهل السنة روضة وقبور زهاد اهل البدعة حفرة) = وهي عبارة تعكس ميزانهم الدقيق في التفريق بين الذنب والمنهج (والمراد بالعبارة الجنس لا الأفراد)
والعجيب أن بعضهم يشتد في مسائل ظنية بينما يتساهل في عقوق الوالدين مثلا، وهو من أكبر الكبائر و اخطر عند الله من حلق اللحية بالإجماع، ومع ذلك لا يحضر في الخطاب بنفس الحدة ولا بنفس نبرة التشنيع لأن الإشكال ليس فقهيا بقدر ما هو نفسي وسلوكي مرتبط بصورة التدين الشكلية.
وأصبحت المظاهر الشكلية هي معيار العلم والصلاح. مع أنه قد خدم العلم والسنة من هو حليق اللحية مثل العلامة السلفي محب الدين الخطيب، ومحمد فؤاد عبد الباقي وغيرهم، مع ما قدموه من خدمة عظيمة للسنة وكتب الحديث ولم يمنعهم ذلك من القبول والأثر والإخلاص.
وقد يكون الرجل في بيئة لا تحتمل هذه المظاهر فيتركها مراعاة للمصلحة وسدًا لباب النفرة وهذا داخل في فقه المقاصد الذي غاب عن كثير من الخطاب السلفي المعاصر.
ولهذا اقول: إن هذه المؤاخذة من أخطر ما سبب النفور من السلفية المعاصرة لأن كثيرا من الناس لم يرفضوا المنهج لذاته، بل رفضوا الصورة التي قدم بها والخطاب الذي لبسه والنبرة التي خاطبتهم دون رحمة ولا فقه بالنفوس ولا اعتبار لمقاصد الشريعة.
والواجب اليوم ليس هدم السلفية ولا التشنيع عليها، بل تصحيح هذا الخلل ورد الدعوة الى أصولها النبوية في الرفق والعدل والإنصاف والرحمة بالخلق مع الثبات على الحق دون قسوة ولا استعلاء
===
تعجب بعض الاخوة من ايرادي مدرسة الامام محمد رشيد رضا ورأوا في ذلك نوعا من التعظيم غير المبرر او خروجا عن السلفية كما تشكلت في اذهانهم.
وهذا التعجب في تقديري من رواسب الخطاب الصحوي الذي تشكل في العقود الأخيرة حتى صار ذكر السيد محمد رشيد رضا عند بعضهم مقروناً باتهامات جاهزة من قبيل عقلاني و ماسوني إلى اخر هذه الشنشنات المستهلكة.
اولاً: إسقاط السيد رشيد رضا لم يكن يومًا موقف العلماء الكبار، بل هو موقف متأخر لا نكاد نجد له اصلا معتبرا عند الراسخين.
فهذا الإمام المحدث أحمد شاكر – الذي لا يزايد عليه أحد- يستصغر نفسه إذا جلس بحضرة رشيد رضا.
و كتب عنه مقالاً حافلاً – في جمهرة مقالاته- بعنوان: (أستاذنا الإمام حجة الإسلام السيد محمد رشيد رضا)
جاء في المقال – واصفًا تفسير المنار- : “هو خير تفسير طُبع على الاطلاق ولا أستثني؛ فإنه هو التفسير الأوحد الذي يبين للناس أوجه الاهتداء بهدي القرآن على النحو الصحيح الواضح، إذ هو كتاب هداية عامة للبشر لا يترك شيئا من الدقائق التي تخفى على كثير من العلماء والمفسرين” أهـ
وهذا الكلام لمن يعرف أحمد شاكر لا يمكن حمله على المجاملة ولا على العاطفة بل هو حكم ناقد خبير بالتفاسير ومناهجها يعرف وزن الكلمة التي يقولها ويعي تبعاتها العلمية.
بل الأعجب ان النجديين انفسهم – الذين قد يُتوهم أنهم أول من يعادي رشيد رضا- كانوا من أكثر الناس إنصافا له.
