قال السفاريني رحمه الله تعالى في كتابه لوامع الأنوار:
“فإن قيل: إذا كان علم الكلام بالمثابة التي ذكرت، والمكانة التي عنها برهنت . . فكيف ساغ للأئمة الخوض فيه، والتنقيب عما يحتويه؟ ثم إنك أتيت ما عنه نهيت، وحررت ما عنه نفرت، وهل هذا في بادئ الرأي إلا مدافعة، وجمع للشيئين اللذين بينهما تمام الممانعة؟
قلت: إن ما ذهب إليه وهلك من التمانع لممتنع، وما سنح في خلدك من التدافع لمندفع، بل العلم الذي نهينا عنه غير الذي ألفنا فيه، والكلام الذي حذرنا منه غير الذي صنف فيه كل إمام وحافظ وفقيه؛ فعلم الكلام الذي نهى عنه أئمة الإسلام: هو العلم المشحون بالفلسفة والتأويل، والإلحاد والأباطيل، وصرف الآيات القرآنية عن معانيها الظاهرة، والأخبار النبوية عن حقائقها الباهرة، دون علم السلف ومذهب الأثر، وما جاء في الذكر الحكيم وصحيح الخبر . . فهذا لعمري ترياق القلوب الملسوعة بأراقم الشبهات، وشفاء الصدور المصدوعة بتراجم المحدثات، ودواء الداء العضال، وبازهر السم القتال فرض عين أو عين فرض على كل نبيه، وهو العلم الذي تعقد عليه الخناصر؛ لدحض حجة كل متحذلق وسفيه، فزال هذا الإشكال، والله ولي الإفضال” ا.هـ.
قال الشمس ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية (1/ 274) : “ووجدت في کتاب لولد ولد القاضي أبي يعلى ذكر فيه خلافا في المذهب وكلام أحمد في ذلك قال والصحيح من المذهب أن علم الكلام مشروع مأمور به وتجوز المناظرة فيه والمحاجة لأهل البدع ووضع الكتب في الرد عليهم وإلى ذلك ذهب أئمة التحقيق القاضي والتميمي في جماعة المحققين وتمسكوا في ذلك مع استغنائه عن قول يسند إليه بقول الإمام أحمد في رواية المروذي (إذا اشتغل بالصوم والصلاة واعتزل وسكت عن الكلام في أهل البدع فالصوم والصلاة لنفسه وإذا تكلم كان له ولغيره يتكلم أفضل)
وقد صنف الإمام أحمد رحمه الله ورضي عنه كتابا في الرد على الزنادقة والقدرية في متشابه القرآن وغيره واحتج فيه بدلائل العقول وهذا الكتاب رواه ابنه عبد الله وذكره الخلال في کتابه وما تمسك به الأولون من قول أحمد فهو منسوخ قال أحمد في رواية حنبل (قد كنا نأمر بالسكوت فلما دعينا إلى أمر ما كان بد لنا أن ندفع ذلك ونبين من أمره ما ينفي عنه ما قالوه) ثم استدل لذلك بقوله تعالى (( وجادلهم بالتي أحسن )) [النحل 125] وبأنه قد ثبت عن رسله الجدال ولأن بعض اختلافهم حق وبعضه باطل ولا سبيل إلى التمييز بينهم إلا بالنظر فعلمت صحته ” انتهى.
- وقال الشيخ عبدالله العبدالله في التقريرات الحنبلية ص 224-225 :
والقول بمشروعية علم الكلام تعلما ومناظرة وردا هو الأصح ولأصحابه طريقان في توجيه ما ورد عن الإمام أحمد رضي الله عنه مما احتج به المانعون:
الأول: النسخ؛ وهو أن الروايات المنقولة عن الإمام أحمد رضي الله عنه والتي فيها النهي عن علم الكلام قد رجع عنها وهذه طريقة القاضي أبي يعلى الصغير.
قال ابن المبرد رحمه الله تعالى في تحفة الوصول في علم الأصول (ص/ ۵۸) :
واختلف أصحابنا في علم الكلام والمناظرة فيه ووضع الكتب فيه والرد على المبتدعة هل هو مشروع أم لا ؟
فذهب المتقدمون إلى أنه غير مشروع بل هو منهي عنه واختاره صاحب النظم ونص عليه في رواية المروذي وصالح وأبي عمران الأصبهاني وأبي الحارث وعبدوس بن مالك وإسحاق بن منصور وعبدالله . وذهب القاضي أبو يعلى وشيخه ابن حامد والتميمي والقاضي الصغير؛ إلى أن علم الكلام مشروع مأمور به ويجوز مناظرة أهل البدع ووضع الكتب في الرد عليهم وقال القاضي أبو يعلى الصغير: “إنه الصحيح من المذهب ونص عليه أحمد في رواية المروذي وحنبل وغيرهما” انتهى.
والثاني: الجمع؛ وهو أولى من القول بالنسخ وهي طريقة النجم ابن حمدان قال رحمه الله تعالى في صفة المفتي والمستفتي (ص/225)
“وعلم الكلام المذموم هو أصول الدين إذا تكلم فيه بالمعقول المحض أو المخالف للمنقول الصريح الصحيح؛ فإن تكلم فيه بالنقل فقط أو بالنقل والعقل الموافق له؛ فهو أصول الدين وطريقة أهل السنة وعلم السنة و أهلها” انتهى