اختلاف الوهابية فيما بينهم وردودهم وتبديعهم لبعضهم

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١٢)/المؤاخذة الثانية عشرة: عدم ضبط السلفية لباب البدعة/ قناة تحريرات عقدية /

سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١٢)
المؤاخذة الثانية عشرة: عدم ضبط السلفية لباب البدعة:

ليس المقصود في هذه المؤاخذة الانتصار لطرف على حساب آخر؛ فإن باب البدعة من أكثر الأبواب التي اختلط فيها النزاع العلمي ، وتشابك فيها الخلاف الاصطلاحي مع سوء التنزيل على الوقائع. حتى قرر ابن دقيق العيد – وهو من هو – بصعوبة ضبط هذا الباب، فأي تثريب على السلفية بعدم ضبطه؟! .

في البداية، يجب أن نبين أن طرفي النزاع المعاصر في مسألة البدعة لم يحققوا المسألة تحقيقًا علميًا . فكما أخطأ بعض المنتسبين إلى السلفية المعاصرة في التشديد، أخطأ الأشاعرة المعاصرين في تصوير الخلاف تصويرا مضللًا، وكأن فهم حديث (كل بدعة ضلالة) هو فهم وهابي خاص بهم، لا يعرفه غيرهم وهذا غير صحيح علميًا ولا تاريخيًا
وأنا هنا لا أتكلم بصفتي سلفيًا، بل بصفتي باحثا محايدا يحاول وضع المسألة في وضعها الحقيقي

ففهم حديث (كل بدعة ضلالة) على عمومه لم تنفرد به السلفية المعاصرة، بل قال به علماء كبار من مدارس فقهية متعددة – غير مُتهمين عند الأشاعرة – .

فهذا العلامة محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي يقول :
«اختلف العلماء في هذا الباب على قولين:
الأول: أن حديث كل بدعة ضلالة عام مخصوص، والمراد به البدعة السيئة، وقسّموا البدعة إلى واجبة ومندوبة ومكروهة ومحرمة ومباحة.
والقول الثاني – وهو الأصح بالنظر الدقيق – أن حديث كل بدعة ضلالة باقٍ على عمومه، وأن المراد به البدعة الشرعية» اهـ

تأمل قول اللكنوي : (وهو الأصح بالنظر الدقيق)

ويقول العلامة المباركفوري:
«اعلم أن الحنفية في هذا الزمان يواظبون على رفع الأيدي في الدعاء بعد كل مكتوبة مواظبة الواجب،.. وصنيعهم هذا مخالف لقول إمامهم الإمام أبي حنيفة، وأيضًا مخالف لما في كتبهم المعتمدة».

بل إن الكتاب الذي يستدل به السلفيون، وهو (الإبداع في مضار الابتداع) للشيخ علي محفوظ، هو شيخ أزهري غير وهابي، وعضو هيئة كبار العلماء، وقد قرظ الكتاب هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وكان من بينهم الشيخ يوسف الدجوي المالكي الأشعري وجماعة من كبار الأزهريين.
إذن، فالمسألة ليست اختراعًا سلفيًا ولا تيميًا.

ثم حتى لو سلمنا بوجود قولين معتبرين في المسألة، فالسلفية اختاروا أحد القولين.

والصواب : أن الخلاف في التقسيم هو خلاف لفظي اعتباري،
فمن قسم البدعة إلى حسنة وسيئة أو إلى الأحكام الخمسة إنما قصد التقسيم الاصطلاحي.. بينما الجميع متفقون على أن البدعة الشرعية مذمومة.. وهي إحداث في الدين ما ليس منه.
فالخلاف هنا في العبارة لا في أصل المسألة.

محل النزاع المعاصر
نأتي إلى البدعة الإضافية، وهي التي لها أصل عام في الشرع – كمطلق الصلاة أو الذكر – لكن خُصصت بهيئة أو زمان أو مكان، وهي محور الخلاف المعاصر الحقيقي.
وهنا أيضًا من الإنصاف أن يُقال إن هذا التأصيل ليس خاصًا بالسلفية ولا بابن تيمية.

فهذا ابن دقيق العيد يقول:
«وكذلك الاجتماع وإقامة عبادة في وقت مخصوص على شيء مخصوص لم يثبت شرعًا، وقريب من ذلك أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على وجه مخصوص، فيريد بعض الناس أن يُحدث فيها أمرا آخر لم يرد به الشرع، زاعما أنه يدرجه تحت العموم، فهذا لا يستقيم، لأن الغالب على العبادات التعبد، ومأخذها التوقيف» اهـ

ورد تقي الدين السبكي على دليل العموم في تخصيص الصلوات بوقت معين، بقوله:
«لم يرد فيه – أي الشرع – إلا مطلق طلب الصلاة، وأنها خير موضوع، فلا يُطلب منه شيء بخصوصه، فمتى خُص شيئًا بزمان أو مكان أو نحو ذلك دخل في قسم البدع» اهـ

وقال خليل المالكي: “ما حده الشارع وقفنا عنده، وما أطلقه ولم يخصّه بسبب أطلقناه، وما تركه السلف تركناهوإن كان أصله مشهودًا له بالمشروعية؛ فإنه دستور للتمسك بالسنة وقاعدة مالك”

إذن فالأصل العلمي الذي ينطلق منه السلفيون في باب البدعة أصل معتبر، وله سلف، ولا يصح تصويره على أنه تشدد، وإنما خطؤهم في التطبيق – كما سنعرف إن شاء الله- .

واقول للأخ الأشعري المعاصر: لا بأس أن تخالف تأصيلهم، لكن يجب عليك تصوير المسألة تصويرًا أمينًا، لا أن توهم أنهم انفردوا به !