يقول العلامة ابن مانع النجدي الحنبلي صاحب الحاشية على الروض المربع:
“تسألون عن حال الإمام السيد محمد رشيد رضا رحمه الله؟ فاعلموا أن صاحب المنار يُسأل عنه نظراؤه في العلم كالحافظ الذهبي وابن كثير والشوكاني، وأنتم تسمعون بصاحب المنار وتظنون أنه كعلماء العصر، وهيهات!
أتدرون من صاحب المنار؟
هو نابغة اختاره الله ونوّر قلبه، وأعطاه فهم القرآن، ورزقه الإحاطة بمتون السنة، ومعرفة أقوال الصحابة، وفقه الأئمة، وعرف اختلاف العلماء، وميز الحق من الباطل والخطأ من الصواب، وعلم أسرار اللغة العربية، والأصول الفقهية وبرع في علوم الآلة، وعلم الهيئة والمنطق، وغير ذلك كما تدل عليه مؤلفاته الممتعة النافعة الطيبة الطاهرة السالمة من البدع والأقوال الساقطة.
ومثل هذا لا يُسال عنه مثلي ولا أحد من علماء عصري، ومن الذي يُدانيه حتى يعرف مقداره، فنسبة غيره إليه كما قيل:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن
لم يستطع صولة البزل القناعيسِ” أهـ انتهى
قلتُ: وأضف إلى ذلك ثناء العلامة عبد الرحمن السعدي، وابن عثيمين وغيرهما من أئمة التحقيق وتوصيتهم بمطالعة المنار ، ثم بعد هذا كله يأتي من يتهمه بالماسونية بلا دليل ولا بينة.
بل حتى بعض النجديين الذين تعقبوه في أشياء كالشيخ سليمان بن سحمان وغيره= أذعنوا له بالعلم والفضل.
نعم لصاحب المنار اختيارات أخطأ فيها، نابعة من محاولة توفيق العقل مع النقل.
وهو من باب قول ابن تيمية عن بعض المتكلمين : “فإنهم فضلاء عقلاء، ولكن لما التبس عليهم هذا الأصل الذي أخذوه من اليونان ظنوه قواطع عقلية” أهـ
ومدرسة رشيد رضا لا يصح اختزالها في أخطائه المعدودة على أصابع اليد، فإن تلامذته خالفوه فيها، وحفظوا له مكانته.
يقول المحدث الكبير عبد الرزاق حمزة في رده على شيخه رشيد رضا : “أنا تلميذ السيد رشيد رضا، واستفدتُ منه ما أشكر الله عليه وأشكر أستاذي على ذلك وأترحم عليه لأجله، ولكن ذلك لا يمنعني أن أخالفه إلى ما يظهر لي من الحق، كما قال أحد الحكماء عن شيخه إنه يحبه والحق أحب إليه من شيخه” أهـ
___
والسؤال المهم الذي يطرح نفسه:
لصالح من أُسقط هذا الرجل؟
ومن المستفيد من تشويه مدرسة إصلاحية معتدلة؟ ومن الذي خدع الصحوة الإسلامية باسقاط رشيد رضا؟
والجواب:
في ظني – وأقولها بوضوح- أن مدرسة المنار كانت تمثل خطرًا على أصحاب الفكر المتطرف.. على خفافيش الظلام.. على أيادٍ خفية كانت تعبث بمشروع الصحوة وتسير بهم نحو التطرف والغلو.
= فكان من الطبيعي ألا تعجبهم هذه المدرسة ؛ لأنها مدرسة علمية معتدلة غير قابلة للتوظيف التكفيري، ولا للشحن الحركي.
مدرسة تحترم العلماء، و تضبط السلفية بالعلم وتربطها بالمقاصد وتفهم الواقع، ولا تُضيق على الناس في أمور الفقه ؛ فلا تصلح لصناعة الصدام ولا لانتاج الخطاب المتشنج = ولهذا كان الأسهل هو تشويه الرجل رحمه الله.
ومع سقوط صاحب المنار سقطت معه إمكانية السلفية الإصلاحية المتزنة، وبقيت الساحة في الغالب لسلفية جامدة منزوعة السياق.
وأرى أن إعادة الاعتبار لمدرسة السيد رشيد رضا اليوم = ليس ترفًا فكريًا ، بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سلفية أضاعها من لا يُحسن العلم.
.