خطأ السلفية المعاصرة:
خطأ السلفية المعاصرة – في تقديري – ليس من هذا الباب- وإنما الخطأ الحقيقي في أمرين:

الأول: التوسع في إنكار مسائل اجتهادية
فالبدع ليست على مرتبة واحدة، ولا كل صورها محل اتفاق. وقد يختلف العلماء في آحاد المسائل لاختلاف فهم النصوص.
فمنهم من أجاز الاجتماع لقراءة القرآن بصوت واحد، مستدلًا بحديث «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله…».
وقد أجاز الإمام النووي هذه الصورة. وتسامح فيها ابن عثيمين أيضًا.

وفي المقابل : منع الإمام النووي رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، بل جزم ببدعية ذلك ورد على الإمام مالك، مع أن الأصوب – والله اعلم – هو مذهب مالك وأهل المدينة، وهو اختيار ابن تيمية والسلفية المعاصرة (مع أن النووي يعتبرها بدعة، فتأمل! )

يتبع.. ،،

===

تتمة:
ومن ذلك أيضًا: القنوت في صلاة الفجر، وهي مسألة خلافية مشهورة بين المذاهب، فمن قنت ليس بمبتدع، وإن كان عدم المداومة عليه إلا في النوازل أقرب إلى السنة.

المقصود : أن هناك مسائل يسع فيها الخلاف، ولا يصح جعلها معيارًا للسنة والبدعة. ونصيب الأسد من أخطاء السلفية المعاصرة = هي من هذا الباب.

ومن صور الخلاف الاجتهادي أيضًا مسألة تحديد العدد، إن كان الذكر شرعيا. (وهي مسألة سببت اشكالا عند المعاصرين)

فالشاطبي مثلاً مال إلى بدعية تحديد العدد، بينما ينقل ابن القيم عن ابن تيمية أنه قال ذكرًا معينًا أربعين مرة: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث…».

لكن ينبغي التنبه إلى أن هذا الذكر ثابت في السنة، وابن تيمية قاله في الوقت الشرعي الوارد في السنة (أذكار الصباح) ، لكن يبقى الإشكال تحديد العدد.
ومن الواضح أن ابن تيمية يتسامح في العدد، إذا كان الذكر مشروعًا في هيئته وفي وقته.

الأمر الثاني (وهو مهم) – عدم اعتبار مقاصد الشريعة والمآلات.
فقد يكون رجل لا يصلي قيام الليل أصلًا، أو واقعًا في معاصٍ ظاهرة، ثم لا يعرف طريقًا للطاعة إلا أن يصلي مع جماعة اجتمعوا على قيام الليل في يوم معين أو بعدد معين، فإذا نُهي عن ذلك ترك الصلاة بالكلية وعاد إلى المنكرات. فمثل هذا لا ينبغي نهيه عن مثل هذا..
كما يقول ابن تيمية : (لا ينبغي النهي عن نور فيه ظلمة، حتى يأتي نور لا ظلمة فيه)

وقد يكون تحديد اليوم من باب تنظيم الوقت وضبط المشاغل، كأن يكون يوم الأربعاء – مثلاً- هو الأنسب لهم ، لا اعتقادًا لفضيلة اليوم، بل مراعاة لأحوالهم وأشغالهم.
= فمثل هذا التنظيم لا ينبغي إنزاله منزلة البدع، بل هو أمر دنيوي تنظيمي.

أيضًا : اعتبار المقاصد والمآلات = هو عين ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه المشهور عن المولد، حيث قال:
«فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم… و أنه يحسن من بعض الناس ما يُستقبح من المؤمن المسدد… فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا وإلا اعتاضوا بفساد لا صلاح فيه».

وهذا النص فيه بيان أن التشدد السائد عند كثير من طلاب العلم اليوم لا يستقيم على مذهب ابن تيمية نفسه، لأنه كان يوازن بين المصلحة والمفسدة، ويعمل قواعد المقاصد، ولا يتعامل مع المسائل بنظرة تجريدية منزوعة عن الواقع.

والذي أختاره هو مذهب ابن تيمية في هذه المسائل، من أن البدعة في أصلها مذمومة، لكن تنزيل الأحكام لا يكون بمعزل عن المقاصد والمآلات، خاصة في زمن غلبة المعاصي واندراس كثير من معالم الدين.

فإنك إن نهيت الناس عن سماع درس عن السيرة في يوم المولد =ذهبوا إلى مشاهدة التلفاز والأفلام! فأيهما أنفع؟

وبدعة المولد أصبحت أمرًا واقعًا، لا تستطيع منعه في بعض البلدان، وسيفعله الناس بك أو بغيرك.. فمن المقاصد هنا = تقليل المفاسد وترشيده بفتح باب طاعة بديلة، وإلا انشغلوا بما هو مقطوع بحرمته من لهو وفجور، لا بما هو مختلف فيه

__
ماسبق كانت رؤوس أقلام سريعة. والمسألة تحتاج إلى بسط وتقعيد أمثلة أكثر من ذلك، لكن المقام لا يحتمل إلا الإشارة.

إذن، خطأ السلفية المعاصرة في باب البدعة ليس في جهة التأصيل – من حيث هو- ، بل في التوسع في الإنكار في مسائل اجتهادية، و عدم التفريق بين مراتب البدع وظنهم أنها على مرتبة واحدة ،وفي إغفال المقاصد والمآلات، وفي تحويل باب تعبدي إلى خطاب صدامي منفر.
والله أعلم

السابق
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١) / منقول من قناة سلفية على التلغرام وهي “تحريرات عقدية”/
التالي
سلسلة مؤاخذات على السلفية المعاصرة (١٣)/ مؤاخذة رقم 13: غياب الدراسات البنيوية في العلوم الشرعية عند السلفية المعاصرة/ تحريرات عقدية/